المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : منهج تربوي في القرآن


سُهيلة
03-21-2004, 10:11 PM
منهج تربوي فريد في القرآن(تكملة الجزء الثاني)

بقلم الدكتور محمد سعيد رمضان البوطي

ولأضع أمامك أروع ما وقعت عليه من نص يكشف عن هذا الجزء من المنهج التربوي العظيم في كتاب الله تعالى . وهو نص الوصية التي أوصى بها أبو بكر في مرض موته لعمر بن الخطاب رضي الله عنهما يقول بها :
" . . ألم تر يا عمر أنما ثقلت موازين من ثقلت موازينه يوم القيامة ، بإتباعهم الحق وثقله عليهم ،وحق لميزان لا يوضع فيه غداً إلا حق أن يكون ثقيلاً . ألم تر يا عمر أنما خفت موازين من خفت موازينه يوم القيامة بإتباعهم الباطل وخفته عليهم ، وحق لميزان لا يوضع فيه غداً إلا باطل أن يكون خفيفاً .
" ألم تر يا عمر ، إنما نزلت آية الرخاء مع آية الشدة ، ونزلت آية الشدة مع آية الرخاء ، ليكون المؤمن راغباً راهباً ، لا يرغب رغبة يتمنى فيها على الله ما ليس له ، ولا يرهب رهبة يلقي فيها بيديه .
" ألم تر يا عمر أنما ذكر الله أهل النار بأسوأ أعمالهم فإذا ذكرتهم قلت إني لأرجو أن لا أكون منهم ،وانما ذكر أهل الجنة بأحسن أعمالهم ، فإذا ذكرتهم قلت أين عملي من أعمالهم ؟!.. فان حفظت وصيتي فلا يك غائب أحب إليك من الموت ، وهو آتيك . وان ضيعت وصيتي فلا يكن غائب أبغض إليك من الموت ، ولست بمعجز الله " [9] .
* * *
فهذه هي جملة الأمور الثلاثة التي يقيم عليها البيان الآلهي منهج الإثارة الوجدانية . وقد أتينا على ذكرها باختصار ، وبالقدر الذي يسمح بة حجم هذه الرسالة وهدفها . وربما فيض الله لهذا البحث الهام من يعود إليه بمزيد من التحليل والدراسة والشرح .
* * *
وبعد . .
وبعد فلعلك كنت نتأمل حديثي عن كتاب الله تعالى إلى هذه الساعة ، من الجانب التربوي الذي حدثتك عنه . ولعلك انتهيت من تأملك هذا إلى مثل ما ينتهي إليه الكثير من الباحثين والناظرين فيه : أنه كتاب عظيم في جوهره ، معجز في بلاغته ، حكي في مبادئه ، رائع في تربيته !.. ثم ينتهي بهم النظر إلى هذا الحد ، ويصدرون عنه كما وردوا إليه ، فليس له تأثير ـ وراء ذلك ـ في عقيدتهم ولا سلوكهم ولا أخلاقهم !!..
فلئن كان صدود بعض الناس عن النظر في هذا الكتاب عجيباً ، فان هذه الطريقة من التأمل فيه والإعجاب بة أغرب وأعجب !!..
كتاب معجز ، لا شك في إعجازه ، ولا ريب في حكمة موضوعاته ، ورائع تربيته !...
نستيقن هذا كل ، ثم لا يضعنا النظر في آيات إنذاره ووعيده أمام ضرورة البحث فيما ينبغي أن يكون عليه حالنا معه ، وعلاقتنا بأمره ونهيه ،وتحذيره وإرشاده . . أليس ذلك عجيباً حقاً ؟!..
ونحني الرأس مع الفكر الذي فيه ، لرائع أسلوبه وباهر أحكامه ، ثم لا نصغي السمع إلى تعريفه بنفسه عندما يعلن قائلاً :
( وانه لتنزيل رب العالمين ، نزل بة الروح الأمين ، على قلبك لتكون من المنذرين ، بلسان عربي مبين ، وانه لفي زبر الأولين ، أو لم يكن لهم آية أن يعلمه علماء بني إسرائيل ) ( الشعراء : 192 ـ 197 ) .
أليس من أعجب العجب أن يتصف ناس من الناس العقلاء بها الازدواج المتناقض ، المتعلق بحقيقة واحدة غير قابلة لتعدد أو اجتزاء ؟!.
لعل بعض منهم يحلو له أن يزعم بأنه من كلام سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام ، حتى يفر بذلك من الإيمان بأعجوبة الوحي الآلهي ، ولكنهم إنما يقعون بذلك في ضرورة الإيمان بأعجوبة أشد وأعظم !..
إن الاعتقاد بأن القرآن من كلام محمد عليه الصلاة والسلام وليس وحياً منزلاً عليه ، يعني الاعتقاد بأنه عليه الصلاة والسلام سلخ أربعين عاماً من عمره وهو يتوقى الكذب على الناس ، ثم إذا بة يكذب أعظم الكذب على الله !.. ويعني الاعتقاد بأنه عليه الصلاة والسلام ( وهو الأمي الذي لم يخط بحياته حرفا ولم يقرأ كتاباً ) تنزل على عقله ـ بدون علم ولا معلم ـ علم القوانين المنظمة وأخبار الأمم الماضية وأنباء الأحداث المقبلة ، وانه أوتي ازدواجاً في القدرة الكلامية فهو يتكلم آناً فيأتي بكلام فيصوغ شيئاً آخر ليس هو كالنثر ولا من الشعر ، يبهر الألباب بعجيب سبكه ورائع بيانه وعجيب معانيه ، ويتجرد الناس لمحاولة تقليده فلا يأتون من جهدهم بشيء !.. ويعني الاعتقاد أيضاً بأنه عليه الصلاة والسلام أوتي قدرة خارقة على التشكل والمثيل لم يبلغها إلى اليوم ابرع الممثلين أو المخرقين ، فهو يصطنع الاصفرار في وجهه والرعدة في جسمه ، والبر داء في أعضائه ليوهم الناس أنه يوحى إليه ، وما سمعنا إلى اليوم بممثل وقف على المسرح فأخفى احمرار الدم المنتشر في وجهه وأبدله من ذلك صفرة فاقعة دون الاستعانة بأي مسحوق أو " ماكياج " !..
انه لأيسر ـ ألف مرة ـ على العقل الإنساني أن يعتقد بأن هذا القرآن ـ كما يقول مبلغه وكما يقول هو بذاته ـ وحي من الله لرسوله ، من أن يحمل أعباء هذه الاعتقادات العجيبة المنكرة التي لا وجه لها ولا بينة عليها .
ولعل بعضاً من الناس يصدقون بأنه كلام الله عز وجل ، ولكنهم لا يحملون أنفسهم وراء ذلك مؤونة النظر والبحث في شيء من هذا الكلام . وهذا أيضاً لا يقل عجباً عن حال أولئك الآخرين !..
إن حال هؤلاء يشبه أمر رجل ألجأه الليل إلى غار في بطن أحد الجبال ، فلما تحسس الغار وما فيه ،وقعت يده على بقايا لحم وعظام في أحد جنباته ، فأيقن أن بعض السباع قد أتخذ من هذا المكان مثابة له !.. ثم انه تمدد في ذلك الغار وأغمض عينه لينام ، دون أن يقوده ذلك اليقين إلى أي حذر أو تدبير !…
توقن بأن هذا الكلام كلام الله ، ثم لا يقلق بالك شيء من أوامره وأحكامه ووعده وإنذاره !!..
وتبصر فيه قول الله عز وجل : (اقترب للناس حسابهم وهم في غفلة معرضون )فلا ينهضك هذا القول للمبادرة إلى أي عمل أو تأمل أو تدبير !!..
ألعل العصبية هي التي تسكرك عن الحق الذي تراه بعينك وتلمسه بشعورك وفكرك ؟ فاعلم أن العصبية هي الجنون بذاته عندما تكون ضد حقيقة لا مفر منها أو ضد سبيل لا مناص من الانحدار فيه !..
لقد حدثتك عن المنهج التربوي في القرآن ، ولكني والله ما قصدت من ذلك أخيراً إلا أن ألفت نظرك إلى حقيقة هذا الكتاب الذي جاء يحمل إلى الإنسان أخطر نبأ عظيم !..
وما يفيدك شيئاً أن تعتصر منه قواعده التربوية ، أو أصوله البلاغية ، أو أحكامه القانونية ، إذا كنت غير مقبل منه على الحقيقة التي تنزل من أجلها . حقيقة خطيرة كبرى ، ولكنها مستورة خلف سجاف رقيق من أماني النفس وشهوات هذه الأرض . . ويوشك والله أن يتمزق السجاف وتظهر الحقيقة بارزة كاملة من ورائها . ولكن ظهورها إذا ذاك لا يفيدك شيئاً ، لأن الحياة لا تكون حينئذ ملك يديك !..
فستذكرون ما أقول لكم ، وأفوض أمري إلى الله ، إن الله بصير بالعباد .
والحمد لله رب العالمين .


________________________________________سُهيلة