أم لاما
11-09-2005, 06:14 PM
الفوارق بين العلوم الشرعية والعلوم الطبيعية وما يترتب عليها:
توجد بين العلوم – عموماً الشرعية والطبيعية - فوارق كثيرة، فلكل علم سماته وخصائصه، وهذا الفوارق تنبغي مراعاتها ووضعها في الحسبان عند اختيار نوع التعليم وأساليبه وطرقه والوسائل التعليمية.
والعلوم الشرعية لها سماتها وطبيعتها وخصائصها التي تميزها عن باقي العلوم، مما يستوجب دراسات خاصة فيما يناسبها وما لا يناسبها من الوسائل والأنواع التعليمية، ومدى إمكانية تطويع ما لا يناسبها ليتوافق مع طبيعة العلوم الشرعية، ومدى دور كل وسيلة ونوع منها.
وهذه بعض الفروق بين العلوم الشرعية وغيرها من العلوم الطبيعية، وما يترتب عليها من آثار متعلقة بالأنواع والوسائل التعليمية الحديثة:
1- من حيث المصدر:
مصدر العلوم الشرعية وأصلها هو الوحي، فهي تقوم أولاً وأخيراً على الوحي المنزل وهو الكتاب والسنة، قال _تعالى_: "اتَّبِعُواْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ وَلاَ تَتَّبِعُواْ مِن دُونِهِ أَوْلِيَاء قَلِيلاً مَّا تَذَكَّرُونَ" [الأعراف: 3]، وما أنزله الله _تعالى_ إلينا هو الكتاب والسنة، قال _تعالى_: "وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ{41} لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ" [فصلت: 42]، وقال _تعالى_: "وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى (3) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى" [النجم: 3، 4]، وقال _صلى الله عليه وسلم_: "ألا إني أوتيت الكتاب ومثله معه"(3) قال ابن كثير: "يعني السنة"(4) ، فالبحث والنظر والتحليل ليست مصدراً للعلوم الشرعية، وإنما هي أدوات لفهم الكتاب والسنة وما يتفرع عنهما من علوم، والاستنباط منهما وتطبيقهما والعمل بهما.
ومهما تفرعت العلوم الشرعية فمقياسها وميزانها من حيث الصواب والخطأ هو الكتاب والسنة، فما كان موافقاً لهما فهو مقبول، وما كان مخالفاً لهما فهو مردود.
ومصدر العلوم الطبيعية، كالجيولوجيا والكيمياء والفلك وغيرها، هو النظر والبحث والتجربة، كما أنها تعتمد في بيان ما بها من صواب وخطأ على التجربة والتحليل.
ويترتب على هذا الفارق أمور؛ من أهمها، فيما يتعلق بالأنواع والوسائل التعليمية الإلكترونية الحديثة، أن العلوم الشرعية تحتاج إلى ضمانات كبيرة في عمليتي التعلم والتعليم، فلا بد من الدقة في اختيار المنهج، وفي أصالة المفهومات، ونقل المعلومات، وفي عرضها عبر الوسائل الحديثة، فالعلوم الشرعية لها قدسية خاصة تستلزم مراعاتها الحيطة في إدخال مضمونها في الوسائل التعليمية الحديثة، فلا بد مثلا أن تكون مراجع الدراسة المخزنة في الوسائط الإلكترونية موثقة من جهات علمية شرعية وتربوية إسلامية معروفة، لضمان سلامة المادة المخزنة منهجياً وعقديا ولغوياً وتربوياً.
ومن أهم آثار هذا الفارق أن تكون الأسس التعليمية المعتمدة في تعليم العلوم الشرعية في الأنواع التعليمية الحديثة – وجميع الأنواع عموماً - قائمة على علم تعلم(5) إسلامي خالص، وعلى نظم تعليمية مبنية على رؤية إسلامية خالصة، لا على النظريات الغربية، فمن الملاحظ في دراسات التعلم وبحوثه الاهتمام بمناقشة النظريات الغربية وبحثها واستعمالها بكثرة في وضع المناهج، واختيار الوسائل التعليمية على أساسها؛ في الوقت نفسه الذي نرى فيه إهمال نظريات التعلم الإسلامية ومبادئه ومذاهبه، وآراء أعلامه كالقابسي والغزالي والزرنوجي(6) وغيرهم، وإهمال الاستفادة منها في تطوير علمي التعلم والتعليم، ففي حين تجد بحثاً واحداً في هذا المجال تجد عشرات البحوث المبنية على النظريات الغربية.
وكمثال على خطورة التطبيق العشوائي للنظريات الغربية دون مراعاة للمبادئ والقواعد الإسلامية، هناك في علم النفس التعليمي مبدأ ينص على ضرورة فهم المعنى فهماً تاماً كي تتم عملية التعليم، فلو طبقنا هذا المبدأ على حفظ القرآن الكريم للأطفال فيسعني ذلك أنه لا بد أن نؤخر تحفيظ القرآن الكريم للأطفال إلى سن متأخرة حتى يفهموا مضمون الآيات والكلمات القرآنية، وهذا لا يتفق مع ضرورة ربط النشء بالقرآن منذ الصغر - مع مراعاة اختلاف القدرات – فقد أثبتت الدراسات التي أجريت على تعلم الأطفال مقدرتهم عموماً على التذكر الجيد، ومبدأ فهم المعنى مبدأ مهم لكن في مجال العلوم الطبيعية، أما في العلوم الشرعية فيحتاج تطبيقه إلى مراعاة لخصائص الدين الإسلامي ومقتضياته، وعدم مراعاة ذلك لدى بعض المغرورين بالغرب هو سبب ظهور دعاواهم ومناداتهم بتأخير تعليم القرآن الكريم لمراحل متأخرة وتقليل مقررات الحفظ(7).
2- من حيث الهدف:
العلوم الشرعية تهدف إلى تحقيق العبودية الخالصة لله _تعالى_ في الفرد والمجتمع بما يحقق السعادة في الدنيا والآخرة، فقد حددت آية سورة التوبة هدف التفقه في الدين في ذلك، قال _تعالى_: "وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُواْ كَآفَّةً فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌ" أي: ومكث الباقون "لِّيَتَفَقَّهُواْ فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُواْ قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُواْ إِلَيْهِمْ" من الغزو بتعليمهم ما تعلموه من الأحكام "لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ" عقاب الله بامتثال أمره ونهيه(8) - [التوبة: 122].
قال الغزالي – رحمه الله -: "إن لصناعة التعليم من شرف المحل أوفى حظ وأتم نصيب، فإن المعلم متصرف في قلوب البشر ونفوسهم، ولا يخفى أن أشرف مخلوق هو الإنسان، وإن أشرف شيء في الإنسان قلبه، والمعلم مستقل بتكميله وتطهيره وسياقته إلى القرب من الله _عز وجل_"(9).
أما العلوم الطبيعية فهدفها تيسير معيشة الإنسان في الأرض.
فهدف العلوم الشرعية أوسع وأشمل؛ لأنه يتضمن تحقيق السعادة في الدنيا بتوحيد الله واتباع منهج الإسلام، وهذا يدخل فيه الاجتهاد في تعلم العلوم الطبيعية وتطويرها، وكذلك يتضمن تحقيق السعادة في الآخرة بدخول المؤمنين الجنة.
وتترتب على هذا الفارق أمور؛ من أهمها أن العلوم الإسلامية تتعلق بتكوين شخصية الفرد وعقله ونفسه ومنهجه الفكري، فهي علوم تحمل الصفتين صفة العلم وصفة التربية، بخلاف العلوم الطبيعية، والتربية في الغالب تحتاج إلى بيئة تربوية، تتعدد فيها المواقف التربوية، وتتمثل تلك البيئة في مراحل التعليم في الفصل من الزملاء المتعلمين والمعلم والمدرسة أو الجامعة أو حلقات العلم والكتاتيب، وهنا تظهر مشكلة التعليم عن بعد أو التعليم الإلكتروني إذا كان لا يوفر تلك البيئة، وعدم الاهتمام بالجانب التربوي عموماً، وفي تعليم العلوم الشرعية خصوصاً، له آثار خطيرة؛ لأن (التربية هي مدخل التعليم وأساسه، وبدون التربية لا يكون البناء التعليمي قائماً على أساس، ويكون حينئذ إلى الانحدار والسقوط أسرع منه إلى العلو والشموخ، فالفصل بين التربية والتعليم قتل لهما على التو والفور)(10) ، وخصوصاً إذا حدث هذا الفصل في العلوم الشرعية؛ لأنه سيؤدي إلى زيادة كبيرة في نسبة ظهور الشخصيات التي تحمل ألقاباً علمية كبيرة لكنها منحرفة ومضللة، (فما قيمة هذا العالم المشار إليه بالبنان إذا كان كاذباً خؤوناً يستمرئ الباطل ويحسن التمرغ في وحل الرذيلة)(11).
3- من حيث تطور مضمون العلم:
العلوم الشرعية - من حيث مضمونها - غير قابلة للتغيير أو التطوير، قال _تعالى_: "وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَاءنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَـذَا أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِن تِلْقَاء نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَى إِلَيَّ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ" [يونس: 15]، فمن حيث العقيدة؛ فالعقيدة حقائق تقوم على الإيمان لا تتغير ولا تتبدل مهما تغير الزمان، ومن حيث الأحكام؛ فما كان حراماً سيظل حراماً وما كان حلالاً سيظل حلالاً، وما كان عبادة من صلاة وزكاة بكيفية معينة سيظل بكيفيته لا تتغير، وما كان من المعروف شرعاً سيبقى من المعروف، وما كان من المنكرات شرعاً سيبقى من المنكرات. وما يحدث في حياة الناس من تغير وتطور عبر الأزمنة في كل المجالات فله في شريعة الإسلام حكم، علمه من علمه وجهله من جهله؛ لأن الله _تعالى_ أنزل الشريعة الإسلامية صالحة لكل زمان ومكان، فهي بقواعدها وأحكامها التفصيلية والعامة تشمل أحوال الناس مهما تطورت حياتهم إلى يوم القيامة، ومهما اختلفت أجناسهم وبيئاتهم، ويستطيع العلماء بعلمهم وباجتهاداتهم استنباط الأحكام لكل حادثة صغيرة أو كبيرة، فهي حاكمة على كل تغير في حياة الناس.
أما العلوم الطبيعية فهي قابلة في مضمونها للتطوير والتغيير المستمر، وخصوصاً في عصرنا هذا؛ لأنها علوم خاضعة للبحث والنظر والتجربة، وقد يتغير مفهوم علمي اليوم عما كان عليه لدى العلماء قبل سنوات، وقد يكتشف العلماء بطلان نظرية كانت تعد من المسلمات، وذلك كلما تطور البحث وتطورت الوسائل المستعملة في دراسة تلك العلوم.
ومما يترتب على هذا الفارق؛ أن العلوم الشرعية لا يصح أن تُستهدف في مضمونها ومفهوماتها بتغيير أو تطوير، وإنما يكون مجال التطوير والتحديث فيها في الوسائل المستعملة في نشرها وحفظها وتعليمها وتعلمها، أو في جانب التدوين والتنظيم والترتيب، أو في تيسير الأسلوب لعامة الناس، أو في جانب التحقيق والتدقيق، وما شابه ذلك.
أما تطوير المضمون تحت مسمى تطوير التعليم أو إصلاح التعليم الديني وغير ذلك من الشعارات – إن كانت تستهدف المضمون - فهي محاولات تهدف إلى هدم الدين ومحو تراث علماء الإسلام العلمي العظيم.
وهنا ينبغي لأصحاب مشروعات التعليم الإلكتروني ألا يخلطوا بين تطوير المضمون وتطوير الوسيلة، وألا يقعوا تحت ضغط التيسير وتسهيل استعمال الوسائل الحديثة غير المحسوب؛ فيتساهلوا في وضع المناهج، ولا يراعوا أصول طلب العلم الشرعي الإسلامية.(منقول بقلم :محمد سعد )
_________________
(3) أخرجه أحمد وأبو داود، انظر: صحيح الجامع، للألباني، رقم 2643
(4) تفسير ابن كثير، المقدمة، ص 4، طبعة دار المنار.
(5) علم التعلم: علم يبحث في ظاهرة تعديل أو تغيير السلوك. وعلم التعليم: إجراء تطبيقي يستفيد من القوانين التي كشف عنها علم التعلم. وفي كلمة واحدة التعلم علم والتعليم تكنولوجيا. انظر: علم النفس التعليمي، للأستاذ الدكتور محمود عكاشة والدكتور محمود المنشاوي، ص 13.
(6) انظر كتاب التربية في الإسلام، للدكتور أحمد فؤاد الأهواني، ص 220.
(7) انظر: كتاب تعليم اللغة العربية أسسه وإجراءاته، للدكتور فتحي يونس والدكتور محمود كامل والدكتور رشدي طعيمة، الجزء الثاني ص 249، وراجع الرد على تلك الدعاوى المذكورة ص 251- 254.
(8) تفسير الجلالين، سورة التوبة، آية رقم 122.
(9) الوسائل التعليمية بين النظرية والتطبيق، الدكتور علاء زايد، ص 3.
(10) طريق البناء التربوي الإسلامي، الدكتور عجيل جاسم النشمي، ص 22.
(11) المرجع السابق، ص23.
توجد بين العلوم – عموماً الشرعية والطبيعية - فوارق كثيرة، فلكل علم سماته وخصائصه، وهذا الفوارق تنبغي مراعاتها ووضعها في الحسبان عند اختيار نوع التعليم وأساليبه وطرقه والوسائل التعليمية.
والعلوم الشرعية لها سماتها وطبيعتها وخصائصها التي تميزها عن باقي العلوم، مما يستوجب دراسات خاصة فيما يناسبها وما لا يناسبها من الوسائل والأنواع التعليمية، ومدى إمكانية تطويع ما لا يناسبها ليتوافق مع طبيعة العلوم الشرعية، ومدى دور كل وسيلة ونوع منها.
وهذه بعض الفروق بين العلوم الشرعية وغيرها من العلوم الطبيعية، وما يترتب عليها من آثار متعلقة بالأنواع والوسائل التعليمية الحديثة:
1- من حيث المصدر:
مصدر العلوم الشرعية وأصلها هو الوحي، فهي تقوم أولاً وأخيراً على الوحي المنزل وهو الكتاب والسنة، قال _تعالى_: "اتَّبِعُواْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ وَلاَ تَتَّبِعُواْ مِن دُونِهِ أَوْلِيَاء قَلِيلاً مَّا تَذَكَّرُونَ" [الأعراف: 3]، وما أنزله الله _تعالى_ إلينا هو الكتاب والسنة، قال _تعالى_: "وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ{41} لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ" [فصلت: 42]، وقال _تعالى_: "وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى (3) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى" [النجم: 3، 4]، وقال _صلى الله عليه وسلم_: "ألا إني أوتيت الكتاب ومثله معه"(3) قال ابن كثير: "يعني السنة"(4) ، فالبحث والنظر والتحليل ليست مصدراً للعلوم الشرعية، وإنما هي أدوات لفهم الكتاب والسنة وما يتفرع عنهما من علوم، والاستنباط منهما وتطبيقهما والعمل بهما.
ومهما تفرعت العلوم الشرعية فمقياسها وميزانها من حيث الصواب والخطأ هو الكتاب والسنة، فما كان موافقاً لهما فهو مقبول، وما كان مخالفاً لهما فهو مردود.
ومصدر العلوم الطبيعية، كالجيولوجيا والكيمياء والفلك وغيرها، هو النظر والبحث والتجربة، كما أنها تعتمد في بيان ما بها من صواب وخطأ على التجربة والتحليل.
ويترتب على هذا الفارق أمور؛ من أهمها، فيما يتعلق بالأنواع والوسائل التعليمية الإلكترونية الحديثة، أن العلوم الشرعية تحتاج إلى ضمانات كبيرة في عمليتي التعلم والتعليم، فلا بد من الدقة في اختيار المنهج، وفي أصالة المفهومات، ونقل المعلومات، وفي عرضها عبر الوسائل الحديثة، فالعلوم الشرعية لها قدسية خاصة تستلزم مراعاتها الحيطة في إدخال مضمونها في الوسائل التعليمية الحديثة، فلا بد مثلا أن تكون مراجع الدراسة المخزنة في الوسائط الإلكترونية موثقة من جهات علمية شرعية وتربوية إسلامية معروفة، لضمان سلامة المادة المخزنة منهجياً وعقديا ولغوياً وتربوياً.
ومن أهم آثار هذا الفارق أن تكون الأسس التعليمية المعتمدة في تعليم العلوم الشرعية في الأنواع التعليمية الحديثة – وجميع الأنواع عموماً - قائمة على علم تعلم(5) إسلامي خالص، وعلى نظم تعليمية مبنية على رؤية إسلامية خالصة، لا على النظريات الغربية، فمن الملاحظ في دراسات التعلم وبحوثه الاهتمام بمناقشة النظريات الغربية وبحثها واستعمالها بكثرة في وضع المناهج، واختيار الوسائل التعليمية على أساسها؛ في الوقت نفسه الذي نرى فيه إهمال نظريات التعلم الإسلامية ومبادئه ومذاهبه، وآراء أعلامه كالقابسي والغزالي والزرنوجي(6) وغيرهم، وإهمال الاستفادة منها في تطوير علمي التعلم والتعليم، ففي حين تجد بحثاً واحداً في هذا المجال تجد عشرات البحوث المبنية على النظريات الغربية.
وكمثال على خطورة التطبيق العشوائي للنظريات الغربية دون مراعاة للمبادئ والقواعد الإسلامية، هناك في علم النفس التعليمي مبدأ ينص على ضرورة فهم المعنى فهماً تاماً كي تتم عملية التعليم، فلو طبقنا هذا المبدأ على حفظ القرآن الكريم للأطفال فيسعني ذلك أنه لا بد أن نؤخر تحفيظ القرآن الكريم للأطفال إلى سن متأخرة حتى يفهموا مضمون الآيات والكلمات القرآنية، وهذا لا يتفق مع ضرورة ربط النشء بالقرآن منذ الصغر - مع مراعاة اختلاف القدرات – فقد أثبتت الدراسات التي أجريت على تعلم الأطفال مقدرتهم عموماً على التذكر الجيد، ومبدأ فهم المعنى مبدأ مهم لكن في مجال العلوم الطبيعية، أما في العلوم الشرعية فيحتاج تطبيقه إلى مراعاة لخصائص الدين الإسلامي ومقتضياته، وعدم مراعاة ذلك لدى بعض المغرورين بالغرب هو سبب ظهور دعاواهم ومناداتهم بتأخير تعليم القرآن الكريم لمراحل متأخرة وتقليل مقررات الحفظ(7).
2- من حيث الهدف:
العلوم الشرعية تهدف إلى تحقيق العبودية الخالصة لله _تعالى_ في الفرد والمجتمع بما يحقق السعادة في الدنيا والآخرة، فقد حددت آية سورة التوبة هدف التفقه في الدين في ذلك، قال _تعالى_: "وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُواْ كَآفَّةً فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌ" أي: ومكث الباقون "لِّيَتَفَقَّهُواْ فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُواْ قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُواْ إِلَيْهِمْ" من الغزو بتعليمهم ما تعلموه من الأحكام "لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ" عقاب الله بامتثال أمره ونهيه(8) - [التوبة: 122].
قال الغزالي – رحمه الله -: "إن لصناعة التعليم من شرف المحل أوفى حظ وأتم نصيب، فإن المعلم متصرف في قلوب البشر ونفوسهم، ولا يخفى أن أشرف مخلوق هو الإنسان، وإن أشرف شيء في الإنسان قلبه، والمعلم مستقل بتكميله وتطهيره وسياقته إلى القرب من الله _عز وجل_"(9).
أما العلوم الطبيعية فهدفها تيسير معيشة الإنسان في الأرض.
فهدف العلوم الشرعية أوسع وأشمل؛ لأنه يتضمن تحقيق السعادة في الدنيا بتوحيد الله واتباع منهج الإسلام، وهذا يدخل فيه الاجتهاد في تعلم العلوم الطبيعية وتطويرها، وكذلك يتضمن تحقيق السعادة في الآخرة بدخول المؤمنين الجنة.
وتترتب على هذا الفارق أمور؛ من أهمها أن العلوم الإسلامية تتعلق بتكوين شخصية الفرد وعقله ونفسه ومنهجه الفكري، فهي علوم تحمل الصفتين صفة العلم وصفة التربية، بخلاف العلوم الطبيعية، والتربية في الغالب تحتاج إلى بيئة تربوية، تتعدد فيها المواقف التربوية، وتتمثل تلك البيئة في مراحل التعليم في الفصل من الزملاء المتعلمين والمعلم والمدرسة أو الجامعة أو حلقات العلم والكتاتيب، وهنا تظهر مشكلة التعليم عن بعد أو التعليم الإلكتروني إذا كان لا يوفر تلك البيئة، وعدم الاهتمام بالجانب التربوي عموماً، وفي تعليم العلوم الشرعية خصوصاً، له آثار خطيرة؛ لأن (التربية هي مدخل التعليم وأساسه، وبدون التربية لا يكون البناء التعليمي قائماً على أساس، ويكون حينئذ إلى الانحدار والسقوط أسرع منه إلى العلو والشموخ، فالفصل بين التربية والتعليم قتل لهما على التو والفور)(10) ، وخصوصاً إذا حدث هذا الفصل في العلوم الشرعية؛ لأنه سيؤدي إلى زيادة كبيرة في نسبة ظهور الشخصيات التي تحمل ألقاباً علمية كبيرة لكنها منحرفة ومضللة، (فما قيمة هذا العالم المشار إليه بالبنان إذا كان كاذباً خؤوناً يستمرئ الباطل ويحسن التمرغ في وحل الرذيلة)(11).
3- من حيث تطور مضمون العلم:
العلوم الشرعية - من حيث مضمونها - غير قابلة للتغيير أو التطوير، قال _تعالى_: "وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَاءنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَـذَا أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِن تِلْقَاء نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَى إِلَيَّ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ" [يونس: 15]، فمن حيث العقيدة؛ فالعقيدة حقائق تقوم على الإيمان لا تتغير ولا تتبدل مهما تغير الزمان، ومن حيث الأحكام؛ فما كان حراماً سيظل حراماً وما كان حلالاً سيظل حلالاً، وما كان عبادة من صلاة وزكاة بكيفية معينة سيظل بكيفيته لا تتغير، وما كان من المعروف شرعاً سيبقى من المعروف، وما كان من المنكرات شرعاً سيبقى من المنكرات. وما يحدث في حياة الناس من تغير وتطور عبر الأزمنة في كل المجالات فله في شريعة الإسلام حكم، علمه من علمه وجهله من جهله؛ لأن الله _تعالى_ أنزل الشريعة الإسلامية صالحة لكل زمان ومكان، فهي بقواعدها وأحكامها التفصيلية والعامة تشمل أحوال الناس مهما تطورت حياتهم إلى يوم القيامة، ومهما اختلفت أجناسهم وبيئاتهم، ويستطيع العلماء بعلمهم وباجتهاداتهم استنباط الأحكام لكل حادثة صغيرة أو كبيرة، فهي حاكمة على كل تغير في حياة الناس.
أما العلوم الطبيعية فهي قابلة في مضمونها للتطوير والتغيير المستمر، وخصوصاً في عصرنا هذا؛ لأنها علوم خاضعة للبحث والنظر والتجربة، وقد يتغير مفهوم علمي اليوم عما كان عليه لدى العلماء قبل سنوات، وقد يكتشف العلماء بطلان نظرية كانت تعد من المسلمات، وذلك كلما تطور البحث وتطورت الوسائل المستعملة في دراسة تلك العلوم.
ومما يترتب على هذا الفارق؛ أن العلوم الشرعية لا يصح أن تُستهدف في مضمونها ومفهوماتها بتغيير أو تطوير، وإنما يكون مجال التطوير والتحديث فيها في الوسائل المستعملة في نشرها وحفظها وتعليمها وتعلمها، أو في جانب التدوين والتنظيم والترتيب، أو في تيسير الأسلوب لعامة الناس، أو في جانب التحقيق والتدقيق، وما شابه ذلك.
أما تطوير المضمون تحت مسمى تطوير التعليم أو إصلاح التعليم الديني وغير ذلك من الشعارات – إن كانت تستهدف المضمون - فهي محاولات تهدف إلى هدم الدين ومحو تراث علماء الإسلام العلمي العظيم.
وهنا ينبغي لأصحاب مشروعات التعليم الإلكتروني ألا يخلطوا بين تطوير المضمون وتطوير الوسيلة، وألا يقعوا تحت ضغط التيسير وتسهيل استعمال الوسائل الحديثة غير المحسوب؛ فيتساهلوا في وضع المناهج، ولا يراعوا أصول طلب العلم الشرعي الإسلامية.(منقول بقلم :محمد سعد )
_________________
(3) أخرجه أحمد وأبو داود، انظر: صحيح الجامع، للألباني، رقم 2643
(4) تفسير ابن كثير، المقدمة، ص 4، طبعة دار المنار.
(5) علم التعلم: علم يبحث في ظاهرة تعديل أو تغيير السلوك. وعلم التعليم: إجراء تطبيقي يستفيد من القوانين التي كشف عنها علم التعلم. وفي كلمة واحدة التعلم علم والتعليم تكنولوجيا. انظر: علم النفس التعليمي، للأستاذ الدكتور محمود عكاشة والدكتور محمود المنشاوي، ص 13.
(6) انظر كتاب التربية في الإسلام، للدكتور أحمد فؤاد الأهواني، ص 220.
(7) انظر: كتاب تعليم اللغة العربية أسسه وإجراءاته، للدكتور فتحي يونس والدكتور محمود كامل والدكتور رشدي طعيمة، الجزء الثاني ص 249، وراجع الرد على تلك الدعاوى المذكورة ص 251- 254.
(8) تفسير الجلالين، سورة التوبة، آية رقم 122.
(9) الوسائل التعليمية بين النظرية والتطبيق، الدكتور علاء زايد، ص 3.
(10) طريق البناء التربوي الإسلامي، الدكتور عجيل جاسم النشمي، ص 22.
(11) المرجع السابق، ص23.