الاندلس
03-21-2004, 11:19 PM
ثقافة الصفوة وثقافة الجماهير
* د. وفاء إبراهيم
مشكلة العلاقة بين ثقافة الصفوة وثقافة الجماهير, هذه المشكلة القديمة التي اتخذت أكثر من وجه عبر تطور الواقع المحيط بنا, فقد تبلورت بداية في السؤال الحائر الذي أطلقه مفكرونا ومثقفونا الأوائل العائدون من البعثات العلمية وهو: لماذا تقدم الغرب وتخلفنا نحن ؟ وأعتقد أن رفاعة الطهطاوي أفضل نموذج لتمثيل البدايات للمثقف المصري المسلم الذي ذهب إلي أوروبا مرشدا دينيا ليقيم التوازن عن طريق الصلاة, وشرح الآيات, والأحاديث النبوية, إلا أنه تجاوز دوره هذا, وشعر بأهمية الرافد الخارجي وأدرك ما فيه من خير, والمتمعن في عنوان كتابه تخليص الإبريز في تلخيص باريز سيبهره دقة أختيار العنوان الدال علي المعني ـ اكثر مما فيه من سجع ـ حيث أختار الإبريز وهو المعدن في حالة ما قبل التشكيل, أي قبل أن يتحول إلي ذهب, إذ كان يقصد بهذا أن التحول إلي الذهب يحتاج إبداعا جديدا, لايقوم به إلا وعيا نقديا لتراثه اولا, ثم لما يفد إليه, ومن بعد ذلك الفهم لكل من الطرفين يتم التشكيل الإبداعي لرؤية يتضافر فيها الإيجابي من هنا والإيجابي من هناك علي نحو يتفاعل مع الاثنين حتي يستطيع الوعي أن يفرغ لأن يضيف إلي حضارته, بدلا من أن يحيا حائرا يتقدم خطوة, ويعود إلي الوراء خطوات, علي أية حال أخذت المشكلة بعد ذلك أوجها متعددة وقد تزامنت معها مسائل أخري مثل مشكلة الاصلاح, وهل يكون عن طريق العلم أم الدين أم بسبل جديدة, وتعددت الإتجاهات والاجتهادات والمناهج في ذلك, ثم تغيرت معطيات الواقع وانتقل إلي مرحلة النضال من أجل الاستقلال, ثم إلي مرحلة الاستقلال والزعامة العربية والأفكار القومية, وانتهي كل ذلك إلي مرحلة هزيمة67, حيث اتخذت المشكلة وجها أخر هو الأصالة والمعاصرة, إذ إن فزع المثقفين من الكارثة أدي بهم إلي التساؤل عن أسباب الفشل في مواجهة تحديات الواقع, ولقد علا صوت التيار الديني حينذاك حيث فسرت الهزيمة أنها بسبب تخلينا عن جوهرنا الأصيل, واستعارتنا لمناهج ونظريات الغرب, ولكنه هو نفسه الخطاب الديني لم يستطع أن يفهم أن ثمة أختلافا فحسب, وليس تناقضا بينهم وبين هؤلاء الذين يريدون أن يفهم القرآن فهما منهجيا معرفيا, وكذلك تفهم السنة النبوية والموروث فهما متعينا ومحددا بظروف تكوينه, لاشك أن ذلك أدي إلي انشقاق الذات العربية المسلمة إلي حد تكفير نصفها النصف الآخر.
علي أية حال, فإننا لانريد الغوص في تحليل الاتجاهات الفكرية المختلفة, وإنما هدفي هو أن أقدم ـ بداية ـ الخلفية الثقافية والفكرية لما أقصد إليه في هذا المقال, وهو أن تغيير واقع وطننا إلي الأفضل والأرقي لن يتم بالمحاولات النظرية التي قدمها مفكرونا الأوائل والثواني, فحسب, وإنما سوف يتقدم ويلحق بالركب بهؤلاء المثقفين الذين يتبوأون مراكز القرار, ويشغلون المناصب القيادية في المؤسسات والشركات والبنوك ومراكز البحث العلمي, وغيرها, لأن الواقع الآن يحتاج إلي المثقف الذي يحمل رؤية يستطيع تطبيقها علي الواقع, بمعني أنه يحتاج إلي المثقف الذي يقول كيف أوصل رؤيتي الجديدة إلي الجماهير, وكيف أقنعهم بالتفاعل مع هذه الأساليب الجديدة, وبأي الطرق أجمعهم معا في هذه الرؤية ؟
ومن هنا تغيرت طبيعة السؤال نتيجة تغير طبيعة الواقع, فمشكلة الواقع الآن تحتاج إبداعا قابلا إلي التطبيق, وقادرا علي التغيير من خلال خطط التنمية, والأهداف المحددة لها, وهذا الموقف يتطلب المواجهة والتواصل بين النخبة الذين أصبحوا في مركز القرار, وبين الجماهير, وأعتقد أن التواصل الفعال بين هؤلاء النخبة أو المثقفين الذين يشغلون المراكز القيادية وبين الجماهير لن يكون إلا بالفهم الصحيح لمعني الادارة, لأن مفهوم الإدارة من المفاهيم الهامة في واقعنا المعاصر, المتسارع الإيقاع نحو التقدم, حيث تحولت الادارة إلي علم ونظم ونظريات وتطبيقات, فالادارة كما يقول الدكتور سيد المواري في كتابه: الادارة, الأصول, الأسس العلمية: هي العضو المسئول عن تحقيق النتائج التي وجدت من أجلها تلك المؤسسة مثل القلب هو العضو المسئول في الجسم عن إمداد الجسم بالدم اللازم لبقائه علي قيد الحياة.
ولاشك أن الإنسان هو أهم عناصر الإدارة فهو المبدع والمنفذ لهذا الإبداع والمحقق لأهداف الادارة, وبذلك لابد أن يتصف النخبوي صاحب الرؤية والقرار بخصائص متميزة حتي تكون الواو بينه وبين الجماهير واو معينة وتفاعل لا واو تضاد وصراع, وهذه الصفات هي:
1 ـ ان يجيد النخبوي الذي هو في موقع القرار الاستبصار عن طريق خبرته الشخصية وثقافته وتجربته معطيات الواقع وتشخيص أزمة هذا الواقع وتقديم الرؤية التي تعيد له التوازنات المطلوبة.
2 ـ ان يراعي الفروق الفردية والاختلافات الثقافية والاجتماعية والدينية لأفراد واقعه.
3 ـ التدرج في تطبيق الرؤية أو القرار أو الخطة حتي يتحول هذا الجديد الذي يقدمه إلي طبيعة ثانية لكل فرد من أفراد مجتمعه من هذه الخصائص نستطيع في ضوء الخاصية الأولي تحديد معايير اختبار النخبوي الذي عليه اليوم أن يقود الجماهير الي التغيير, فلو تساءلنا ــ مثلا ــ من هو المدير الكفء, ومن هو الداعية الكفء ومن هو الإعلامي الكفء ومن هو الوزير الكفء, لا شك في انه هو الذي يحمل رؤية وقدرة علي استبصار خبرته الشخصية, ولديه وعي بكيفية تطورها وتفاعلها مع مشاكل الواقع, وقدرته كذلك علي نقلها إلي الآخرين. وفي ضوء الصفة الثانية التي تجب أن يتحلي بها النخبوي وهي مراعاة الفروق الفردية والاختلافات الثقافية والاجتماعية والدينية لأفراد مجتمعه, فمن الضروري أن يختار مرؤسيه أو المتعاملين معه علي قاعدة نظيفة وعادلة, فهو مثلا لن يقبل أن يرشح نفسه في مجلس الشعب عن طريق تقديم الموبايلات والفلوس والهدايا.. و.. و... الي الناخبين, لأنه يدرك أن من يعطي صوته مقابل ثمن ما فهو مستعد دائما ان يعطيه لمن يدفع سعرا أعلي, أما بالنسبة للخاصية الثالثة وهي قدرته علي تطبيق القرار أو الخطة علي نحو تدرجي ليحقق أهدافا استراتيجية,
فعليه أن يكون واعيا بالجانب التربوي, فيقوم بتوعية وتدريب الجماهير علي ممارسة حقهم لأنه يؤمن بأهمية بناء كوادر لاحقه له, ومن ثم يتجلي إيمانه بأهمية بناء المؤسسات.
واعتقد أنني لا أقدم بذلك نظرة فوقية تتجاوز الواقع, ذلك لأن الواقع يشهدنا ــ فعلا ــ علي سلبيات وقصور قام بها هؤلاء الذين في موقع القرار سواء في المؤسسات المالية أو الاقتصادية أو العلمية أو التعليمية أو الاعلامية, ومع ذلك ــ وفي المقابل ــ يوجد النخبوي المبدع, والصادق, والمحب لهذا البلد, لأننا بالفعل نحتاج إلي نخبة تعي الفجوة والفراغ بيننا وبين الخارج, وهذا الفراغ الشاسع أبرزته ثورة الاتصالات, وأطلع عليه كل فرد, فلم تعد الفجوة سيكولوجية داخلية كما هي في مشكلة الأنا والاخر وماذا نأخذ من الآخر وماذا نأخذ من تراثنا؟, إن الفجوة الآن تقتضي الوصل لا الفصل, القرب لا البعد, التفاعل لا الانعزال بمعني آخر لابد من تطوير قدراتنا وهذا التطوير لا يتأتي إلا بثورة إدراكية معرفية لجسر الهوة, وهذا لا يتم إلا بالآهتمام بالبحث العلمي الجاد, وعلي نحو متوازن مع الاهتمام بالعلوم الاجتماعية حتي نتحرر من التنميط الإيدولوجي والعقائدي لعلاقاتنا بالغرب ويتم تفسيرها في ضوء دراسات علمية محققه, بالإضافة إلي إشاعة ثقافة الإدارة بين أفراد الوطن حتي يتبوأ موقع القرار أشخاص جديرون به, لأن جل ما يعانية الوطن من مشكلات هي نابعة من سوء الادارة, فكثيرا ما نري النخبة في موقع القرار لا تعير الجماهير اهتماما, ولا تعرف الطريق الي مشاكل الجماهير الحقيقية, بل لا يهمها إلا المنصب وامتيازاته.
ولذا نري ضرورة تثقيف النخبة أو الصفوة بثقافة جماهيرية وليس العكس, كي يتعمق وعيهم بمشاكل الجماهير, ولغتهم ومعاناتهم الحقيقية, ولعل الفرق بين صورة الادارة والنظم والمؤسسات في أوروبا وأمريكا, وبين صورة التمزق والتشتت عندنا, يكمن في أن هناك قد تم استيعاب رؤي الجماهير لدي النخبة, ورؤي النخبة في الجماهير, ومن ثم عندما تسقط النخبة لا تسقط الجماهير ولا ينهار الواقع كما يحدث عندنا.
ومن هنا فإن ما نخشاه ــ حقيقة ــ أن يفقد الشباب ثقته في القدوة والنموذج في المجالات المختلفة, عندما يقرأون ما نقرأ في الصحف والمجلات ــ كل يوم ـ عن انحراف النخبة في مواقع القرار في المجالات المختلفة في واقعنا, ومن ثم سيحدث في شبابنا ما أسميه قطيعة التواصل واليأس من الأمل في التغيير أو تقديم حلول لمشاكلهم, وهذا بدوره يولد الرغبة في البديل, حيث يتم تبديل الأدوار في المخيال الاجتماعي للأفراد, ويصبح المحتل في نظره هو من أستغله وسرق ماله وهرب, ولم يقدم له مشروعات حقيقية تضرب بجذورها في الأرض المصرية, أما الصديق فهو من يفتح أمامه أبواب الحرية, ويلوح له بممارسة حقه في الديمقراطية, والحصول علي حقوقه الإنسانية.
ثقافة الصفوة وثقافة الجماهير
* د. وفاء إبراهيم
مشكلة العلاقة بين ثقافة الصفوة وثقافة الجماهير, هذه المشكلة القديمة التي اتخذت أكثر من وجه عبر تطور الواقع المحيط بنا, فقد تبلورت بداية في السؤال الحائر الذي أطلقه مفكرونا ومثقفونا الأوائل العائدون من البعثات العلمية وهو: لماذا تقدم الغرب وتخلفنا نحن ؟ وأعتقد أن رفاعة الطهطاوي أفضل نموذج لتمثيل البدايات للمثقف المصري المسلم الذي ذهب إلي أوروبا مرشدا دينيا ليقيم التوازن عن طريق الصلاة, وشرح الآيات, والأحاديث النبوية, إلا أنه تجاوز دوره هذا, وشعر بأهمية الرافد الخارجي وأدرك ما فيه من خير, والمتمعن في عنوان كتابه تخليص الإبريز في تلخيص باريز سيبهره دقة أختيار العنوان الدال علي المعني ـ اكثر مما فيه من سجع ـ حيث أختار الإبريز وهو المعدن في حالة ما قبل التشكيل, أي قبل أن يتحول إلي ذهب, إذ كان يقصد بهذا أن التحول إلي الذهب يحتاج إبداعا جديدا, لايقوم به إلا وعيا نقديا لتراثه اولا, ثم لما يفد إليه, ومن بعد ذلك الفهم لكل من الطرفين يتم التشكيل الإبداعي لرؤية يتضافر فيها الإيجابي من هنا والإيجابي من هناك علي نحو يتفاعل مع الاثنين حتي يستطيع الوعي أن يفرغ لأن يضيف إلي حضارته, بدلا من أن يحيا حائرا يتقدم خطوة, ويعود إلي الوراء خطوات, علي أية حال أخذت المشكلة بعد ذلك أوجها متعددة وقد تزامنت معها مسائل أخري مثل مشكلة الاصلاح, وهل يكون عن طريق العلم أم الدين أم بسبل جديدة, وتعددت الإتجاهات والاجتهادات والمناهج في ذلك, ثم تغيرت معطيات الواقع وانتقل إلي مرحلة النضال من أجل الاستقلال, ثم إلي مرحلة الاستقلال والزعامة العربية والأفكار القومية, وانتهي كل ذلك إلي مرحلة هزيمة67, حيث اتخذت المشكلة وجها أخر هو الأصالة والمعاصرة, إذ إن فزع المثقفين من الكارثة أدي بهم إلي التساؤل عن أسباب الفشل في مواجهة تحديات الواقع, ولقد علا صوت التيار الديني حينذاك حيث فسرت الهزيمة أنها بسبب تخلينا عن جوهرنا الأصيل, واستعارتنا لمناهج ونظريات الغرب, ولكنه هو نفسه الخطاب الديني لم يستطع أن يفهم أن ثمة أختلافا فحسب, وليس تناقضا بينهم وبين هؤلاء الذين يريدون أن يفهم القرآن فهما منهجيا معرفيا, وكذلك تفهم السنة النبوية والموروث فهما متعينا ومحددا بظروف تكوينه, لاشك أن ذلك أدي إلي انشقاق الذات العربية المسلمة إلي حد تكفير نصفها النصف الآخر.
علي أية حال, فإننا لانريد الغوص في تحليل الاتجاهات الفكرية المختلفة, وإنما هدفي هو أن أقدم ـ بداية ـ الخلفية الثقافية والفكرية لما أقصد إليه في هذا المقال, وهو أن تغيير واقع وطننا إلي الأفضل والأرقي لن يتم بالمحاولات النظرية التي قدمها مفكرونا الأوائل والثواني, فحسب, وإنما سوف يتقدم ويلحق بالركب بهؤلاء المثقفين الذين يتبوأون مراكز القرار, ويشغلون المناصب القيادية في المؤسسات والشركات والبنوك ومراكز البحث العلمي, وغيرها, لأن الواقع الآن يحتاج إلي المثقف الذي يحمل رؤية يستطيع تطبيقها علي الواقع, بمعني أنه يحتاج إلي المثقف الذي يقول كيف أوصل رؤيتي الجديدة إلي الجماهير, وكيف أقنعهم بالتفاعل مع هذه الأساليب الجديدة, وبأي الطرق أجمعهم معا في هذه الرؤية ؟
ومن هنا تغيرت طبيعة السؤال نتيجة تغير طبيعة الواقع, فمشكلة الواقع الآن تحتاج إبداعا قابلا إلي التطبيق, وقادرا علي التغيير من خلال خطط التنمية, والأهداف المحددة لها, وهذا الموقف يتطلب المواجهة والتواصل بين النخبة الذين أصبحوا في مركز القرار, وبين الجماهير, وأعتقد أن التواصل الفعال بين هؤلاء النخبة أو المثقفين الذين يشغلون المراكز القيادية وبين الجماهير لن يكون إلا بالفهم الصحيح لمعني الادارة, لأن مفهوم الإدارة من المفاهيم الهامة في واقعنا المعاصر, المتسارع الإيقاع نحو التقدم, حيث تحولت الادارة إلي علم ونظم ونظريات وتطبيقات, فالادارة كما يقول الدكتور سيد المواري في كتابه: الادارة, الأصول, الأسس العلمية: هي العضو المسئول عن تحقيق النتائج التي وجدت من أجلها تلك المؤسسة مثل القلب هو العضو المسئول في الجسم عن إمداد الجسم بالدم اللازم لبقائه علي قيد الحياة.
ولاشك أن الإنسان هو أهم عناصر الإدارة فهو المبدع والمنفذ لهذا الإبداع والمحقق لأهداف الادارة, وبذلك لابد أن يتصف النخبوي صاحب الرؤية والقرار بخصائص متميزة حتي تكون الواو بينه وبين الجماهير واو معينة وتفاعل لا واو تضاد وصراع, وهذه الصفات هي:
1 ـ ان يجيد النخبوي الذي هو في موقع القرار الاستبصار عن طريق خبرته الشخصية وثقافته وتجربته معطيات الواقع وتشخيص أزمة هذا الواقع وتقديم الرؤية التي تعيد له التوازنات المطلوبة.
2 ـ ان يراعي الفروق الفردية والاختلافات الثقافية والاجتماعية والدينية لأفراد واقعه.
3 ـ التدرج في تطبيق الرؤية أو القرار أو الخطة حتي يتحول هذا الجديد الذي يقدمه إلي طبيعة ثانية لكل فرد من أفراد مجتمعه من هذه الخصائص نستطيع في ضوء الخاصية الأولي تحديد معايير اختبار النخبوي الذي عليه اليوم أن يقود الجماهير الي التغيير, فلو تساءلنا ــ مثلا ــ من هو المدير الكفء, ومن هو الداعية الكفء ومن هو الإعلامي الكفء ومن هو الوزير الكفء, لا شك في انه هو الذي يحمل رؤية وقدرة علي استبصار خبرته الشخصية, ولديه وعي بكيفية تطورها وتفاعلها مع مشاكل الواقع, وقدرته كذلك علي نقلها إلي الآخرين. وفي ضوء الصفة الثانية التي تجب أن يتحلي بها النخبوي وهي مراعاة الفروق الفردية والاختلافات الثقافية والاجتماعية والدينية لأفراد مجتمعه, فمن الضروري أن يختار مرؤسيه أو المتعاملين معه علي قاعدة نظيفة وعادلة, فهو مثلا لن يقبل أن يرشح نفسه في مجلس الشعب عن طريق تقديم الموبايلات والفلوس والهدايا.. و.. و... الي الناخبين, لأنه يدرك أن من يعطي صوته مقابل ثمن ما فهو مستعد دائما ان يعطيه لمن يدفع سعرا أعلي, أما بالنسبة للخاصية الثالثة وهي قدرته علي تطبيق القرار أو الخطة علي نحو تدرجي ليحقق أهدافا استراتيجية,
فعليه أن يكون واعيا بالجانب التربوي, فيقوم بتوعية وتدريب الجماهير علي ممارسة حقهم لأنه يؤمن بأهمية بناء كوادر لاحقه له, ومن ثم يتجلي إيمانه بأهمية بناء المؤسسات.
واعتقد أنني لا أقدم بذلك نظرة فوقية تتجاوز الواقع, ذلك لأن الواقع يشهدنا ــ فعلا ــ علي سلبيات وقصور قام بها هؤلاء الذين في موقع القرار سواء في المؤسسات المالية أو الاقتصادية أو العلمية أو التعليمية أو الاعلامية, ومع ذلك ــ وفي المقابل ــ يوجد النخبوي المبدع, والصادق, والمحب لهذا البلد, لأننا بالفعل نحتاج إلي نخبة تعي الفجوة والفراغ بيننا وبين الخارج, وهذا الفراغ الشاسع أبرزته ثورة الاتصالات, وأطلع عليه كل فرد, فلم تعد الفجوة سيكولوجية داخلية كما هي في مشكلة الأنا والاخر وماذا نأخذ من الآخر وماذا نأخذ من تراثنا؟, إن الفجوة الآن تقتضي الوصل لا الفصل, القرب لا البعد, التفاعل لا الانعزال بمعني آخر لابد من تطوير قدراتنا وهذا التطوير لا يتأتي إلا بثورة إدراكية معرفية لجسر الهوة, وهذا لا يتم إلا بالآهتمام بالبحث العلمي الجاد, وعلي نحو متوازن مع الاهتمام بالعلوم الاجتماعية حتي نتحرر من التنميط الإيدولوجي والعقائدي لعلاقاتنا بالغرب ويتم تفسيرها في ضوء دراسات علمية محققه, بالإضافة إلي إشاعة ثقافة الإدارة بين أفراد الوطن حتي يتبوأ موقع القرار أشخاص جديرون به, لأن جل ما يعانية الوطن من مشكلات هي نابعة من سوء الادارة, فكثيرا ما نري النخبة في موقع القرار لا تعير الجماهير اهتماما, ولا تعرف الطريق الي مشاكل الجماهير الحقيقية, بل لا يهمها إلا المنصب وامتيازاته.
ولذا نري ضرورة تثقيف النخبة أو الصفوة بثقافة جماهيرية وليس العكس, كي يتعمق وعيهم بمشاكل الجماهير, ولغتهم ومعاناتهم الحقيقية, ولعل الفرق بين صورة الادارة والنظم والمؤسسات في أوروبا وأمريكا, وبين صورة التمزق والتشتت عندنا, يكمن في أن هناك قد تم استيعاب رؤي الجماهير لدي النخبة, ورؤي النخبة في الجماهير, ومن ثم عندما تسقط النخبة لا تسقط الجماهير ولا ينهار الواقع كما يحدث عندنا.
ومن هنا فإن ما نخشاه ــ حقيقة ــ أن يفقد الشباب ثقته في القدوة والنموذج في المجالات المختلفة, عندما يقرأون ما نقرأ في الصحف والمجلات ــ كل يوم ـ عن انحراف النخبة في مواقع القرار في المجالات المختلفة في واقعنا, ومن ثم سيحدث في شبابنا ما أسميه قطيعة التواصل واليأس من الأمل في التغيير أو تقديم حلول لمشاكلهم, وهذا بدوره يولد الرغبة في البديل, حيث يتم تبديل الأدوار في المخيال الاجتماعي للأفراد, ويصبح المحتل في نظره هو من أستغله وسرق ماله وهرب, ولم يقدم له مشروعات حقيقية تضرب بجذورها في الأرض المصرية, أما الصديق فهو من يفتح أمامه أبواب الحرية, ويلوح له بممارسة حقه في الديمقراطية, والحصول علي حقوقه الإنسانية.
المقالة: الاول | قبل | بعد | الاخير | عناوين المقالات | عناوين جميع المقالات
* د. وفاء إبراهيم
مشكلة العلاقة بين ثقافة الصفوة وثقافة الجماهير, هذه المشكلة القديمة التي اتخذت أكثر من وجه عبر تطور الواقع المحيط بنا, فقد تبلورت بداية في السؤال الحائر الذي أطلقه مفكرونا ومثقفونا الأوائل العائدون من البعثات العلمية وهو: لماذا تقدم الغرب وتخلفنا نحن ؟ وأعتقد أن رفاعة الطهطاوي أفضل نموذج لتمثيل البدايات للمثقف المصري المسلم الذي ذهب إلي أوروبا مرشدا دينيا ليقيم التوازن عن طريق الصلاة, وشرح الآيات, والأحاديث النبوية, إلا أنه تجاوز دوره هذا, وشعر بأهمية الرافد الخارجي وأدرك ما فيه من خير, والمتمعن في عنوان كتابه تخليص الإبريز في تلخيص باريز سيبهره دقة أختيار العنوان الدال علي المعني ـ اكثر مما فيه من سجع ـ حيث أختار الإبريز وهو المعدن في حالة ما قبل التشكيل, أي قبل أن يتحول إلي ذهب, إذ كان يقصد بهذا أن التحول إلي الذهب يحتاج إبداعا جديدا, لايقوم به إلا وعيا نقديا لتراثه اولا, ثم لما يفد إليه, ومن بعد ذلك الفهم لكل من الطرفين يتم التشكيل الإبداعي لرؤية يتضافر فيها الإيجابي من هنا والإيجابي من هناك علي نحو يتفاعل مع الاثنين حتي يستطيع الوعي أن يفرغ لأن يضيف إلي حضارته, بدلا من أن يحيا حائرا يتقدم خطوة, ويعود إلي الوراء خطوات, علي أية حال أخذت المشكلة بعد ذلك أوجها متعددة وقد تزامنت معها مسائل أخري مثل مشكلة الاصلاح, وهل يكون عن طريق العلم أم الدين أم بسبل جديدة, وتعددت الإتجاهات والاجتهادات والمناهج في ذلك, ثم تغيرت معطيات الواقع وانتقل إلي مرحلة النضال من أجل الاستقلال, ثم إلي مرحلة الاستقلال والزعامة العربية والأفكار القومية, وانتهي كل ذلك إلي مرحلة هزيمة67, حيث اتخذت المشكلة وجها أخر هو الأصالة والمعاصرة, إذ إن فزع المثقفين من الكارثة أدي بهم إلي التساؤل عن أسباب الفشل في مواجهة تحديات الواقع, ولقد علا صوت التيار الديني حينذاك حيث فسرت الهزيمة أنها بسبب تخلينا عن جوهرنا الأصيل, واستعارتنا لمناهج ونظريات الغرب, ولكنه هو نفسه الخطاب الديني لم يستطع أن يفهم أن ثمة أختلافا فحسب, وليس تناقضا بينهم وبين هؤلاء الذين يريدون أن يفهم القرآن فهما منهجيا معرفيا, وكذلك تفهم السنة النبوية والموروث فهما متعينا ومحددا بظروف تكوينه, لاشك أن ذلك أدي إلي انشقاق الذات العربية المسلمة إلي حد تكفير نصفها النصف الآخر.
علي أية حال, فإننا لانريد الغوص في تحليل الاتجاهات الفكرية المختلفة, وإنما هدفي هو أن أقدم ـ بداية ـ الخلفية الثقافية والفكرية لما أقصد إليه في هذا المقال, وهو أن تغيير واقع وطننا إلي الأفضل والأرقي لن يتم بالمحاولات النظرية التي قدمها مفكرونا الأوائل والثواني, فحسب, وإنما سوف يتقدم ويلحق بالركب بهؤلاء المثقفين الذين يتبوأون مراكز القرار, ويشغلون المناصب القيادية في المؤسسات والشركات والبنوك ومراكز البحث العلمي, وغيرها, لأن الواقع الآن يحتاج إلي المثقف الذي يحمل رؤية يستطيع تطبيقها علي الواقع, بمعني أنه يحتاج إلي المثقف الذي يقول كيف أوصل رؤيتي الجديدة إلي الجماهير, وكيف أقنعهم بالتفاعل مع هذه الأساليب الجديدة, وبأي الطرق أجمعهم معا في هذه الرؤية ؟
ومن هنا تغيرت طبيعة السؤال نتيجة تغير طبيعة الواقع, فمشكلة الواقع الآن تحتاج إبداعا قابلا إلي التطبيق, وقادرا علي التغيير من خلال خطط التنمية, والأهداف المحددة لها, وهذا الموقف يتطلب المواجهة والتواصل بين النخبة الذين أصبحوا في مركز القرار, وبين الجماهير, وأعتقد أن التواصل الفعال بين هؤلاء النخبة أو المثقفين الذين يشغلون المراكز القيادية وبين الجماهير لن يكون إلا بالفهم الصحيح لمعني الادارة, لأن مفهوم الإدارة من المفاهيم الهامة في واقعنا المعاصر, المتسارع الإيقاع نحو التقدم, حيث تحولت الادارة إلي علم ونظم ونظريات وتطبيقات, فالادارة كما يقول الدكتور سيد المواري في كتابه: الادارة, الأصول, الأسس العلمية: هي العضو المسئول عن تحقيق النتائج التي وجدت من أجلها تلك المؤسسة مثل القلب هو العضو المسئول في الجسم عن إمداد الجسم بالدم اللازم لبقائه علي قيد الحياة.
ولاشك أن الإنسان هو أهم عناصر الإدارة فهو المبدع والمنفذ لهذا الإبداع والمحقق لأهداف الادارة, وبذلك لابد أن يتصف النخبوي صاحب الرؤية والقرار بخصائص متميزة حتي تكون الواو بينه وبين الجماهير واو معينة وتفاعل لا واو تضاد وصراع, وهذه الصفات هي:
1 ـ ان يجيد النخبوي الذي هو في موقع القرار الاستبصار عن طريق خبرته الشخصية وثقافته وتجربته معطيات الواقع وتشخيص أزمة هذا الواقع وتقديم الرؤية التي تعيد له التوازنات المطلوبة.
2 ـ ان يراعي الفروق الفردية والاختلافات الثقافية والاجتماعية والدينية لأفراد واقعه.
3 ـ التدرج في تطبيق الرؤية أو القرار أو الخطة حتي يتحول هذا الجديد الذي يقدمه إلي طبيعة ثانية لكل فرد من أفراد مجتمعه من هذه الخصائص نستطيع في ضوء الخاصية الأولي تحديد معايير اختبار النخبوي الذي عليه اليوم أن يقود الجماهير الي التغيير, فلو تساءلنا ــ مثلا ــ من هو المدير الكفء, ومن هو الداعية الكفء ومن هو الإعلامي الكفء ومن هو الوزير الكفء, لا شك في انه هو الذي يحمل رؤية وقدرة علي استبصار خبرته الشخصية, ولديه وعي بكيفية تطورها وتفاعلها مع مشاكل الواقع, وقدرته كذلك علي نقلها إلي الآخرين. وفي ضوء الصفة الثانية التي تجب أن يتحلي بها النخبوي وهي مراعاة الفروق الفردية والاختلافات الثقافية والاجتماعية والدينية لأفراد مجتمعه, فمن الضروري أن يختار مرؤسيه أو المتعاملين معه علي قاعدة نظيفة وعادلة, فهو مثلا لن يقبل أن يرشح نفسه في مجلس الشعب عن طريق تقديم الموبايلات والفلوس والهدايا.. و.. و... الي الناخبين, لأنه يدرك أن من يعطي صوته مقابل ثمن ما فهو مستعد دائما ان يعطيه لمن يدفع سعرا أعلي, أما بالنسبة للخاصية الثالثة وهي قدرته علي تطبيق القرار أو الخطة علي نحو تدرجي ليحقق أهدافا استراتيجية,
فعليه أن يكون واعيا بالجانب التربوي, فيقوم بتوعية وتدريب الجماهير علي ممارسة حقهم لأنه يؤمن بأهمية بناء كوادر لاحقه له, ومن ثم يتجلي إيمانه بأهمية بناء المؤسسات.
واعتقد أنني لا أقدم بذلك نظرة فوقية تتجاوز الواقع, ذلك لأن الواقع يشهدنا ــ فعلا ــ علي سلبيات وقصور قام بها هؤلاء الذين في موقع القرار سواء في المؤسسات المالية أو الاقتصادية أو العلمية أو التعليمية أو الاعلامية, ومع ذلك ــ وفي المقابل ــ يوجد النخبوي المبدع, والصادق, والمحب لهذا البلد, لأننا بالفعل نحتاج إلي نخبة تعي الفجوة والفراغ بيننا وبين الخارج, وهذا الفراغ الشاسع أبرزته ثورة الاتصالات, وأطلع عليه كل فرد, فلم تعد الفجوة سيكولوجية داخلية كما هي في مشكلة الأنا والاخر وماذا نأخذ من الآخر وماذا نأخذ من تراثنا؟, إن الفجوة الآن تقتضي الوصل لا الفصل, القرب لا البعد, التفاعل لا الانعزال بمعني آخر لابد من تطوير قدراتنا وهذا التطوير لا يتأتي إلا بثورة إدراكية معرفية لجسر الهوة, وهذا لا يتم إلا بالآهتمام بالبحث العلمي الجاد, وعلي نحو متوازن مع الاهتمام بالعلوم الاجتماعية حتي نتحرر من التنميط الإيدولوجي والعقائدي لعلاقاتنا بالغرب ويتم تفسيرها في ضوء دراسات علمية محققه, بالإضافة إلي إشاعة ثقافة الإدارة بين أفراد الوطن حتي يتبوأ موقع القرار أشخاص جديرون به, لأن جل ما يعانية الوطن من مشكلات هي نابعة من سوء الادارة, فكثيرا ما نري النخبة في موقع القرار لا تعير الجماهير اهتماما, ولا تعرف الطريق الي مشاكل الجماهير الحقيقية, بل لا يهمها إلا المنصب وامتيازاته.
ولذا نري ضرورة تثقيف النخبة أو الصفوة بثقافة جماهيرية وليس العكس, كي يتعمق وعيهم بمشاكل الجماهير, ولغتهم ومعاناتهم الحقيقية, ولعل الفرق بين صورة الادارة والنظم والمؤسسات في أوروبا وأمريكا, وبين صورة التمزق والتشتت عندنا, يكمن في أن هناك قد تم استيعاب رؤي الجماهير لدي النخبة, ورؤي النخبة في الجماهير, ومن ثم عندما تسقط النخبة لا تسقط الجماهير ولا ينهار الواقع كما يحدث عندنا.
ومن هنا فإن ما نخشاه ــ حقيقة ــ أن يفقد الشباب ثقته في القدوة والنموذج في المجالات المختلفة, عندما يقرأون ما نقرأ في الصحف والمجلات ــ كل يوم ـ عن انحراف النخبة في مواقع القرار في المجالات المختلفة في واقعنا, ومن ثم سيحدث في شبابنا ما أسميه قطيعة التواصل واليأس من الأمل في التغيير أو تقديم حلول لمشاكلهم, وهذا بدوره يولد الرغبة في البديل, حيث يتم تبديل الأدوار في المخيال الاجتماعي للأفراد, ويصبح المحتل في نظره هو من أستغله وسرق ماله وهرب, ولم يقدم له مشروعات حقيقية تضرب بجذورها في الأرض المصرية, أما الصديق فهو من يفتح أمامه أبواب الحرية, ويلوح له بممارسة حقه في الديمقراطية, والحصول علي حقوقه الإنسانية.
ثقافة الصفوة وثقافة الجماهير
* د. وفاء إبراهيم
مشكلة العلاقة بين ثقافة الصفوة وثقافة الجماهير, هذه المشكلة القديمة التي اتخذت أكثر من وجه عبر تطور الواقع المحيط بنا, فقد تبلورت بداية في السؤال الحائر الذي أطلقه مفكرونا ومثقفونا الأوائل العائدون من البعثات العلمية وهو: لماذا تقدم الغرب وتخلفنا نحن ؟ وأعتقد أن رفاعة الطهطاوي أفضل نموذج لتمثيل البدايات للمثقف المصري المسلم الذي ذهب إلي أوروبا مرشدا دينيا ليقيم التوازن عن طريق الصلاة, وشرح الآيات, والأحاديث النبوية, إلا أنه تجاوز دوره هذا, وشعر بأهمية الرافد الخارجي وأدرك ما فيه من خير, والمتمعن في عنوان كتابه تخليص الإبريز في تلخيص باريز سيبهره دقة أختيار العنوان الدال علي المعني ـ اكثر مما فيه من سجع ـ حيث أختار الإبريز وهو المعدن في حالة ما قبل التشكيل, أي قبل أن يتحول إلي ذهب, إذ كان يقصد بهذا أن التحول إلي الذهب يحتاج إبداعا جديدا, لايقوم به إلا وعيا نقديا لتراثه اولا, ثم لما يفد إليه, ومن بعد ذلك الفهم لكل من الطرفين يتم التشكيل الإبداعي لرؤية يتضافر فيها الإيجابي من هنا والإيجابي من هناك علي نحو يتفاعل مع الاثنين حتي يستطيع الوعي أن يفرغ لأن يضيف إلي حضارته, بدلا من أن يحيا حائرا يتقدم خطوة, ويعود إلي الوراء خطوات, علي أية حال أخذت المشكلة بعد ذلك أوجها متعددة وقد تزامنت معها مسائل أخري مثل مشكلة الاصلاح, وهل يكون عن طريق العلم أم الدين أم بسبل جديدة, وتعددت الإتجاهات والاجتهادات والمناهج في ذلك, ثم تغيرت معطيات الواقع وانتقل إلي مرحلة النضال من أجل الاستقلال, ثم إلي مرحلة الاستقلال والزعامة العربية والأفكار القومية, وانتهي كل ذلك إلي مرحلة هزيمة67, حيث اتخذت المشكلة وجها أخر هو الأصالة والمعاصرة, إذ إن فزع المثقفين من الكارثة أدي بهم إلي التساؤل عن أسباب الفشل في مواجهة تحديات الواقع, ولقد علا صوت التيار الديني حينذاك حيث فسرت الهزيمة أنها بسبب تخلينا عن جوهرنا الأصيل, واستعارتنا لمناهج ونظريات الغرب, ولكنه هو نفسه الخطاب الديني لم يستطع أن يفهم أن ثمة أختلافا فحسب, وليس تناقضا بينهم وبين هؤلاء الذين يريدون أن يفهم القرآن فهما منهجيا معرفيا, وكذلك تفهم السنة النبوية والموروث فهما متعينا ومحددا بظروف تكوينه, لاشك أن ذلك أدي إلي انشقاق الذات العربية المسلمة إلي حد تكفير نصفها النصف الآخر.
علي أية حال, فإننا لانريد الغوص في تحليل الاتجاهات الفكرية المختلفة, وإنما هدفي هو أن أقدم ـ بداية ـ الخلفية الثقافية والفكرية لما أقصد إليه في هذا المقال, وهو أن تغيير واقع وطننا إلي الأفضل والأرقي لن يتم بالمحاولات النظرية التي قدمها مفكرونا الأوائل والثواني, فحسب, وإنما سوف يتقدم ويلحق بالركب بهؤلاء المثقفين الذين يتبوأون مراكز القرار, ويشغلون المناصب القيادية في المؤسسات والشركات والبنوك ومراكز البحث العلمي, وغيرها, لأن الواقع الآن يحتاج إلي المثقف الذي يحمل رؤية يستطيع تطبيقها علي الواقع, بمعني أنه يحتاج إلي المثقف الذي يقول كيف أوصل رؤيتي الجديدة إلي الجماهير, وكيف أقنعهم بالتفاعل مع هذه الأساليب الجديدة, وبأي الطرق أجمعهم معا في هذه الرؤية ؟
ومن هنا تغيرت طبيعة السؤال نتيجة تغير طبيعة الواقع, فمشكلة الواقع الآن تحتاج إبداعا قابلا إلي التطبيق, وقادرا علي التغيير من خلال خطط التنمية, والأهداف المحددة لها, وهذا الموقف يتطلب المواجهة والتواصل بين النخبة الذين أصبحوا في مركز القرار, وبين الجماهير, وأعتقد أن التواصل الفعال بين هؤلاء النخبة أو المثقفين الذين يشغلون المراكز القيادية وبين الجماهير لن يكون إلا بالفهم الصحيح لمعني الادارة, لأن مفهوم الإدارة من المفاهيم الهامة في واقعنا المعاصر, المتسارع الإيقاع نحو التقدم, حيث تحولت الادارة إلي علم ونظم ونظريات وتطبيقات, فالادارة كما يقول الدكتور سيد المواري في كتابه: الادارة, الأصول, الأسس العلمية: هي العضو المسئول عن تحقيق النتائج التي وجدت من أجلها تلك المؤسسة مثل القلب هو العضو المسئول في الجسم عن إمداد الجسم بالدم اللازم لبقائه علي قيد الحياة.
ولاشك أن الإنسان هو أهم عناصر الإدارة فهو المبدع والمنفذ لهذا الإبداع والمحقق لأهداف الادارة, وبذلك لابد أن يتصف النخبوي صاحب الرؤية والقرار بخصائص متميزة حتي تكون الواو بينه وبين الجماهير واو معينة وتفاعل لا واو تضاد وصراع, وهذه الصفات هي:
1 ـ ان يجيد النخبوي الذي هو في موقع القرار الاستبصار عن طريق خبرته الشخصية وثقافته وتجربته معطيات الواقع وتشخيص أزمة هذا الواقع وتقديم الرؤية التي تعيد له التوازنات المطلوبة.
2 ـ ان يراعي الفروق الفردية والاختلافات الثقافية والاجتماعية والدينية لأفراد واقعه.
3 ـ التدرج في تطبيق الرؤية أو القرار أو الخطة حتي يتحول هذا الجديد الذي يقدمه إلي طبيعة ثانية لكل فرد من أفراد مجتمعه من هذه الخصائص نستطيع في ضوء الخاصية الأولي تحديد معايير اختبار النخبوي الذي عليه اليوم أن يقود الجماهير الي التغيير, فلو تساءلنا ــ مثلا ــ من هو المدير الكفء, ومن هو الداعية الكفء ومن هو الإعلامي الكفء ومن هو الوزير الكفء, لا شك في انه هو الذي يحمل رؤية وقدرة علي استبصار خبرته الشخصية, ولديه وعي بكيفية تطورها وتفاعلها مع مشاكل الواقع, وقدرته كذلك علي نقلها إلي الآخرين. وفي ضوء الصفة الثانية التي تجب أن يتحلي بها النخبوي وهي مراعاة الفروق الفردية والاختلافات الثقافية والاجتماعية والدينية لأفراد مجتمعه, فمن الضروري أن يختار مرؤسيه أو المتعاملين معه علي قاعدة نظيفة وعادلة, فهو مثلا لن يقبل أن يرشح نفسه في مجلس الشعب عن طريق تقديم الموبايلات والفلوس والهدايا.. و.. و... الي الناخبين, لأنه يدرك أن من يعطي صوته مقابل ثمن ما فهو مستعد دائما ان يعطيه لمن يدفع سعرا أعلي, أما بالنسبة للخاصية الثالثة وهي قدرته علي تطبيق القرار أو الخطة علي نحو تدرجي ليحقق أهدافا استراتيجية,
فعليه أن يكون واعيا بالجانب التربوي, فيقوم بتوعية وتدريب الجماهير علي ممارسة حقهم لأنه يؤمن بأهمية بناء كوادر لاحقه له, ومن ثم يتجلي إيمانه بأهمية بناء المؤسسات.
واعتقد أنني لا أقدم بذلك نظرة فوقية تتجاوز الواقع, ذلك لأن الواقع يشهدنا ــ فعلا ــ علي سلبيات وقصور قام بها هؤلاء الذين في موقع القرار سواء في المؤسسات المالية أو الاقتصادية أو العلمية أو التعليمية أو الاعلامية, ومع ذلك ــ وفي المقابل ــ يوجد النخبوي المبدع, والصادق, والمحب لهذا البلد, لأننا بالفعل نحتاج إلي نخبة تعي الفجوة والفراغ بيننا وبين الخارج, وهذا الفراغ الشاسع أبرزته ثورة الاتصالات, وأطلع عليه كل فرد, فلم تعد الفجوة سيكولوجية داخلية كما هي في مشكلة الأنا والاخر وماذا نأخذ من الآخر وماذا نأخذ من تراثنا؟, إن الفجوة الآن تقتضي الوصل لا الفصل, القرب لا البعد, التفاعل لا الانعزال بمعني آخر لابد من تطوير قدراتنا وهذا التطوير لا يتأتي إلا بثورة إدراكية معرفية لجسر الهوة, وهذا لا يتم إلا بالآهتمام بالبحث العلمي الجاد, وعلي نحو متوازن مع الاهتمام بالعلوم الاجتماعية حتي نتحرر من التنميط الإيدولوجي والعقائدي لعلاقاتنا بالغرب ويتم تفسيرها في ضوء دراسات علمية محققه, بالإضافة إلي إشاعة ثقافة الإدارة بين أفراد الوطن حتي يتبوأ موقع القرار أشخاص جديرون به, لأن جل ما يعانية الوطن من مشكلات هي نابعة من سوء الادارة, فكثيرا ما نري النخبة في موقع القرار لا تعير الجماهير اهتماما, ولا تعرف الطريق الي مشاكل الجماهير الحقيقية, بل لا يهمها إلا المنصب وامتيازاته.
ولذا نري ضرورة تثقيف النخبة أو الصفوة بثقافة جماهيرية وليس العكس, كي يتعمق وعيهم بمشاكل الجماهير, ولغتهم ومعاناتهم الحقيقية, ولعل الفرق بين صورة الادارة والنظم والمؤسسات في أوروبا وأمريكا, وبين صورة التمزق والتشتت عندنا, يكمن في أن هناك قد تم استيعاب رؤي الجماهير لدي النخبة, ورؤي النخبة في الجماهير, ومن ثم عندما تسقط النخبة لا تسقط الجماهير ولا ينهار الواقع كما يحدث عندنا.
ومن هنا فإن ما نخشاه ــ حقيقة ــ أن يفقد الشباب ثقته في القدوة والنموذج في المجالات المختلفة, عندما يقرأون ما نقرأ في الصحف والمجلات ــ كل يوم ـ عن انحراف النخبة في مواقع القرار في المجالات المختلفة في واقعنا, ومن ثم سيحدث في شبابنا ما أسميه قطيعة التواصل واليأس من الأمل في التغيير أو تقديم حلول لمشاكلهم, وهذا بدوره يولد الرغبة في البديل, حيث يتم تبديل الأدوار في المخيال الاجتماعي للأفراد, ويصبح المحتل في نظره هو من أستغله وسرق ماله وهرب, ولم يقدم له مشروعات حقيقية تضرب بجذورها في الأرض المصرية, أما الصديق فهو من يفتح أمامه أبواب الحرية, ويلوح له بممارسة حقه في الديمقراطية, والحصول علي حقوقه الإنسانية.
المقالة: الاول | قبل | بعد | الاخير | عناوين المقالات | عناوين جميع المقالات