أبو عبد الرحمن
05-11-2006, 09:32 AM
إلزامية التعليم وشموليته.. محو الأمية أو تعليم العامة:
ومن الأمور التربوية الضرورية التي يؤكد عليها علماء التربية محو الأمية أو مكافحتها وهي مجابهة عدم المعرفة بالمعرفة؛ لأن الأمية خطر على المجتمع، فالأُمِّي خطر على نفسه وعلى غيره، وهذا من الأمور التي قدَّرتها التربية الإسلامية اقتداء بفعل رسول الله _صلى الله عليه وسلم_ الذي جعل فداءَ قسم من أسرى المشركين في بدر تعليمَ بعض المسلمين القراءة والكتابة، ورتب بعد ذلك من المسلمين من يقوم بهذه المهمة في مسجده الشريف(1).
ولهذا فإن من الأمور التربوية التي أمر الشيخ محمد بن عبد الوهاب بالقيام بها إلزامية التعليم وشموليته، وتمثلت هذه الفكرة بإلزام فئات من الأمة ممن حرموا نعمة العلم بتعلم كلمات في العقيدة والأحكام والأخلاق بإيجاز مراعاة للمستوى الذهني لهذه الفئة التي كانت تُشكِّل نسبة كبيرة في المجتمع النجدي آنذاك، وقد وضع الشيخ – رحمه الله – خلاصة لتعلم الأصول السابق ذكرها بأسلوب سهل ميسر، وضمَّنها بعض الألفاظ العامية مخاطبة للناس على قدر أفهامهم(2)، ولهذا يمكن القول: إن الشيخ محمد بن عبد الوهاب يعد من السابقين إلى تنظيم تعليم الكبار أو ممن فاتهم ركب التعليم، وهي ما عرفت بمحو الأمية أو مكافحتها، وقد برز اهتمام الشيخ محمد بن عبد الوهاب في إلزامية التعليم وشموليته بأمره الجميع بمن فيهم الصبيان والنساء – من وراء حجاب أو عن طريق مُدرِّسات – بحضور الدروس التي تعقد في مساجد الدرعية ومدارسها، وكل ذلك حتى يعرفوا أصول التوحيد وأركان الإسلام ولو جهلوا القراءة والكتابة؛ إذ الهدف هو تحقيق الوعي العام وصولاً لتحصيل العلم عن طريق القراءة والكتابة(3).
وما من شك أن الشيخ كان يقصد من هذا العمل نشر ظاهرة العامي الموحِّد بين الناس وهي مرحلة تأهيلية لما بعدها حيث يستطيع من أَلَمَّ بهذه المعلومات اليسيرة أن يواصل ركب العلم حسب استطاعته، ومن هنا جاء مدح الشيخ للعامي الموحِّد وحضه – في سياق الكلام نفسه – أن يتسلح بسلاح العلم والمعرفة حتى يستطيع أن يجادل المبتدعة، يقول الشيخ في هذا: "والعامي من الموحدين يغلب ألفاً من علماء المشركين"، كما قال _تعالى_: "وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ" (الصافات:173) فجند الله هم الغالبون بالحجة واللسان كما هم الغالبون بالسيف والسنان، وإذا كان في هذا القول شيء من المبالغة فإن الشيخ استدرك على أن يفهم ذلك عنه بقوله: "وإنما الخوف على الموحِّد الذي يسلك الطريق وليس معه سلاح، وقد منَّ الله _تعالى_ علينا بكتابه الذي جعله تبياناً لكل شيء وهدى ورحمة وبشرى للمسلمين، فلا يأتي صاحب باطل بحجة إلا وفي القرآن ما ينقضها ويبين بطلانها"، كما قال تعالى: "وَلا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيراً" (الفرقان:33)(4).
ويؤكد الشيخ على العامي الموحِّد أن يجابه أعداء التوحيد الذين يملكون علوماً كثيرة وكتباً وحججاً فيقول في هذا: "وقد يكون لأعداء التوحيد علوم كثيرة وكتب وحجج كما قال _تعالى_: "فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ" (غافر:83)، إذا عرفت ذلك وعرفت أن الطريق إلى الله لا بد له من أعداء قاعدين عليه أهلِ فصاحة وعلم وحجج، فالواجب عليك أن تعلم من دين الله ما يصير سلاحاً تقاتل به هؤلاء الشياطين"(5).
ومن هذا المنطلق فقد جاءت رسالة تلقين أصول العقيدة للعامة تأليف الشيخ محمد بن عبدالوهاب محققةً لأهداف الشيخ والأئمة من آل سعود في هذا السبيل، فعلاوة على سهولة أسلوبها واحتوائها بعض الألفاظ العامية – كما مر – فقد جاءت على طريقة الحوار، وهذا عامل مهم في ترسيخ تلك المعلومات الأولية في أذهان العامة، كما أن احتواءها على بعض الأدلة يعطي متلقيها بعض القوة لمناقشة المعارضين له في أي قضية من قضايا التوحيد المطروقة في هذه الرسالة، وكان تسلسل المعلومات فيها متفقاً مع أهمية كل قضية فيها، يقول الشيخ في أولها: "إذا قيل لك: من ربك؟ فقل: ربي الله. فإذا قيل لك: إيش معنى الرب؟ فقل: المعبود المالك المتصرف، فإذا قيل لك: إيش أكبر ما ترى من مخلوقاته؟ فقل: السماوات والأرض..." إلى آخر الرسالة(6)، وتمضي الرسالة على هذا المنوال مبينة حقيقة التوحيد والإيمان والإسلام ونبيه _صلى الله عليه وسلم_، وما من شك أن الشيخ – وكل كتاباته باللغة الفصحى – قد تسامح في ألفاظ هذه الرسالة، وذلك مخاطبة للعامة على قدر مستواهم، وللشيخ في هذا أسوة ببعض السلف الذين يخاطبون العامة على قدر مستواهم، كما أن الشيخ – رحمه الله – يحاول أن يرقى بأسلوب العامة إلى الفصحى.
ولقد كانت هذه الحملة التربوية النادرة في أسلوبها وطريقتها من أهم الأساليب التربوية التي قام بها الشيخ محمد – رحمه الله – في حياته وأكد على أتباعه بالتزامها بعد ذلك، وألزم الناس بها بعد إحدى الصلوات، حيث يقوم إمام المسجد باستدعاء فرد أو فردين ويساعدهما على تلقين هذه المعلومات على طريقة ا لسؤال والجواب حتى يتم استيعابها، وقد استمر العمل بهذه الطريقة إلى أن انتشر التعليم، وأصبحت تلك المعلومات قاعدة جيدة للعوم الدينية في المناهج المدرسية الحديثة، كما سهلت مهمة محاولات التوجيه والتوعية الدينية التي كانت تعقب الانتكاسات التي منيت بها الدولة السعودية في دوريها الأول والثاني، حيث إن ما حصل عليه عامة النجديين وغيرهم ممن ا نضم للدولة السعودية من تعاليم سلفية وعلوم عقدية وشرعية بهذه الطريقة كانت مواد تعليمية وتربوية جيدة، وهي وإن كانت قليلة ولم تنتشر انتشاراً واسعاً إلا أنها كوَّنت أساساً لعودة هذه المجتمعات حاضرة وبادية للولاء للدعوة السلفية وكيانها السياسي في دوره الثالث(7).
تعليم الخاصة من طلاب العلم:
لئن كان الأسلوب السابق مقتصراً على عامة الناس، وطابعه السهولة في التعليم والقصر في المدة المخصصة له، وقلة المعلومات المراد إفهامها للعامة مما لا يتحقق معه تخريج علماء أكفاء يتحملون مع الشيخ أو بعد وفاته عبء القضاء والفتيا والتعليم والدعوة، فإن الشيخ – بدعم من أئمة آل سعود – كان يخصص دروساً موسعة وشاملة لعدد من العلوم يتلقاها خاصة الطلاب ممن يطمح الشيخ إلى أن يكونوا علماء الدعوة بعده، وقضاة ودعاة في البلدان الأخرى.
ويبدو أن قسماً ممن كان يتلقى العلم الأوليَّ عن طريق الأسلوب السابق ينتقل إلى هذا المستوى ا لأعلى مما عُدَّ معه تعليم العامة قاعدة أولى لزيادة العلم بالانتقال إلى هذا الأسلوب، وكان هؤلاء المنتقلون من صغار التلاميذ أو من كبارهم ممن كيَّفوا أعمالهم، بحيث لا تحول بينهم وبين مواصلة العلم على الشيخ، ولهذا فقد كان باب التعليم مشرعاً أمام كل راغب في التزود بالعلوم العقدية والشرعية بحيث يتوسع فيه من شاء من طلاب العلم، بل يجد هؤلاء التشجيع من أئمة آل سعود أكثر من المرحلة السابقة(8).
وكان خاصة التلاميذ يدرسون في الكتب الموسعة والأمهات، ففي التوحيد: (كتاب التوحيد) للشيخ محمد، ورسائله الأخرى، وكتب شيخ الإسلام ابن تيمية، وتلميذه ابن قيم الجوزية، وفي التفسير: (تفسير ابن جرير الطبري)، وابن كثير، وفي الحديث: (صحيح البخاري)، و(صحيح مسلم)، و(مسند الإمام أحمد)، وغيرها من الكتب الستة، مع (رياض الصالحين)، وفي الفقه: (شرح المنتهى)، و(المغني)، و(الشرح الكبير)، و(الروض المربع) وغيرهما، وفي السيرة: (زاد المعاد)، ومختصره للشيخ محمد(9).
ويتدرج طلاب العلم في سلك التعليم إلى أن ينهوا كثيراً من الكتب حفظاً وفهماً، ويُجرى لهم اختبار في كتاب معين أو كتب متنوعة أو علم بذاته فإذا ما اجتاز الطالب ذلك وأتم دروسه وأتقنها واقتنع الشيخ بقدرته على التعليم وتأهله للفتيا والقضاء منحه إجازة علمية يحق له بمقتضاها الانخراط في سلك المعلمين والتصدي للفتيا وإبداء الرأي في المسائل العلمية، ومن أرقى أنواع الإجازات ما يعرف بإجازة مُعيَّن لِمُعيَّن كان يقول العالم: "أجزت فلاناً في الكتاب الفلاني وما اشتمل عليه"، وهذه الإجازات شبيهة بالإجازات التي يمنحها العلماء لتلاميذهم في العصور الإسلامية، وهي تدل على ارتفاع في المستوى العلمي للمجيزين والمجازين في الدولة السعودية إذ إن كثرتها عما قبل الدعوة وتنوعها في مسائل كثيرة من العلوم يدل على سعة في العلم ورغبة من طلابه في المواصلة وحرص من العلماء على المتابعة الدقيقة لطلابهم وتأهيلهم للأعمال القضائية والعلمية بعد ذلك(10).
وكان قسم من هؤلاء الطلاب من الوافدين على الدرعية من البلدان الأخرى تدفعهم إلى ذلك الرغبة في تلقي العلم من الشيخ محمد مباشرة، ومساعدته في تحمل أعباء الدعوة، وكان بعض هؤلاء الوافدين يستقر في الدرعية وبعضهم الآخر يفد إليها بين الحين والآخر(11).
على الرغم من أن أهل الدرعية قد آووا وأكرموا الوافدين الجدد كرماً منهم وفضلاً وتحقيقاً لرغبة الإمام محمد بن سعود والشيخ محمد بن عبد الوهاب، فقد كان هؤلاء الوافدون من الكثرة بحيث لا تتحمل طاقة أهل الدرعية إيواءهم وإكرامهم بشكل كامل ومستمر، كما أن فرص العمل في الدرعية لم تستوعب كل الوافدين الجدد، وتلك من أولى المشكلات التعليمية التي واجهت الدولة الوليدة إلا أن حماسة الشيخ لدعوته وصدق الإمام محمد بن سعود في تأييدها كانا عاملين مهمين ساعدا في القضاء على هذه المشكلة المتوقعة، خاصة وأن أغلب هؤلاء الوافدين كانوا من الفقراء الذين كانوا – من فرط حرصهم على حضور دروس الشيخ – قد كيفوا أوقات عملهم مع أرباب العمل بحيث يعملون بالليل لكسب قوت يومهم ويتفرغون لتلك الدروس في النهار، وهذا مظهر يرينا إلى أي مدى كان تفاعل المجتمع الجديد مع الدعوة قوياً وحرصه كان كبيراً على الاستفادة القصوى من دروس الشيخ مما يؤكد حماسته الواضحة للعلم وخاصة لدى التلاميذ الملازمين(12).
ويبدو أن فئة من خاصة التلاميذ لم تتوافر لها فرص العمل والاكتساب وهي حريصة في الوقت نفسه على ملازمة الشيخ وحضور دروسه فكان الشيخ – حرصاً منه على تفرغهم للعلم وبدعم من الإمام محمد بن سعود – يستدين من الموسرين ليساعد هؤلاء المحتاجين ويكفيهم مؤنتهم، وقد استمر الشيخ على ذلك حتى تم ضم الرياض سنة 1187هـ حصلت الدولة على أموال نتيجة هذا الضم فساعدته على قضاء ما كان قد استدانه، وقد ذكر ابن بشر أنه حين ضم الرياض بلغ مجموع ما استدانه أربعين ألف محمدية وهي إحدى العملات المتداولة آنذاك(13).
تشجيع التعليم والإنفاق عليه:
لقد وعى الشيخ – رحمه الله – حقيقة أن إلزامية التعليم بدون مغريات لا يمكن أن تحقق نتائج تربوية مهمة انسجاماً مع المبدأ التربوي القائل بإيجاد حوافز للتعليم عن طريق المكافآت المادية والمعنوية متى ما كانت الحاجة ماسة للتعليم عموماً أو لنوع أو أنواع منه بشكل خاص.
وفي هذا السبيل كان الشيخ والأئمة من آل سعود يجزلون الهبات والعطايا لمن يتلقى العلم ويثابر عليه سواء من أهل الدرعية أم الوافدين إليها أم عموم أهل البلدان التابعة للدولة السعودية، وكان من أبرز مظاهر التشجيع للعلم حضور الأئمة من آل سعود للدروس التي يلقيها الشيخ محمد أو أحد أبنائه أو أحد تلاميذه، وقد وضعوا أنفسهم موضع التلاميذ بتلقيهم العلم على علماء الدعوة، كما كانوا يصحبون معهم في الغزوات علماء يرشدون الناس ويعقدون مجالس علمية ينتفع بها جميع أفراد الجيش المحارب(14).
ولقد كان الأئمة من آل سعود متفاعلين مع حماسة الشيخ محمد لتشجيع التعليم بعدم اقتصارهم على الحضور لجلسات العلم فقط، بل كانوا يواصلون دراسة العلوم في قصورهم حتى إذا انعقدت مجالس علمية عامة استطاعوا أن يدلوا فيها بتفسير لآية أو شرح لحديث أو تحقيق لكلام العلماء والمفسرين في الموضوعات التي هي مجال البحث في هذه المجالس(15).
كما أن من مظاهر تشجيع العلم أن علماء الدعوة وأئمتها لا يكتفون بحضورهم وإفادتهم من مجالس العلم وحدهم، بل كانوا يحرصون على اصطحاب أبنائهم وسائر أقربائهم لتلقي العلم جنباً إلى جنب مع عامة الناس(16).
ومن مظاهر التشجيع للعلم العناية بصغار السن والحرص على استمرارهم في تلقيه بمنحهم الجوائز والمكافآت التي يتم تسليمها لهم من قبل الإمام نفسه، فيذكر ابن بشر أن الأولاد إذا خرجوا من المعلم بعد انتهاء الدرس صعدوا إلى الإمام عبد العزيز بن محمد بألواحهم عارضين عليه خطوطهم وما تلقوه من الدروس في هذه الألواح، فمن تحاسن خطه أو أجاد في درسه أعطاه عطاء جزيلاً وأعطى الباقين أعطيات أقل منه(17).
ولهذا كله فقد كان من أبرز وجوه الإنفاق من بيت مال الدولة السعودية صرف مكافآت للمعلمين وطلبة العلم في سائر البلاد السعودية، ولقد كان ذلك يتم في كل بلد، كما أن المغتربين الذين يفدون للدرعية لتلقي العلم على علمائها يعاملون معاملة خاصة بالصرف عليهم وإجزال العطايا والهبات لهم.
وبهذا الأسلوب الحميد ازدهرت الحياة العلمية في سائر أنحاء الدولة السعودية وفي حاضرة البلاد – الدرعية – بشكل خاص إلى أن أصبحت موئلاً لكبار العلماء وهدفاً لمجيء الطلاب لتلقي العلم فيها(18).
ومن الأمور التربوية الضرورية التي يؤكد عليها علماء التربية محو الأمية أو مكافحتها وهي مجابهة عدم المعرفة بالمعرفة؛ لأن الأمية خطر على المجتمع، فالأُمِّي خطر على نفسه وعلى غيره، وهذا من الأمور التي قدَّرتها التربية الإسلامية اقتداء بفعل رسول الله _صلى الله عليه وسلم_ الذي جعل فداءَ قسم من أسرى المشركين في بدر تعليمَ بعض المسلمين القراءة والكتابة، ورتب بعد ذلك من المسلمين من يقوم بهذه المهمة في مسجده الشريف(1).
ولهذا فإن من الأمور التربوية التي أمر الشيخ محمد بن عبد الوهاب بالقيام بها إلزامية التعليم وشموليته، وتمثلت هذه الفكرة بإلزام فئات من الأمة ممن حرموا نعمة العلم بتعلم كلمات في العقيدة والأحكام والأخلاق بإيجاز مراعاة للمستوى الذهني لهذه الفئة التي كانت تُشكِّل نسبة كبيرة في المجتمع النجدي آنذاك، وقد وضع الشيخ – رحمه الله – خلاصة لتعلم الأصول السابق ذكرها بأسلوب سهل ميسر، وضمَّنها بعض الألفاظ العامية مخاطبة للناس على قدر أفهامهم(2)، ولهذا يمكن القول: إن الشيخ محمد بن عبد الوهاب يعد من السابقين إلى تنظيم تعليم الكبار أو ممن فاتهم ركب التعليم، وهي ما عرفت بمحو الأمية أو مكافحتها، وقد برز اهتمام الشيخ محمد بن عبد الوهاب في إلزامية التعليم وشموليته بأمره الجميع بمن فيهم الصبيان والنساء – من وراء حجاب أو عن طريق مُدرِّسات – بحضور الدروس التي تعقد في مساجد الدرعية ومدارسها، وكل ذلك حتى يعرفوا أصول التوحيد وأركان الإسلام ولو جهلوا القراءة والكتابة؛ إذ الهدف هو تحقيق الوعي العام وصولاً لتحصيل العلم عن طريق القراءة والكتابة(3).
وما من شك أن الشيخ كان يقصد من هذا العمل نشر ظاهرة العامي الموحِّد بين الناس وهي مرحلة تأهيلية لما بعدها حيث يستطيع من أَلَمَّ بهذه المعلومات اليسيرة أن يواصل ركب العلم حسب استطاعته، ومن هنا جاء مدح الشيخ للعامي الموحِّد وحضه – في سياق الكلام نفسه – أن يتسلح بسلاح العلم والمعرفة حتى يستطيع أن يجادل المبتدعة، يقول الشيخ في هذا: "والعامي من الموحدين يغلب ألفاً من علماء المشركين"، كما قال _تعالى_: "وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ" (الصافات:173) فجند الله هم الغالبون بالحجة واللسان كما هم الغالبون بالسيف والسنان، وإذا كان في هذا القول شيء من المبالغة فإن الشيخ استدرك على أن يفهم ذلك عنه بقوله: "وإنما الخوف على الموحِّد الذي يسلك الطريق وليس معه سلاح، وقد منَّ الله _تعالى_ علينا بكتابه الذي جعله تبياناً لكل شيء وهدى ورحمة وبشرى للمسلمين، فلا يأتي صاحب باطل بحجة إلا وفي القرآن ما ينقضها ويبين بطلانها"، كما قال تعالى: "وَلا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيراً" (الفرقان:33)(4).
ويؤكد الشيخ على العامي الموحِّد أن يجابه أعداء التوحيد الذين يملكون علوماً كثيرة وكتباً وحججاً فيقول في هذا: "وقد يكون لأعداء التوحيد علوم كثيرة وكتب وحجج كما قال _تعالى_: "فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ" (غافر:83)، إذا عرفت ذلك وعرفت أن الطريق إلى الله لا بد له من أعداء قاعدين عليه أهلِ فصاحة وعلم وحجج، فالواجب عليك أن تعلم من دين الله ما يصير سلاحاً تقاتل به هؤلاء الشياطين"(5).
ومن هذا المنطلق فقد جاءت رسالة تلقين أصول العقيدة للعامة تأليف الشيخ محمد بن عبدالوهاب محققةً لأهداف الشيخ والأئمة من آل سعود في هذا السبيل، فعلاوة على سهولة أسلوبها واحتوائها بعض الألفاظ العامية – كما مر – فقد جاءت على طريقة الحوار، وهذا عامل مهم في ترسيخ تلك المعلومات الأولية في أذهان العامة، كما أن احتواءها على بعض الأدلة يعطي متلقيها بعض القوة لمناقشة المعارضين له في أي قضية من قضايا التوحيد المطروقة في هذه الرسالة، وكان تسلسل المعلومات فيها متفقاً مع أهمية كل قضية فيها، يقول الشيخ في أولها: "إذا قيل لك: من ربك؟ فقل: ربي الله. فإذا قيل لك: إيش معنى الرب؟ فقل: المعبود المالك المتصرف، فإذا قيل لك: إيش أكبر ما ترى من مخلوقاته؟ فقل: السماوات والأرض..." إلى آخر الرسالة(6)، وتمضي الرسالة على هذا المنوال مبينة حقيقة التوحيد والإيمان والإسلام ونبيه _صلى الله عليه وسلم_، وما من شك أن الشيخ – وكل كتاباته باللغة الفصحى – قد تسامح في ألفاظ هذه الرسالة، وذلك مخاطبة للعامة على قدر مستواهم، وللشيخ في هذا أسوة ببعض السلف الذين يخاطبون العامة على قدر مستواهم، كما أن الشيخ – رحمه الله – يحاول أن يرقى بأسلوب العامة إلى الفصحى.
ولقد كانت هذه الحملة التربوية النادرة في أسلوبها وطريقتها من أهم الأساليب التربوية التي قام بها الشيخ محمد – رحمه الله – في حياته وأكد على أتباعه بالتزامها بعد ذلك، وألزم الناس بها بعد إحدى الصلوات، حيث يقوم إمام المسجد باستدعاء فرد أو فردين ويساعدهما على تلقين هذه المعلومات على طريقة ا لسؤال والجواب حتى يتم استيعابها، وقد استمر العمل بهذه الطريقة إلى أن انتشر التعليم، وأصبحت تلك المعلومات قاعدة جيدة للعوم الدينية في المناهج المدرسية الحديثة، كما سهلت مهمة محاولات التوجيه والتوعية الدينية التي كانت تعقب الانتكاسات التي منيت بها الدولة السعودية في دوريها الأول والثاني، حيث إن ما حصل عليه عامة النجديين وغيرهم ممن ا نضم للدولة السعودية من تعاليم سلفية وعلوم عقدية وشرعية بهذه الطريقة كانت مواد تعليمية وتربوية جيدة، وهي وإن كانت قليلة ولم تنتشر انتشاراً واسعاً إلا أنها كوَّنت أساساً لعودة هذه المجتمعات حاضرة وبادية للولاء للدعوة السلفية وكيانها السياسي في دوره الثالث(7).
تعليم الخاصة من طلاب العلم:
لئن كان الأسلوب السابق مقتصراً على عامة الناس، وطابعه السهولة في التعليم والقصر في المدة المخصصة له، وقلة المعلومات المراد إفهامها للعامة مما لا يتحقق معه تخريج علماء أكفاء يتحملون مع الشيخ أو بعد وفاته عبء القضاء والفتيا والتعليم والدعوة، فإن الشيخ – بدعم من أئمة آل سعود – كان يخصص دروساً موسعة وشاملة لعدد من العلوم يتلقاها خاصة الطلاب ممن يطمح الشيخ إلى أن يكونوا علماء الدعوة بعده، وقضاة ودعاة في البلدان الأخرى.
ويبدو أن قسماً ممن كان يتلقى العلم الأوليَّ عن طريق الأسلوب السابق ينتقل إلى هذا المستوى ا لأعلى مما عُدَّ معه تعليم العامة قاعدة أولى لزيادة العلم بالانتقال إلى هذا الأسلوب، وكان هؤلاء المنتقلون من صغار التلاميذ أو من كبارهم ممن كيَّفوا أعمالهم، بحيث لا تحول بينهم وبين مواصلة العلم على الشيخ، ولهذا فقد كان باب التعليم مشرعاً أمام كل راغب في التزود بالعلوم العقدية والشرعية بحيث يتوسع فيه من شاء من طلاب العلم، بل يجد هؤلاء التشجيع من أئمة آل سعود أكثر من المرحلة السابقة(8).
وكان خاصة التلاميذ يدرسون في الكتب الموسعة والأمهات، ففي التوحيد: (كتاب التوحيد) للشيخ محمد، ورسائله الأخرى، وكتب شيخ الإسلام ابن تيمية، وتلميذه ابن قيم الجوزية، وفي التفسير: (تفسير ابن جرير الطبري)، وابن كثير، وفي الحديث: (صحيح البخاري)، و(صحيح مسلم)، و(مسند الإمام أحمد)، وغيرها من الكتب الستة، مع (رياض الصالحين)، وفي الفقه: (شرح المنتهى)، و(المغني)، و(الشرح الكبير)، و(الروض المربع) وغيرهما، وفي السيرة: (زاد المعاد)، ومختصره للشيخ محمد(9).
ويتدرج طلاب العلم في سلك التعليم إلى أن ينهوا كثيراً من الكتب حفظاً وفهماً، ويُجرى لهم اختبار في كتاب معين أو كتب متنوعة أو علم بذاته فإذا ما اجتاز الطالب ذلك وأتم دروسه وأتقنها واقتنع الشيخ بقدرته على التعليم وتأهله للفتيا والقضاء منحه إجازة علمية يحق له بمقتضاها الانخراط في سلك المعلمين والتصدي للفتيا وإبداء الرأي في المسائل العلمية، ومن أرقى أنواع الإجازات ما يعرف بإجازة مُعيَّن لِمُعيَّن كان يقول العالم: "أجزت فلاناً في الكتاب الفلاني وما اشتمل عليه"، وهذه الإجازات شبيهة بالإجازات التي يمنحها العلماء لتلاميذهم في العصور الإسلامية، وهي تدل على ارتفاع في المستوى العلمي للمجيزين والمجازين في الدولة السعودية إذ إن كثرتها عما قبل الدعوة وتنوعها في مسائل كثيرة من العلوم يدل على سعة في العلم ورغبة من طلابه في المواصلة وحرص من العلماء على المتابعة الدقيقة لطلابهم وتأهيلهم للأعمال القضائية والعلمية بعد ذلك(10).
وكان قسم من هؤلاء الطلاب من الوافدين على الدرعية من البلدان الأخرى تدفعهم إلى ذلك الرغبة في تلقي العلم من الشيخ محمد مباشرة، ومساعدته في تحمل أعباء الدعوة، وكان بعض هؤلاء الوافدين يستقر في الدرعية وبعضهم الآخر يفد إليها بين الحين والآخر(11).
على الرغم من أن أهل الدرعية قد آووا وأكرموا الوافدين الجدد كرماً منهم وفضلاً وتحقيقاً لرغبة الإمام محمد بن سعود والشيخ محمد بن عبد الوهاب، فقد كان هؤلاء الوافدون من الكثرة بحيث لا تتحمل طاقة أهل الدرعية إيواءهم وإكرامهم بشكل كامل ومستمر، كما أن فرص العمل في الدرعية لم تستوعب كل الوافدين الجدد، وتلك من أولى المشكلات التعليمية التي واجهت الدولة الوليدة إلا أن حماسة الشيخ لدعوته وصدق الإمام محمد بن سعود في تأييدها كانا عاملين مهمين ساعدا في القضاء على هذه المشكلة المتوقعة، خاصة وأن أغلب هؤلاء الوافدين كانوا من الفقراء الذين كانوا – من فرط حرصهم على حضور دروس الشيخ – قد كيفوا أوقات عملهم مع أرباب العمل بحيث يعملون بالليل لكسب قوت يومهم ويتفرغون لتلك الدروس في النهار، وهذا مظهر يرينا إلى أي مدى كان تفاعل المجتمع الجديد مع الدعوة قوياً وحرصه كان كبيراً على الاستفادة القصوى من دروس الشيخ مما يؤكد حماسته الواضحة للعلم وخاصة لدى التلاميذ الملازمين(12).
ويبدو أن فئة من خاصة التلاميذ لم تتوافر لها فرص العمل والاكتساب وهي حريصة في الوقت نفسه على ملازمة الشيخ وحضور دروسه فكان الشيخ – حرصاً منه على تفرغهم للعلم وبدعم من الإمام محمد بن سعود – يستدين من الموسرين ليساعد هؤلاء المحتاجين ويكفيهم مؤنتهم، وقد استمر الشيخ على ذلك حتى تم ضم الرياض سنة 1187هـ حصلت الدولة على أموال نتيجة هذا الضم فساعدته على قضاء ما كان قد استدانه، وقد ذكر ابن بشر أنه حين ضم الرياض بلغ مجموع ما استدانه أربعين ألف محمدية وهي إحدى العملات المتداولة آنذاك(13).
تشجيع التعليم والإنفاق عليه:
لقد وعى الشيخ – رحمه الله – حقيقة أن إلزامية التعليم بدون مغريات لا يمكن أن تحقق نتائج تربوية مهمة انسجاماً مع المبدأ التربوي القائل بإيجاد حوافز للتعليم عن طريق المكافآت المادية والمعنوية متى ما كانت الحاجة ماسة للتعليم عموماً أو لنوع أو أنواع منه بشكل خاص.
وفي هذا السبيل كان الشيخ والأئمة من آل سعود يجزلون الهبات والعطايا لمن يتلقى العلم ويثابر عليه سواء من أهل الدرعية أم الوافدين إليها أم عموم أهل البلدان التابعة للدولة السعودية، وكان من أبرز مظاهر التشجيع للعلم حضور الأئمة من آل سعود للدروس التي يلقيها الشيخ محمد أو أحد أبنائه أو أحد تلاميذه، وقد وضعوا أنفسهم موضع التلاميذ بتلقيهم العلم على علماء الدعوة، كما كانوا يصحبون معهم في الغزوات علماء يرشدون الناس ويعقدون مجالس علمية ينتفع بها جميع أفراد الجيش المحارب(14).
ولقد كان الأئمة من آل سعود متفاعلين مع حماسة الشيخ محمد لتشجيع التعليم بعدم اقتصارهم على الحضور لجلسات العلم فقط، بل كانوا يواصلون دراسة العلوم في قصورهم حتى إذا انعقدت مجالس علمية عامة استطاعوا أن يدلوا فيها بتفسير لآية أو شرح لحديث أو تحقيق لكلام العلماء والمفسرين في الموضوعات التي هي مجال البحث في هذه المجالس(15).
كما أن من مظاهر تشجيع العلم أن علماء الدعوة وأئمتها لا يكتفون بحضورهم وإفادتهم من مجالس العلم وحدهم، بل كانوا يحرصون على اصطحاب أبنائهم وسائر أقربائهم لتلقي العلم جنباً إلى جنب مع عامة الناس(16).
ومن مظاهر التشجيع للعلم العناية بصغار السن والحرص على استمرارهم في تلقيه بمنحهم الجوائز والمكافآت التي يتم تسليمها لهم من قبل الإمام نفسه، فيذكر ابن بشر أن الأولاد إذا خرجوا من المعلم بعد انتهاء الدرس صعدوا إلى الإمام عبد العزيز بن محمد بألواحهم عارضين عليه خطوطهم وما تلقوه من الدروس في هذه الألواح، فمن تحاسن خطه أو أجاد في درسه أعطاه عطاء جزيلاً وأعطى الباقين أعطيات أقل منه(17).
ولهذا كله فقد كان من أبرز وجوه الإنفاق من بيت مال الدولة السعودية صرف مكافآت للمعلمين وطلبة العلم في سائر البلاد السعودية، ولقد كان ذلك يتم في كل بلد، كما أن المغتربين الذين يفدون للدرعية لتلقي العلم على علمائها يعاملون معاملة خاصة بالصرف عليهم وإجزال العطايا والهبات لهم.
وبهذا الأسلوب الحميد ازدهرت الحياة العلمية في سائر أنحاء الدولة السعودية وفي حاضرة البلاد – الدرعية – بشكل خاص إلى أن أصبحت موئلاً لكبار العلماء وهدفاً لمجيء الطلاب لتلقي العلم فيها(18).