إبداع
04-24-2006, 04:19 PM
كانت اليابان -ومازالت- مضرب الأمثال في التقليد الصناعي، حيث شاعت طرفة عن اليابانيين تزعم أن رجل أعمال يابانياً أعطى مصنعاً قلم حبر لتقليده، فلما انتهى المصنع من مهمته وجد رجل الأعمال أن القلم لا يكتب وعندما حقق القضاء في الأمر وجدوا أن المصنع قلد القلم الأصلي تماماً ولكن القلم الأصلي لا يكتب.
ويحكى أيضا أن تجار السلاح الأوربيين كانوا يمرون بسفنهم على بلاد الشرق الأقصى في القرن التاسع عشر، وفي أحد الأعوام مروا على بلاد المسلمين في ملايو وباعوهم أسلحة كثيرة ثم مروا على اليابان وباعوهم بعض الأسلحة. وفي العام التالي مروا على الملايو فطلبوا مزيداً من الأسلحة، أما اليابانيون فلم يشتروا شيئاً ، فقد قلدوا الأسلحة وصنعوها ولم يعودوا بحاجة لشرائها.
وهناك حكمة أكثر عظة وعبرة عن الياباني الذي كان مبتعثاً في أوائل القرن الماضي للحصول على الدكتوراه في الهندسة، لكنه وجد نفسه يضيع وقته وجهده في دراسات نظرية لاطائل منها، وأنه وزملاءه المبتعثين أغرقوا أنفسهم في المعادلات والتحليلات، فقرر بينه وبين نفسه أمراً ، وتساءل: ما مفتاح التقنية الغربية في هذا الوقت؟ وأجاب بأنه المحرك، إذن فليعد إلى اليابان بسر صناعة المحرك. وبالفعل اشترى محركاً من ماله الخاص، وعكف عليه يفككه قطعة قطعة، ولكلما فك قطعة رسمها ورقمها حتى تمكن من تفكيك كامل المحرك، ثم أعاد تركيبه كما كان وكرر ذلك عدة مرات حتى أدرك كل أجزاء المحرك، وعاد إلى الكتب ليتفهم بعض النظريات المختصة في عمل المحرك. وأراد بعد ذلك أن يعمل في المصانع المنتجة للمحركات فذهب إليها عاملاً يكتشف في هدوء أسرار صناعة المحرك ودقائقها. وعندما أيقن أنه يعرف أسرار هذه الصناعة، ولم يبق إلا أن ينقلها إلى اليابان، كتب للجهات المختصة عن نواياه, وعلم الإمبراطور بأمر هذا الشاب وطموحاته، فأرسل إليه مبلغاً كبيراً من المال لشراء ما يلزمه من معدات لصناعة المحرك الياباني. ولما فرغ من مهمته بعد عدة سنوات ذهب لزيارة الإمبراطور ومعه عينة من المحركات التي قام بتصنيعها، حيث استمع الإمبراطور لأصواتها وهي تعمل وقال في نشوة: هذه أعذب موسيقى سمعتها في حياتي.
هذا النموذج الياباني المبهر لم يعد إلى بلاده بالدكتوراه، وإنما عاد إليها بعزتها ومجدها ومستقبلها، عاد إليها بعد أن قلد مفتاح الصناعة الأوروبية، عاونته على ذلك البيئة والجهات المختصة، ولم يحاولوا قتل أفكاره أو خذله أو اتهامه، ولم يتربص به حزب أعداء النجاح، وإنما ساعدوه وشجعوه.
وهكذا أصبحت اليابان -ليس بالتقليد وحده، وإنما بالكفاح والبحوث التطبيقية والدراسات ذات الجدوى. فاليابان لم تكن شيئا في بداية القرن الماضي مقارنة ببلد مثل مصر، التي أرسلوا إليها بعثة في تلك الفترة لدراسة أسباب سبق مصر لهم، واليوم ننظر بأسف حال عالمنا العربي.
والشاهد في هذه الأمثلة اليابانية يؤكد على ضرورة استثمار "التقليد الصناعي والتقني" باعتبارهما من أهم الميادين التي ينبغي للأمم أن تسلكها في استنبات تقنيتها الوطنية، وما تجربة اليابان عنا ببعيدة، وحري بالعالم النامي أو "النائم" أن يترسم خطاها.
وللأسف الشديد، فإن التقليد الصناعي يكاد أن يختفي تماماً من حياتنا الصناعية، فالصناعة في بلادنا تعتمد طريق رُخص الإنتاج لا تحيد عنه، حتى رُخص الإنتاج تعقدت تعقيداً يستحيل معه نمو الصناعة الوطنية، وأصبحت شروطها معوقة تماماً لأي استنبات تقني بسبب لجوء الدول الكبرى للمنظمات الدولية لحماية صناعتها وحصار الشعوب الضعيفة للحيلولة دون محاولاتها التقليد، غير أن عدداً من مفكرينا اعتبروا أن التقليد عبث ويجب أن نحيد عنه.
فلا يمنع مثلا الحصول على رخص إنتاج لهذا الصناعات مع وجود فلسفة صناعية قوية ترتكز على هذه الرخص، بحيث يكون في المصنع جهاز تقليد على أعلى مستوى من العلمية والتقنية مربوطاً بالجامعات ومراكز البحوث، على أن تقوم الإدارة العليا في المصانع -في الوقت نفسه- حسب برنامج زمني الاعتماد على التقليد والابتكار، لابد معه إلغاء الاعتماد على رخص الإنتاج. وهكذا يسعى الجادون للحاق بالركب وتنمية دولهم وشعوبهم ورفاهية أوطانهم.
وبالرغم من عتامة الصورة إلا أنها ليست مظلمة تماماً، ولكن حتى لا نتهم بصفة جلد الذات وتعذيبها، فإننا نحاول عرض جانب من الجوانب المضيئة والوضع الذي ينبغي أن يكون عليه عالمنا العربي والإسلامي في هذا الخصوص، وليكون نداً يتفوق على أعدائه.
ففي مجال المعلومات، من وجهة نظر "برنارد أفيشاي" المحرر المشارك في مجلة هارفاد "HBR" ، وكذلك عبر بحث ميداني أجراه الدكتور زين عبد الهادي في المنظمة العربية للتنمية الإدارية، على شبكة الإنترنت، يقول "افيشاي" :"إن إسرائيل التي يهبط عليها 200 ألف مهاجر كل عام في حاجة ماسة إلى العمل في قطاع الأعمال المالي، فهي تملك أكبر عد من العلماء والمتعلمين على ظهر الأرض، و30% من عدد السكان أمضى أكثر من 13% عاماً في التعليم، و20% لديهم درجة أكاديمية. وفيما يتعلق بقوة العمل، فإن 25% منها يعمل في مجالات علمية أكاديمية أو فنية مهنية، كما في إسرائيل خمس جامعات ومعهدان علميان "معهد "تكنيم" ومعهد "وايزمان" المتخصصان في العلوم والتقنية، إضافة إلى العديد من المستشفيات العلمية، وشبكة تليفزيون تعليمي متطورة، ومن بين المهاجرين إليها متخصصون في الرياضيات. وفي مجال الإنفاق على البحث العلمي فنحو 3% من الدخل القومي الإسرائيلي ينفق في هذا المجال، وبالمقارنة لإنفاق الدولة على عالم واحد سنوياً فيصل هذا الإنفاق في أمريكا إلى 140 ألف دولار ، وفي سنغافورة 65 ألف دولار، وفي الصين 50 ألف دولار، وفي مصر 5 آلاف دولار، بينما في إسرائيل 100 ألف دولار سنوياً. لكن ما لا يذكره "أفيشاي" في الوقت نفسه أن أعلى ديون في العالم بالنسبة للفرد ديون إسرائيل، حيث تتجاوز 5500 دولار للفرد الواحد.
وفي مجال المعلومات، فإن القوى العاملة في هذا القطاع في إسرائيل تبلغ 47.9% من إجمالي قوة العمل النشيطة اقتصادياً، وبلغت أرباح إسرائيل في تقنية المعلومات عام 1994م نحو 2.5 بليون دولار بينما كان نصيب مصر في العام نفسه 200 مليون دولار فقط، ومن الملاحظ أن السنة التي دخل فيها الحاسب الآلي إلى مصر صادفت أيضاً دخوله إلى إسرائيل حيث كان ذلك في عام 1953م .
أما قواعد المعلومات وهي التي تمثل الرقمية "Digital mensry" على الحاسب المجموع فقد طور "ياكوف شويكا" من جامعة "بارعيلان"" قاعدة خاصة بالثقافة اليهودية تحت اسم "قاعدة البيانات العالمية اليهودية" وتحتوي على 50% إجابة عن الأسئلة المتعلقة بالحياة والثقافة اليهودية والتلمود البابلوني وأدب الميدراث، إضافة إلى النص الأصلي للتوارة. وهناك شبكة معلومات طبية تحت اسم "ميمون" تربط المكتبات ومراكز المعلومات الطبية.
وفي دراسة على 13 قاعدة بيانات عالمية وجد أن لمصر نحو 182 ألف عمل ولإسرائيل 291 ألف عمل وللعالم العربي ككل 544 ألف عمل، وأن الإنتاج الفكري المصري في مجال الزراعة يتميز عن نظيره الإسرائيلي،بينما يتميز الإنتاج الفكري الإسرائيلي عن الإنتاج الفكري المصري في المجال الطبي. وبينت الدراسة أن السبب في التغطية الكبيرة للإنتاج الفكري الإسرائيلي يعود لمجموعة من العوامل ، يقف وراءها انحيازنا ضد أنفسنا والضعف الإعلامي، وتخوف الباحثين من النشر في الخارج، كذلك ظهور نوع من التمييز الببلوجرافي ضد الإنتاج الفكري العربي عموماً في هذه القواعد لأسباب عديدة، منه وجود جماعات ضغط إسرائيلية كبيرة خاصة في الولايات المتحدة والتأثير الإعلامي الإسرائيلي على المواطن الأمريكي، وتكريس صورة ذهنية مستمرة عن التخلف العربي.
وبعد ذلك نتساءل: كيف نطلب إلى الآخرين مساعدتنا قبل أن نساعد أنفسنا؟. كما يعزو أسباب هذا الضعف إلى ضعف الإنفاق الحكومي على الباحث العلمي في الوطن العربي عموماً كما ظهر تأثير السياسة الدولية على تغطية الإنتاج الفكري للدول في هذا العمل، فبمقارنة الأعمال المنشورة عن أو في مجموعة الدول الشرق أوسطية وكوريا تبين من تحليل لست قواعد عالمية أن بمصر 35 ألف عمل، ولإسرائيل 87 ألف، ولتركيا 45 ألف عمل وإيران 18 ألف عمل، وكوريا 45 ألف عمل.
ويتبين أن هناك ثمة فارقاً كبيراً لصالح إسرائيل ، لكن إذا ما علمنا أن مجموع هذه الأعمال يمثل ما هو مكتوب عن الدولتين إضافة إلى ما هو منشور فيهما، الأمر الذي يدفعنا -حسب الدراسة التي أعدها الدكتور زين عبد الهادي- إلى إعادة النظر في هذه الأرقام. وعند تحليل مكان نشر هذه الوثائق والأعمال الفكرية يتبين أن 11.5 % من عدد الأعمال المنسوبة للعالم العربي هي المنشورة فقط فيه وهو ما يمثل 0.0407 % من الإنتاج الفكري العالمي وتبين كذلك أن 8.2 % من عدد الأعمال المنسوبة لإسرائيل هي المنشورة فقط فيها، مما يعني أن 0.021% من الإنتاج الفكري العالمي، وتبين أيضاً أن 19.8% من الأعمال المنسوبة لمصر هي المنشورة فقط فيها، وهو يعني 0.031% من الإنتاج الفكري العالمي، وهذه هي النقطة المضيئة الأولى، وهناك نقطة مضيئة ثانية وهي أن إجمالي عدد العاملين في مجال المعلومات من القوى العاملة في مصر يبلغ 2.578.844 أي مقدار ما في إسرائيل مرتين. وإذا كانت هذه النقاط المضيئة موجودة في هذه الصورة الباهتة، فما الحل لتصحيح هذه الأوضاع؟.
حلول تحتاج التفعيل
وللإجابة عن هذا التساؤل، ولكي تكتمل إضاءة هذه الصورة الباهتة، بعيداً عن التشنجات، ونظريات المؤامرة وجلد الذات سنركز على المقترحات التالية:
ضرورة وجود قرار استراتيجي عربي يستهدف تطوير البحث العلمي وإعطاءه الأولوية التي يستحقها، وزيادة الإنفاق على البحث العلمي في مصر والعالم العربي، فهذا أحد الطرق المهمة نحو وجود صناعة قوية للمعلومات.
العمل على تقليل الفجوة بيننا وبين إسرائيل على هذا النحو المؤرق الذي تكشف للجميع وذلك ببذل الجهد لاختصار الزمن، وتوفير آلية الاختراق، ففي دراسات للعديد من العلماء أوصت بالتركيز على مجالات بعينها"الأبحاث النووية، الفضاء، الليزر، الإلكترونيات، الهندسة الحيوية والوراثية، البرمجيات أو المعلومات"
الأمر يحتاج إلى تغير تام أو جهاد علمي، الذي بدوره يتطلب إصراراً وتفانياً وتضحيات، والقنبلة الإسلامية الباكستانية خير مثال على ذلك، فالجهد الذي بذله مهندسها عبد القدير خان، لإنجازها يعد نموذجاً للجهاد العلمي، يجدر احتذاؤه فالرجل عمل 15 عاماً في الغرب، نقل إلى بلاده كل ما وقع تحت يديه من معلومات وتصاميم، حتى حكمت عليه إحدى محاكم هولندا بالسجن أربع سنوات، وحين تعذر عليه أن يواصل جمع المعلومات التي تخدم مشروعه، أرسل أحد مساعديه إلى ألمانيا حيث أسس عدة شركات وهمية عملت كواجهة للتسوق النووي، وبعد تلك الجهود المضيئة التي بذلوها في الولايات المتحدة وأوروبا، استثمروها بعد ذلك في الباكستان، حيث تحقق لهم ما أرادوا، ولم يكن الباكستانيون أول من فعل ذلك بل سبقهم إلى ذلك الهنود والصينيون.
ضرورة العمل على تكاملية الدور بين التعليم والعمل حيث التوجه الأساسي الذي سيسود عصر المعلومات، هو التعلم من خلال العمل، وعدم مساهمة المؤسسة العلمية في حل المشاكل العملية التي يواجهها المجتمع يعد عائقاً أمام أن تحظى هذه المؤسسة بالقدر الكافي من الموارد المادية، ودعم القيادات السياسية والشعبية.
لابد للجامعات أن تشهد تحولاً أساسياً في تضخيم مهمتها البحثية مقارنة بمهمتها التعليمية، بل ضرورة أن يمتد هذا التوجه إلى مراحل التعليم ما قبل الجامعي.
الاهتمام بالتربية والتعليم، والقضاء على الأمية بجميع أنواعها: أبجدية، وحاسوبية، فبغير ذلك يتعذر علينا الدخول في عصر المعلومات بهذه الأعداد الهائلة من الأميين (أكثر من 60 مليون أمي) ما بالنا بالأمية الحاسوبية؟!
ترسيخ العلم وتعريبه في وجدان الإنسان العربي وعقله، فالحجة الزاعمة أن تعريب العلوم سيقطع صلة طلبتنا بالمراجع الأصلية لهذه العلوم تتعارض مع تعدد مصادر المعرفة في عصر المعلومات مما لن يجد معه الطالب مفراً من اللجوء إلى هذه المصادر، ولكن ما تتيحه حاليا وستتيحه مستقبلاً تقنية المعلومات من وسائل عملية لدعم جهود العمل المصطلحي وترجمة النصوص العلمية آلياً ينفي هذا الزعم جملة وتفصيلاً.
لا يمكن إحداث ثورة تربوية مطلوبة تحت وطأة البيروقراطية التي تغلغلت في كيان إداراتنا التعليمية خاصة وأننا نتوقع من الإدارة التعليمية في عصر المعلومات جهداً مزدوجاً لتحقيق مهمة التجديد التربوي والتعليمي، والتعليم العلاجي في الوقت نفسه لاسيما وأن تقنية المعلومات توفر فرصاً عديد ة لتدريب أطقم الإدارة المدرسية والتعليمية وزيادة فاعليتها. ولابد أيضا من تدريب الطلبة على التعامل مع مصادر المعلومات المتعددة، كالمراجع، ودوائر المعارف، وبنوك المعلومات التعليمية والتقنية.
استقطاب الطاقات الإسلامية المتخصصة التي تتميز بالقدرة على العطاء في مختلف المجالات.
العمل على بلورة النظرية الإسلامية للتربية، ووضع التأصيل الدقيق لنظام تربوي إسلامي يفي باحتياجات العصر، ووضع الأطر العامة لمناهج المراحل التعليمية المختلفة.
ضرورة تخطيط الدولة لمستويات علمية وتقنية متعاقبة تخطو من واحدة إلى أخرى في وثوق واطمئنان مدركة لدورها كمنظم ورابط للجهود الصناعية المختلة في الأمة سواء قام بها الأفراد أم الدولة نفسها، لأن الدولة هي العقل المدبر، والأمة هي الجوارح التي تعمل.
التركيز على ما يعرف بصناعة خدمات المعلومات، المبنية على تقديم خدمات معلومات، واستشارات قانونية، ومالية، ودراسات، من خلال بناء مجموعة قوية من قواعد المعلومات على المستوى العالمية، فمصر وحدها تملك أكثر من 95 قاعدة معلومات جيدة في مختلف المجالات وبما يتمثل 2% من مجموع قواعد البيانات العالمية.
التحرك السريع، فالخيارات في التقنيات العالمة تضيق حيناً بعد حين، وها هي دول النادي الذري، أغلقت الباب على نفسها، وحظرت تلك الأنشطة على الآخرين، وثمة اتفاقية أخرى تحظر نقل تقنية الصواريخ وكذلك مجالات التحكم الآلي والإلكترونيات والمستشعرات (كاميرات متناهية الدقة تقوم بالتصوير الحراري وليس الضوئي التي بوسعها مثلاً تصوير أناس في موقع بعد أن غادروه) وهذا المجال الأخير، يجري تضييقه الآن، لأن له استخدامات عسكرية، (وفي هذه الأجواء ،فإن أمتنا العربية والإسلامية إذا تراخت وتأخرت أكثر من هذا، فإنها قد لا تستطيع مستقبلاً دخول التقنية العالمية إلا في حدود ما يسمح بها الآخرون!!
ويحكى أيضا أن تجار السلاح الأوربيين كانوا يمرون بسفنهم على بلاد الشرق الأقصى في القرن التاسع عشر، وفي أحد الأعوام مروا على بلاد المسلمين في ملايو وباعوهم أسلحة كثيرة ثم مروا على اليابان وباعوهم بعض الأسلحة. وفي العام التالي مروا على الملايو فطلبوا مزيداً من الأسلحة، أما اليابانيون فلم يشتروا شيئاً ، فقد قلدوا الأسلحة وصنعوها ولم يعودوا بحاجة لشرائها.
وهناك حكمة أكثر عظة وعبرة عن الياباني الذي كان مبتعثاً في أوائل القرن الماضي للحصول على الدكتوراه في الهندسة، لكنه وجد نفسه يضيع وقته وجهده في دراسات نظرية لاطائل منها، وأنه وزملاءه المبتعثين أغرقوا أنفسهم في المعادلات والتحليلات، فقرر بينه وبين نفسه أمراً ، وتساءل: ما مفتاح التقنية الغربية في هذا الوقت؟ وأجاب بأنه المحرك، إذن فليعد إلى اليابان بسر صناعة المحرك. وبالفعل اشترى محركاً من ماله الخاص، وعكف عليه يفككه قطعة قطعة، ولكلما فك قطعة رسمها ورقمها حتى تمكن من تفكيك كامل المحرك، ثم أعاد تركيبه كما كان وكرر ذلك عدة مرات حتى أدرك كل أجزاء المحرك، وعاد إلى الكتب ليتفهم بعض النظريات المختصة في عمل المحرك. وأراد بعد ذلك أن يعمل في المصانع المنتجة للمحركات فذهب إليها عاملاً يكتشف في هدوء أسرار صناعة المحرك ودقائقها. وعندما أيقن أنه يعرف أسرار هذه الصناعة، ولم يبق إلا أن ينقلها إلى اليابان، كتب للجهات المختصة عن نواياه, وعلم الإمبراطور بأمر هذا الشاب وطموحاته، فأرسل إليه مبلغاً كبيراً من المال لشراء ما يلزمه من معدات لصناعة المحرك الياباني. ولما فرغ من مهمته بعد عدة سنوات ذهب لزيارة الإمبراطور ومعه عينة من المحركات التي قام بتصنيعها، حيث استمع الإمبراطور لأصواتها وهي تعمل وقال في نشوة: هذه أعذب موسيقى سمعتها في حياتي.
هذا النموذج الياباني المبهر لم يعد إلى بلاده بالدكتوراه، وإنما عاد إليها بعزتها ومجدها ومستقبلها، عاد إليها بعد أن قلد مفتاح الصناعة الأوروبية، عاونته على ذلك البيئة والجهات المختصة، ولم يحاولوا قتل أفكاره أو خذله أو اتهامه، ولم يتربص به حزب أعداء النجاح، وإنما ساعدوه وشجعوه.
وهكذا أصبحت اليابان -ليس بالتقليد وحده، وإنما بالكفاح والبحوث التطبيقية والدراسات ذات الجدوى. فاليابان لم تكن شيئا في بداية القرن الماضي مقارنة ببلد مثل مصر، التي أرسلوا إليها بعثة في تلك الفترة لدراسة أسباب سبق مصر لهم، واليوم ننظر بأسف حال عالمنا العربي.
والشاهد في هذه الأمثلة اليابانية يؤكد على ضرورة استثمار "التقليد الصناعي والتقني" باعتبارهما من أهم الميادين التي ينبغي للأمم أن تسلكها في استنبات تقنيتها الوطنية، وما تجربة اليابان عنا ببعيدة، وحري بالعالم النامي أو "النائم" أن يترسم خطاها.
وللأسف الشديد، فإن التقليد الصناعي يكاد أن يختفي تماماً من حياتنا الصناعية، فالصناعة في بلادنا تعتمد طريق رُخص الإنتاج لا تحيد عنه، حتى رُخص الإنتاج تعقدت تعقيداً يستحيل معه نمو الصناعة الوطنية، وأصبحت شروطها معوقة تماماً لأي استنبات تقني بسبب لجوء الدول الكبرى للمنظمات الدولية لحماية صناعتها وحصار الشعوب الضعيفة للحيلولة دون محاولاتها التقليد، غير أن عدداً من مفكرينا اعتبروا أن التقليد عبث ويجب أن نحيد عنه.
فلا يمنع مثلا الحصول على رخص إنتاج لهذا الصناعات مع وجود فلسفة صناعية قوية ترتكز على هذه الرخص، بحيث يكون في المصنع جهاز تقليد على أعلى مستوى من العلمية والتقنية مربوطاً بالجامعات ومراكز البحوث، على أن تقوم الإدارة العليا في المصانع -في الوقت نفسه- حسب برنامج زمني الاعتماد على التقليد والابتكار، لابد معه إلغاء الاعتماد على رخص الإنتاج. وهكذا يسعى الجادون للحاق بالركب وتنمية دولهم وشعوبهم ورفاهية أوطانهم.
وبالرغم من عتامة الصورة إلا أنها ليست مظلمة تماماً، ولكن حتى لا نتهم بصفة جلد الذات وتعذيبها، فإننا نحاول عرض جانب من الجوانب المضيئة والوضع الذي ينبغي أن يكون عليه عالمنا العربي والإسلامي في هذا الخصوص، وليكون نداً يتفوق على أعدائه.
ففي مجال المعلومات، من وجهة نظر "برنارد أفيشاي" المحرر المشارك في مجلة هارفاد "HBR" ، وكذلك عبر بحث ميداني أجراه الدكتور زين عبد الهادي في المنظمة العربية للتنمية الإدارية، على شبكة الإنترنت، يقول "افيشاي" :"إن إسرائيل التي يهبط عليها 200 ألف مهاجر كل عام في حاجة ماسة إلى العمل في قطاع الأعمال المالي، فهي تملك أكبر عد من العلماء والمتعلمين على ظهر الأرض، و30% من عدد السكان أمضى أكثر من 13% عاماً في التعليم، و20% لديهم درجة أكاديمية. وفيما يتعلق بقوة العمل، فإن 25% منها يعمل في مجالات علمية أكاديمية أو فنية مهنية، كما في إسرائيل خمس جامعات ومعهدان علميان "معهد "تكنيم" ومعهد "وايزمان" المتخصصان في العلوم والتقنية، إضافة إلى العديد من المستشفيات العلمية، وشبكة تليفزيون تعليمي متطورة، ومن بين المهاجرين إليها متخصصون في الرياضيات. وفي مجال الإنفاق على البحث العلمي فنحو 3% من الدخل القومي الإسرائيلي ينفق في هذا المجال، وبالمقارنة لإنفاق الدولة على عالم واحد سنوياً فيصل هذا الإنفاق في أمريكا إلى 140 ألف دولار ، وفي سنغافورة 65 ألف دولار، وفي الصين 50 ألف دولار، وفي مصر 5 آلاف دولار، بينما في إسرائيل 100 ألف دولار سنوياً. لكن ما لا يذكره "أفيشاي" في الوقت نفسه أن أعلى ديون في العالم بالنسبة للفرد ديون إسرائيل، حيث تتجاوز 5500 دولار للفرد الواحد.
وفي مجال المعلومات، فإن القوى العاملة في هذا القطاع في إسرائيل تبلغ 47.9% من إجمالي قوة العمل النشيطة اقتصادياً، وبلغت أرباح إسرائيل في تقنية المعلومات عام 1994م نحو 2.5 بليون دولار بينما كان نصيب مصر في العام نفسه 200 مليون دولار فقط، ومن الملاحظ أن السنة التي دخل فيها الحاسب الآلي إلى مصر صادفت أيضاً دخوله إلى إسرائيل حيث كان ذلك في عام 1953م .
أما قواعد المعلومات وهي التي تمثل الرقمية "Digital mensry" على الحاسب المجموع فقد طور "ياكوف شويكا" من جامعة "بارعيلان"" قاعدة خاصة بالثقافة اليهودية تحت اسم "قاعدة البيانات العالمية اليهودية" وتحتوي على 50% إجابة عن الأسئلة المتعلقة بالحياة والثقافة اليهودية والتلمود البابلوني وأدب الميدراث، إضافة إلى النص الأصلي للتوارة. وهناك شبكة معلومات طبية تحت اسم "ميمون" تربط المكتبات ومراكز المعلومات الطبية.
وفي دراسة على 13 قاعدة بيانات عالمية وجد أن لمصر نحو 182 ألف عمل ولإسرائيل 291 ألف عمل وللعالم العربي ككل 544 ألف عمل، وأن الإنتاج الفكري المصري في مجال الزراعة يتميز عن نظيره الإسرائيلي،بينما يتميز الإنتاج الفكري الإسرائيلي عن الإنتاج الفكري المصري في المجال الطبي. وبينت الدراسة أن السبب في التغطية الكبيرة للإنتاج الفكري الإسرائيلي يعود لمجموعة من العوامل ، يقف وراءها انحيازنا ضد أنفسنا والضعف الإعلامي، وتخوف الباحثين من النشر في الخارج، كذلك ظهور نوع من التمييز الببلوجرافي ضد الإنتاج الفكري العربي عموماً في هذه القواعد لأسباب عديدة، منه وجود جماعات ضغط إسرائيلية كبيرة خاصة في الولايات المتحدة والتأثير الإعلامي الإسرائيلي على المواطن الأمريكي، وتكريس صورة ذهنية مستمرة عن التخلف العربي.
وبعد ذلك نتساءل: كيف نطلب إلى الآخرين مساعدتنا قبل أن نساعد أنفسنا؟. كما يعزو أسباب هذا الضعف إلى ضعف الإنفاق الحكومي على الباحث العلمي في الوطن العربي عموماً كما ظهر تأثير السياسة الدولية على تغطية الإنتاج الفكري للدول في هذا العمل، فبمقارنة الأعمال المنشورة عن أو في مجموعة الدول الشرق أوسطية وكوريا تبين من تحليل لست قواعد عالمية أن بمصر 35 ألف عمل، ولإسرائيل 87 ألف، ولتركيا 45 ألف عمل وإيران 18 ألف عمل، وكوريا 45 ألف عمل.
ويتبين أن هناك ثمة فارقاً كبيراً لصالح إسرائيل ، لكن إذا ما علمنا أن مجموع هذه الأعمال يمثل ما هو مكتوب عن الدولتين إضافة إلى ما هو منشور فيهما، الأمر الذي يدفعنا -حسب الدراسة التي أعدها الدكتور زين عبد الهادي- إلى إعادة النظر في هذه الأرقام. وعند تحليل مكان نشر هذه الوثائق والأعمال الفكرية يتبين أن 11.5 % من عدد الأعمال المنسوبة للعالم العربي هي المنشورة فقط فيه وهو ما يمثل 0.0407 % من الإنتاج الفكري العالمي وتبين كذلك أن 8.2 % من عدد الأعمال المنسوبة لإسرائيل هي المنشورة فقط فيها، مما يعني أن 0.021% من الإنتاج الفكري العالمي، وتبين أيضاً أن 19.8% من الأعمال المنسوبة لمصر هي المنشورة فقط فيها، وهو يعني 0.031% من الإنتاج الفكري العالمي، وهذه هي النقطة المضيئة الأولى، وهناك نقطة مضيئة ثانية وهي أن إجمالي عدد العاملين في مجال المعلومات من القوى العاملة في مصر يبلغ 2.578.844 أي مقدار ما في إسرائيل مرتين. وإذا كانت هذه النقاط المضيئة موجودة في هذه الصورة الباهتة، فما الحل لتصحيح هذه الأوضاع؟.
حلول تحتاج التفعيل
وللإجابة عن هذا التساؤل، ولكي تكتمل إضاءة هذه الصورة الباهتة، بعيداً عن التشنجات، ونظريات المؤامرة وجلد الذات سنركز على المقترحات التالية:
ضرورة وجود قرار استراتيجي عربي يستهدف تطوير البحث العلمي وإعطاءه الأولوية التي يستحقها، وزيادة الإنفاق على البحث العلمي في مصر والعالم العربي، فهذا أحد الطرق المهمة نحو وجود صناعة قوية للمعلومات.
العمل على تقليل الفجوة بيننا وبين إسرائيل على هذا النحو المؤرق الذي تكشف للجميع وذلك ببذل الجهد لاختصار الزمن، وتوفير آلية الاختراق، ففي دراسات للعديد من العلماء أوصت بالتركيز على مجالات بعينها"الأبحاث النووية، الفضاء، الليزر، الإلكترونيات، الهندسة الحيوية والوراثية، البرمجيات أو المعلومات"
الأمر يحتاج إلى تغير تام أو جهاد علمي، الذي بدوره يتطلب إصراراً وتفانياً وتضحيات، والقنبلة الإسلامية الباكستانية خير مثال على ذلك، فالجهد الذي بذله مهندسها عبد القدير خان، لإنجازها يعد نموذجاً للجهاد العلمي، يجدر احتذاؤه فالرجل عمل 15 عاماً في الغرب، نقل إلى بلاده كل ما وقع تحت يديه من معلومات وتصاميم، حتى حكمت عليه إحدى محاكم هولندا بالسجن أربع سنوات، وحين تعذر عليه أن يواصل جمع المعلومات التي تخدم مشروعه، أرسل أحد مساعديه إلى ألمانيا حيث أسس عدة شركات وهمية عملت كواجهة للتسوق النووي، وبعد تلك الجهود المضيئة التي بذلوها في الولايات المتحدة وأوروبا، استثمروها بعد ذلك في الباكستان، حيث تحقق لهم ما أرادوا، ولم يكن الباكستانيون أول من فعل ذلك بل سبقهم إلى ذلك الهنود والصينيون.
ضرورة العمل على تكاملية الدور بين التعليم والعمل حيث التوجه الأساسي الذي سيسود عصر المعلومات، هو التعلم من خلال العمل، وعدم مساهمة المؤسسة العلمية في حل المشاكل العملية التي يواجهها المجتمع يعد عائقاً أمام أن تحظى هذه المؤسسة بالقدر الكافي من الموارد المادية، ودعم القيادات السياسية والشعبية.
لابد للجامعات أن تشهد تحولاً أساسياً في تضخيم مهمتها البحثية مقارنة بمهمتها التعليمية، بل ضرورة أن يمتد هذا التوجه إلى مراحل التعليم ما قبل الجامعي.
الاهتمام بالتربية والتعليم، والقضاء على الأمية بجميع أنواعها: أبجدية، وحاسوبية، فبغير ذلك يتعذر علينا الدخول في عصر المعلومات بهذه الأعداد الهائلة من الأميين (أكثر من 60 مليون أمي) ما بالنا بالأمية الحاسوبية؟!
ترسيخ العلم وتعريبه في وجدان الإنسان العربي وعقله، فالحجة الزاعمة أن تعريب العلوم سيقطع صلة طلبتنا بالمراجع الأصلية لهذه العلوم تتعارض مع تعدد مصادر المعرفة في عصر المعلومات مما لن يجد معه الطالب مفراً من اللجوء إلى هذه المصادر، ولكن ما تتيحه حاليا وستتيحه مستقبلاً تقنية المعلومات من وسائل عملية لدعم جهود العمل المصطلحي وترجمة النصوص العلمية آلياً ينفي هذا الزعم جملة وتفصيلاً.
لا يمكن إحداث ثورة تربوية مطلوبة تحت وطأة البيروقراطية التي تغلغلت في كيان إداراتنا التعليمية خاصة وأننا نتوقع من الإدارة التعليمية في عصر المعلومات جهداً مزدوجاً لتحقيق مهمة التجديد التربوي والتعليمي، والتعليم العلاجي في الوقت نفسه لاسيما وأن تقنية المعلومات توفر فرصاً عديد ة لتدريب أطقم الإدارة المدرسية والتعليمية وزيادة فاعليتها. ولابد أيضا من تدريب الطلبة على التعامل مع مصادر المعلومات المتعددة، كالمراجع، ودوائر المعارف، وبنوك المعلومات التعليمية والتقنية.
استقطاب الطاقات الإسلامية المتخصصة التي تتميز بالقدرة على العطاء في مختلف المجالات.
العمل على بلورة النظرية الإسلامية للتربية، ووضع التأصيل الدقيق لنظام تربوي إسلامي يفي باحتياجات العصر، ووضع الأطر العامة لمناهج المراحل التعليمية المختلفة.
ضرورة تخطيط الدولة لمستويات علمية وتقنية متعاقبة تخطو من واحدة إلى أخرى في وثوق واطمئنان مدركة لدورها كمنظم ورابط للجهود الصناعية المختلة في الأمة سواء قام بها الأفراد أم الدولة نفسها، لأن الدولة هي العقل المدبر، والأمة هي الجوارح التي تعمل.
التركيز على ما يعرف بصناعة خدمات المعلومات، المبنية على تقديم خدمات معلومات، واستشارات قانونية، ومالية، ودراسات، من خلال بناء مجموعة قوية من قواعد المعلومات على المستوى العالمية، فمصر وحدها تملك أكثر من 95 قاعدة معلومات جيدة في مختلف المجالات وبما يتمثل 2% من مجموع قواعد البيانات العالمية.
التحرك السريع، فالخيارات في التقنيات العالمة تضيق حيناً بعد حين، وها هي دول النادي الذري، أغلقت الباب على نفسها، وحظرت تلك الأنشطة على الآخرين، وثمة اتفاقية أخرى تحظر نقل تقنية الصواريخ وكذلك مجالات التحكم الآلي والإلكترونيات والمستشعرات (كاميرات متناهية الدقة تقوم بالتصوير الحراري وليس الضوئي التي بوسعها مثلاً تصوير أناس في موقع بعد أن غادروه) وهذا المجال الأخير، يجري تضييقه الآن، لأن له استخدامات عسكرية، (وفي هذه الأجواء ،فإن أمتنا العربية والإسلامية إذا تراخت وتأخرت أكثر من هذا، فإنها قد لا تستطيع مستقبلاً دخول التقنية العالمية إلا في حدود ما يسمح بها الآخرون!!