المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : دور البحث العلمي وآلياته في إيجاد بعض السبل المثالية الاستراتيجية


eagle eye
04-27-2006, 09:25 AM
دور البحث العلمي وآلياته في إيجاد بعض السبل المثالية الاستراتيجية
لمعالجة المخلفات الكيميائية في الوطن العربي


يتميز البحث العلمي ومهما كان صنفه ونوعه وزمانه ومكانه بعناصر الإحساس بالمسئولية واعطاء المشاكل الكبرى ومهما كان نوعها وحجمها حقها في إيجاد الحلول المناسبة لها علاوة على التدقيق في كل جانب من جوانب وعناصر ومواد ونتائج أي بحث علمي. والبحث العلمي يسعى في نهاية المطاف إلى سعادة الإنسان سواء بالتقليل (مثلاً) لعناصر الأخطار الناجمة عن مسببات الأمراض و التي قد تؤدى إلى الوفاة مثل المخلفات الكيميائية المختلفة علاوة على أثارها السلبية على الحيوان والنبات أيضاً.

ولاشك أن البحث العلمي متمثلاً في فاعلياته من هيئات ومؤسسات وإداراته العليا السياسية والاستراتيجية منها في الوطن العربي والياته البحثية التنفيذية والتربوية متمثلة في المراكز البحثية المختصة وأقسام الجامعات والمعاهد العليا وغيره من الجهات البحثية التي تشكل مصدراً أو مخزناً تنطلق منها المؤشرات والمنبهات والإحصائيات التي تنبه إلي خطورة مثل تلك المخلفات مثل هيئات المعلومات وهيئات الطب والصحة الوقائية والعلاجية وخلافها، فكل هذه الفعاليات البحثية العلمية يقع عليها واجب رسم السياسة الإستراتيجية لإيجاد السبل المثالية لمعالجة المخلفات الكيميائية في الوطن العربي. وخاصة عندما تصل إلى قناعة علمية كاملة بضرورة توحيد جهودها البحثية الأكاديمية والتطبيقية والتنسيق الإستراتيجي المنظم فيما بينها ابتداء من وضع المناهج والمفردات ووفقاً لأصول البحث العلمي والتعاون والتبادل المعلوماتي المنظم وخاصة في المجالات الفنية والتقنية في المجال واعتبار أن الفضاء الجغرافي والسكاني والبيئي العربي جزء لا يتجزأ وخاصة عند التعرف إلى مساوي المخلفات الكيميائية والتي لا تعترف بالحدود الجغرافية أو الإدارية أو الإقليمية أو السياسية لأي بلد. وبالتالي فإن البحث العلمي والياته في الوطن العربي يقع عليها مجتمعة الدور الأكبر في إيجاد السبل المثالية لكشف وتحديد ومعالجة المخلفات الكيميائية ليس لإنقاص وتحديد مخاطرها عليه فحسب وإنما أيضا باعتباره جزء من العالم والعولمة وأي تقصير في هذا يجب أن يحسب حسابه. وهنا لابد من طرح هذا السؤال وهو هل أن فعاليات البحث العلمي والياته في الوطن العربي قادرة على إيجاد السبل المثالية والاستراتيجية لمعالجة المخلفات الكيميائية معتمدة على ذاتها.

البحث العلمي مصطلح كثر استعماله مؤخراً ويدل على اهتمام الجميع به لما يتوخى منه خير الإنسان في كل مكان، ومع ذلك فإن للبحث العلمي أساسيات وأركان تشمل المؤهلات والخبرات اللازمة للخوض في مواضيع الأبحاث المحددة والتي لا يمكن الحياد عنها. وإذا لم يتم ذلك بالطريقة العلمية الصحيحة لابد أن تتخلخل بنيته البحثية وبالتالي قد تضيع النتائج ولا يمكن الوصول إلى الفائدة المرجوة من تلك البحوث العلمية اللهم إلا الوصول إلى النتائج السلبية.

وقد تشير هذه النتائج إلى قصور آليات ومؤهلات وخبرات الباحث. وعلى سبيل المثال العجز عن تصنيف بحوث علوم البيئة وخاصة بحوث مخلفات وملوثات البيئة والتي يطلق عليها البعض (مخلفات البيئة) خطاً، حيث أن البيئة لا يمكن أن تخلف أي ملوثات. وحتى لو حصل ذلك فإنه يتم وفقاً لقانون التوازن الطبيعي المثالي الذي يمكن أن يستوعبه الإنسان وخاصة الباحث العلمي ومع ذلك عجز الكثير من العلماء والباحثين في المراكز البحثية والجامعات والمعاهد العليا في إيجاد وتصنيف مناهج ومواد ومفردات محددة يختص بها الكثير من العلوم وخاصة (علم البيئة) وبالتالي أصبحت مثل تلك العلوم متداخلة في الكثير من العلوم المتشابهة وخاصة فيما يتعلق بالمواد والمفردات المشتركة كما نجدها في العلوم الطبية والصحية مثلاً. كما هو الحال في العلوم الصناعية والزراعية بل حتى العلوم الاقتصادية والتجارية والاجتماعية وعلاوة عن العلوم الجيولوجية والمعادن والمواد وخلافه. وبالتالي فإنه كان من الصعب حالياً وصف أي علم بأنه (علم البيئة).



ومهما كانت المناهج والمواد والمفردات بالشكل المتداول حالياً في مثل تلك المجالات المتعلقة والمرتبطة بالشأن البيئي ومن هنا كانت محاولات الدول المتقدمة في إخضاع مواضيع البيئة للمنهجية المحددة لها وبالتالي فرز موادها ومواضيعها ومفرداتها وهذا لم يبدأ إلا مؤخراًُ أي في حدود ثلاثة أو أربعة العقود الماضية .

وهذه الفترة الزمنية غير كافية مطلقاً لتحديد مناهج ومواد ومفردات يستقل أو ينفرد بها علم البيئة عن العلوم الأخرى وخاصة الطبية والصحية منها وبالتالي يبقى الاعتماد الكلي على مؤهلات مثل تلك العلوم وإن أضيف إليها التقنيات الطبية والصحية والهندسية وخلافه.

وهكذا لا نجد حالياً الدرجات العلمية الأساسية التي تختص بدراسة مناهج محددة لتخريج أخصائي أو تقني أو فني في معالجة هموم المخلفات التي تلوث البيئة مثلاً في الوطن العربي وبالتالي أصبح الاعتماد في حل مثل تلك المشاكل الصحية الخطيرة على غير أهل الاختصاص المحدد لذلك وبالتالي لم يتم خلق الملكات الوظيفية البيئية التي تدين بالولاء والانتماء الدائم للبيئة بل يتعذر إيجاد الملكات الوظيفية التي تحدد مسارات الاحتراف والامتهان الدائم للاختصاص الوظيفي في الشأن البيئي إن مثل هذه الأسباب ربما هي التي جعلت من مفهوم البيئة ينؤ بالثقل الواقع عليها من المخلفات الصناعية والزراعية والتجارية حتى أننا نعلم جيداً مدى رقعة الدمار الذي اكتسح الكثير من أراضي وتراب وبحار وأنهر ومياه العالم ولم تعد صالحة للاستعمال والإنتاج فيما يفيد الإنسان علاوة على هلاك أو هجرة الكثير من الأحياء المرتبطة بها والتي كانت تخلق التوازن الطبيعي بالاستمرار التوازن الحياتي وهكذا نصل إلى نتيجة أساسية مفادها أن البحث العلمي وخاصة في الشأن البيئي مثلاً لابد أن يكون معتمداً على الملكات المحددة والتي درس المنتسبين لها مناهج ومواد ومواضيع ومفردات تختص بالبيئة وفق مفاهيمها الحديثة وهذا بدوره يولد الآليات العلمية التخصصية البيئية التي يمكن لها الخوض بجدية واحتراف حقيقي الخوض في حل مشاكل هموم البيئة وعلى الأخص القدرة على إيجاد السبل المثالية والاستراتيجية لمعالجة المخلفات الكيميائية في الوطن العربي لأننا نعتقد أن الفرصة مواتية لخلق مثل تلك الملكات وخاصة أن الوطن العربي مازال يعتمد على الاستيراد ولم تقم لديه صناعات محلية مليئة بالمخلفات الكيميائية وبالتالي فإن نسبة التحكم بإنتاج مثل تلك السموم من مثل تلك المخلفات الصناعية أمر قد يكون تحت السيطرة ومع ذلك فإن جانب الاستيراد العشوائي وعدم وجود آليات الرقابة الصناعية والبيئية والصحية والتجارية التخصصية الواعية جعل الوطن العربي تحت سلبيات العبء الثقيل من سموم مثل تلك المخلفات الكيميائية ومما يزيد في ذلك الثقل أنه لا توجد المراكز الصحية والطبية البحثية التخصصية بمعنى الكلمة وخاصة في سموم المخلفات الكيميائية والتي تبين بوضوح علاقة ارتفاع نسبة الإصابة بالسرطانات الخبيثة وتشوه الأجنة أو ارتفاع نسبة المعاقين جسدياً أو دهنياً في الوطن العربي إلا دليل على أن مثل تلك المراكز البحثية الصحية البيئية لم تستطع القيام بواجباتها في مثل هذا الاختصاص المحدد لها وربما هذا يرجع في حد ذاته عدم وجود المراكز البحثية البيئية المحددة والتي توظف وتعتمد في بحوثها على الحاصلين على المؤهلات البيئية العلمية الصرفة وخاصة فيما يتعلق بمؤهلات صحة وطب البيئة منها إننا هنا لا ننكر أن التخصصات البيئية الأخرى سواء إن كانت في علوم النبات أو الزراعة وخلافها هي الأساس في الإنتاج الغذائي ومع ذلك لا يمكن لمثل هذه التخصصات أن يعتمد عليها في بناء استراتيجيات وبحوث الصحة البيئية البشرية وهذه مفارقات لا يمكن أن يخلو منها العالم العربي مما يستدعي ضرورة إسناد الوظائف الأساسية وخاصة البحثية البيئية البشرية منها لأهل الاختصاص العلمي المحدد لذلك ولابد هنا أن تسمى المسميات الوظيفية بأسمائها العلمية المحددة ووفقاً للمؤهلات العلمية التخصصية كل في مجاله.

آليات البحث العلمي في الوطن العربي ينظر إليها كجهات اختصاص علمي غير قابل للنقاش وخاصة فيما يتعلق بوضع الاستراتيجية المثالية لمعالجة المخلفات الكيميائية على سبيل المثال أو هكذا يجب أن يكون الأمر.

ولكن الواقع يشهد أن بعض المحاولات الجادة في السيطرة على مثل تلك المخلفات الكيميائية لم يحالفها الحظ حيث أن مستويات المخلفات الكيميائية وخاصة السامة منها يترجم في أحوال بعض الأحياء البيئية وخاصة العنصر البشري.



ورغم أنه لا توجد في الوطن العربي أدلة أو خرائط أو رسوم بيانية أو إحصائيات ومواقع جغرافية أو صناعية محددة تشير إلى مواقع المخلفات الكيميائية وخاصة السامة منها إلا أن ارتفاع معدلات الأمراض السرطانية والتشوهات الخلقية والإعاقات الجسدية والعقلية تلاحظ بشكل لا يمكن إغفاله في الوطن العربي وهذا ربما يرجع أن الاختصاصات الفنية والتقنية والبحثية وخاصة القادرة على الخوض في أسرار وطلاسم سموم المخلفات الكيميائية في بيئة الوطن العربي مازالت في بداية الطريق وربما هذا راجع أيضاً إلى أن مثل هذه الاختصاصات غير مربحة للمختصين بها مقارنة بالمهن الأخرى كالطب البشري أو المحاماة أو التجارة على سبيل المثال.

الواقع يشهد أن امتهان مهنة البحوث العلمية وخاصة البحوث السامة والخطرة منها يعد عدد المزاولين لمثل هذه المهن في العالم العربي على أصابع اليد الواحدة. ورغم عدم وجود الإحصائيات التي توضح مثل هذه الحقائق وربما هذا الواقع المرير قد أعطى الفرصة للمتطفلين على البحوث العلمية وجعلهم يمارسوا بحوثا لا تتناسب مع قدراتهم التأهيلية في المجال لا من قريب ولا من بعيد. اللهم إلا إرضاء لتعيين وظيفي لم يراعي حق هذه المهن وخاصة البحثية منها في ضرورة الحصول على مؤهلات الاختصاص والخبرة المطلوبة.

إن مثل هذه العوامل لا شك أنها جعلت تراكم المخلفات الكيميائية وسمومها تضيف كل سنة مزيداً من الإصابات البشرية. ووفقاً للسرد المذكور أعلاه وبالتالي تزداد نسبة الأمراض وخاصة المزمنة منها.

ومما يزيد المشكلة تعقيداً أن التخصصات الطبية العلاجية قد لا تنتبه في دراساتها الأساسية والتخصصية أيضاً إلى المخاطر الحقيقية للإصابات السمية من مثل تلك المخلفات الكيميائية وبالتالي فإن القدرة على علاج مثل تلك الإصابات قدر ضئيل وغير متمشيا مع حجم تلك الإصابات. وبالتالي قد تحصل بعض الوفيات ولا يوثق أسبابها الحقيقية مما تطمس معالم المعرفة البحثية المتوجب تسجيلها في مثل هذه الحالات.

إن مثل هذه الحقائق والتي لا شك أنها تخفي على الكثير من راسمي السياسة العامة وخاصة الصحية والبيئية الإستراتيجية منها وتحديداً سياسة التعليم والصحة والصناعة والزراعة والتجارة والبحث العلمي بصورة خاصة كل هذه الحقائق تتطلب مجهودات إضافية للحد من مثل تلك الإشكاليات عملاً ومتابعة مستمرة.



التوصيات

1. تعميق روح المسؤولية العلمية وخاصة البحثية منها وتحديداً فيما يتعلق بإيجاد السبل المثالية الاستراتيجية لمعالجة المخلفات الكيميائية في الوطن العربي.

2. تحديث التخصصات العلمية وخاصة فرز العلوم البيئية منها مما يجعل خطوات البحث العلمي في الاختصاص والمجال أكثر دقة وأكثر عطاء.

3. توسيع دائرة التعليم العالي لتشمل علوم كيمياء البيئة وخاصة السمية منها وتشجيع الانتساب إليها.

4. تحديد اختصاصات المراكز البحثية والمؤسسات العلمية وخاصة فيما يتعلق بتحديد طرق معالجة المخلفات الكيميائية ووفقاً للنسق العلمي لمحدد لذلك.

5. سن القوانين والتشريعات التي تحدد مخاطر المخلفات الكيميائية في بنود القوانين الصحية والبيئية والزراعية والتجارية.


6. تحديد المهن ووصف الوظائف الفنية والتقنية والبحثية التي لها الحق المهني في خوض أعمال ومهام ووظائف وبحوث المخلفات الكيميائية دون غيرهم وذلك وفقاً للتخصصات الأساسية والعليا في المجال.

7. الانتقال من بعض مراحل البحث العلمي والأداء المهني لبعض الهيئات والمؤسسات الخدمية من مراحل الخدمات النظرية إلى مراحل الخدمات التطبيقية وبما يجعلها قادرة على كسب الثقة العلمية في الخصوص.

8. إعادة النظر في المخلفات الكيميائية واعتبارها موارد صناعية عند إعادة دورة استخلاصها وصناعتها وفقاً للمناهج والتخصصات العلمية والصناعية والصحيحة في المجال.

9. تحديد مناهج ومواد مفردات كيمياء البيئة وخاصة كيمياء المخلفات السامة بغية فهم سلوكها وتأثيرها على الصحة العامة للبيئة وخاصة الصحة البشرية منها.



بقلم: أ. د. المهدى محمد الأطيوش