الوافي
07-08-2006, 10:00 AM
كدنا في أيامنا هذه أن ننسى ، أو نتجاهل دور العرب المسلمين في صناعة العلم والمعرفة ، وذلك عندما نتحدث عن أي موضوع علمي ؛ فإننا ننسب اكتشافه للغرب ، الغرب الذي سرق الكثير من المعرفة العربية ونسبها لنفسه ، منكراً شمس العرب التي سطعت عليه ،و أنارت له درب الحقيقة و المعرفة ، ومهدت له القيام باكتشافات العصر ؛ فضاع فضل العرب والمسلمين له وللعالم أجمع .
إن العلماء لا يستطيعوا اكتشاف كل ما يتعلق بعلم معين دفعة واحدة ؛ إنما يكون ذلك بالتدريج ؛ فالعلم في نمو مستمر لا ينتهي ، ولكل عالم يبحث فيه دوره ؛ الذي يرتكز عليه من يأتي بعده ؛ ليكمل بناء صرح العلم الإنساني ، والعرب كغيرهم من البشر لم يكونوا ليتوصلوا إلى ما وجدوه ، و ما صنعوه لولا إطلاعهم على معرفة وإنجازات الأمم الخالية عن طريق ترجمتهم لآثارها ، وكذلك علماء الغرب ما كانوا ليضعوا النظريات لولا إطلاعهم على معرفة الأمم ؛ وخاصة العرب و نتاجهم العلمي الغزير ، فنيوتن وغيره ما كانوا ليكونوا لو كانوا في عصر الخوارزمي و بن الهيثم
علم الفلك:
كان سكان وادي الرافدين من اقدم الشعوب التي اهتمت برصد الكواكب والنجوم، فربطوا ايام الاسبوع بالكواكب الخمسة: عطارد، الزهرة، المريخ، المشتري وزحل. وفي زمن البابليين استقرت اسماء الأبراج الإثني عشر علي ما نعرفه اليوم: برج الحمل، الثور، الجوزاء، السرطان، الخ...
وخرج اليونان بهذا العلم من نطاق التخيل الي نطاق العلم الصحيح، ومن اهم علماء الفلك اليونانيين أرسطارخوس وأبرخس الذي حسب السنة الشمسية فكانت 563 يوماً و5 ساعات و55 دقيقة و21 ثانية. ومن أشهر العلماء في الفلك وأشدهم تأثيراً في الشرق والغرب العالِم بطليموس الذي نشأ في الاسكندرية. فكان عالماً في الرياضيات والفلك والجغرافيا والعلوم الطبيعية.
ولما كانت بعض الأمور الدينية تستلزم معرفة اوقات الصلاة التي تختلف بحسب المواقع والعرض الجغرافي وحركة الشمس في الأبراج، وأحوال الشفق، وهلال رمضان، أضف الي ذلك شغف الناس بالتنجيم، كل ذلك أدي الي الاهتمام بعلم الفلك، وحدي بالعرب والمسلمين الي دراسة اعمال الاغريق والكلدان والسريان والفرس والهنود، وترجمتها الي العربية، والقيام ببعض الأرصاد الفلكية.
وعندما ازداد اهتمام الخلفاء العباسيين بعلم الفلك، أمر المنصور أبا يحيي البطريق بنقل كتاب الأربعة مقالات لبطليموس في علم احكام النجوم الي العربية، كما نقلت كتب اخري هندسية وطبيعية ارسل المنصور في طلبها من ملك الروم، وصححوا كثيراً من اغلاطها وأضافوا إليها. وفي زمن المهدي والرشيد اشتهر علماء كثيرون في الأرصاد أمثال: ما شاء الله الذي ألّف في الاسطرلاب ودوائره النحاسية، والعالم احمد بن محمد النهاوندي. اما في زمن المأمون فقد ألّف يحيي بن ابي منصور جدولاً فلكياً. وقد ظهر علماء كثيرون في علم الفلك كان لهم الفضل في تقدم علم الفلك مثل: ثابت بن قرة والمهاني والبلخي وحنين بن اسحق والعبادي والبستاني وغيرهم.
وبعد ان نقل علماء العرب المؤلفات الفلكية للأمم التي سبقتهم الي العربية لم يقفوا عند حد النظريات بل خرجوا الي العمليات والرصد، فقد وضع العرب ازياجاً وجداول فلكية كثيرة. فعلم الأزياج صناعة حسابية مبنية علي قوانين رياضية في ما يخص كل كوكب من طريق حركته.
كما وضع العرب اسماء كثيرة من النجوم والكواكب، وان معظم المصطلحات الفلكية نقلها الغربيون من العرب، وقد اشتهرت ارصاد العرب بالدقة، واعتمد عليها علماء أوروبا في عصر النهضة وما بعده في بحوثهم الفلكية.
واعترف الغربيون ان العرب أتقنوا صناعة الآلات الفلكية التي من اشهرها الاسطرلابات وهي علي انواع منها: التام والمسطح والهلالي والزورقي والعقربي والآسي والقوسي والجنوبي والشمالي والمتسطح وعصا الطوسي، وهناك الاسطرلاب الكروي الذي يقيس ارتفاع الكواكب عن الأفق وتعيين الزمن، كما يستعمل في حل كثير من المسائل الفلكية. ويقال ان محمد بن ابراهيم الغزاري، اول فلكي كبير في الاسلام، هو اول من صنع الاسطرلاب من العرب وأنه اول من ألّف فيه كتاباً سمّاه: العمل بالاسطرلاب المسطح .
وبني العرب مراصد فلكية عدة في مختلف الأماكن، منها مرصد في دمشق أمر المأمون في بنائه فوق جبل قاسيون، ومرصد آخر في الشماسية في بغداد، وأنشأت في مدة خلافته وبعد وفاته مراصد عدة منها: مرصد بني موسي في بغداد علي طرف الجسر، ومرصد بناه شرف الدولة في بستان دار المملكة في بغداد.
علم الفيزياء:
ثبت ان اكتشافات العرب في علم الفيزياء ليست اقل اهمية منها في علم الرياضيات وعلم الفلك، فكانت معارفهم في الفيزياء النظرية والعملية، لا سيما في البصريات والموازين وغيرها، علي جانب عظيم من الدقة والاتقان مما يدل علي مقدار فضلهم في هذا العلم. وهناك عدد كبير من علماء العرب مَنْ كتبوا في هذا الموضوع بعد اجراء التجارب العلمية الدقيقة، وتوصلوا الي نتائج باهرة في تحرياتهم وتجاربهم.
فمن العلماء الذين بحثوا في هذا العلم العالم الكبير محمد بن احمد ابو الريحان البيروني الذي ولد في خوارزم سنة 379م. وله مؤلفات كثيرة في الطب والرياضيات والفلك والتاريخ والظواهر الجوية والآلات العلمية يربو عددها علي 021 كتاباً ورسالة، نقل القليل منها الي اللاتينية والانكليزية والفرنسية والألمانية، واعتمد عليها الغربيون في بحوثهم، كما اشتهر البيروني في الطبيعيات، لا سيما في علم الميكانيك والأيدروستاتيك، وقد لجأ في بحوثه الي التجربة وجعلها محور استنتاجاته. وورد في بعض مؤلفاته شروخ تطبيقية لضغط السوائل وتوازنها، ورفع مياه الفوارات والعيون الي أعلي.
ووضع ابو الفتح عبدالرحمن المنصور الخازن كتاباً يعرف بكتاب ميزان الحكمة أنجزه عام 1211م. فيه بحوث مبتكرة في علم الهيدروستاتيكا، قال عنه العالم سارتون: انه من أجلّ الكتب العلمية التي تبحث في الموضوعات الطبيعية، وأروع ما انتج في القرون الوسطي . واعترف العالم بلتن من اكاديمية العلوم الاميركية، بما لهذا الكتاب من شأن في تاريخ الطبيعة وتقدم الفكر عند العرب.
يبحث الخازن في كتاب ميزان الحكمة في موضوع الهواء ووزنه، ويشير الي ان الهواء قوة رافعة كالسوائل وان وزن الجسم في الهواء ينقص عن وزنه الحقيقي، وان ما ينقصه من الوزن يتبع كثافة الهواء. واخترع الخازن ميزاناً لوزن الاجسام في الهواء والماء، وبين مقدار ما يغمر من الاجسام الطافية في السوائل. وتعتبر دراسته لهذه المواضيع الاساس الذي بني عليه البارومتر ومفرغات الهواء والمضخات المستعملة الصلبة والسائلة.
اما الفيلسوف يعقوب الكندي الذي ولد في الكوفة، وكان ابوه اميراً فيها، درس الكندي في البصرة، وانتخبه المأمون لترجمة مؤلفات ارسطو وغيرها، وكان الكندي مهندساً قديراً وطبيباً حاذقاً، ترك آثاراً جليلة جعلت الكثير من العلماء يعترفون بأنه مفكر عميق من الطراز الأول. وأخرج رسائل في البصريات والمرئيات، وله فيها مؤلف لعله من أروع ما كتب مادة وقيمة، وكان له تأثير كبير علي العقل الأوروبي. وكتب الكندي في الموسيقي، ووضع رسالة في اسباب زرقة السماء، ترجم الي اللاتينية. وله رسالة في المدّ والجزر، وأنتج مصنّفات عدة تزيد علي 032 كتاباً ورسالة، منها 21 كتاباً في الطبيعيات و7 في الموسيقي. وكان الحسن بن الحسن بن الهيثم البصري من عباقرة العالم الذين قدموا خدمات لا تثمّن للعلوم، ومن يطلع علي مؤلفاته ورسائله تتجلي له المآثر التي اورثها للأجيال، وان التراث القيم الذي خلفه للعلماء والباحثين ساعد كثيراً في تقدم علم الضوء الذي له اتصال وثيق بأهم المخترعات والمكتشفات. اشتغل ابن الهيثم في البصريات فترك تراثاً ضخماً مليئاً بالابتكارات التي كانت اساساً لبحوث علماء القرون الوسطي، كما كانت اساساً لكتاب وضعه العالم بيخام في البصريات.
بحث ابن الهيثم في كتابه عن الضوء وامتداده ونفوذه وانعكاسه وانعطافه، وعرف النسبة التي يكون بها التبدل في اتجاه الضوء وفي سرعته، ووصف العين، وبيّن اجزاءها المهمة وطبقاتها وكيفية عملها في نقل صور المرئيات الي الدماغ، وكيف يتم انطباع الصورة وانسلاخها، وأخطاء البصر، ثم كيفية امتزاج الألوان، وشرح كيفية تكوين قوس قزح وألوانه.
علم الميكانيك:
ظهر في زمن المأمون موسي بن شاكر وشعّ في سماء العلم، لا سيما في الهندسة، لكنه مات شاباً وخلّف ثلاثة اولاد هم: محمد وأحمد والحسن، وكانوا محل رعاية المأمون، فأمر اسحق المصعبي بالاهتمام بهم والمحافظة عليهم، فنبغ محمد في الفلك وأحمد في صناعة الميكانيك والحسن في الهندسة. ومن مؤلفاتهم كتاب يعرف بـ حيل بن موسي الذي يحتوي علي مئة تركيب ميكانيكي، عشرون منها ذات قيمة علمية، وفيه بحوث عن مراكز الثقل، وفي فن الآلات الروحية وغيرهــا من آلات الشراب. واشترك احمد مع اخيه الحسن في صنع ساعة نحاسية كبيرة وساعات مائية، ومن الآلات التي اخترعوها الأرغن المائي. وقد زار مرصدهم في سامراء الطبيب المعروف عبدالله بن سهل الطبري واطلع علي آلة عجيبة قال عنها: في مرصد سامراء رأينا آلة بناها الأخوان أحمد ومحمد ابنا موسي، وهي ذات شكل دائري يحمل صور النجوم ورموز الحيوانات في وسطها، تديرها قوة مائية، وكان كلما غاب نجم في قبة السماء اختفت صورة هذا النجم في اللحظة ذاتها في الآلة، وإذا ظهر نجم في قبة السماء ظهرت صورته في الخط الأفقي من الآلة . واشتهر بديع الزمان ابو العز اسماعيل في علم الميكانيك، ويعتبر كتابه الآلات الروحانية او كتاب الحيل الجامع بين العلم والعمل من اهم الكتب العربية في موضوع الميكانيك. اشتغل ابو العز اسماعيل في خدمة العائلة (الارتقية) في ديار بكر، وفي كتابه عشرة انواع من الساعات وتفاصيل لأجهزة ترفع المياه من الآبار، وشرح لعلم النافورات، وكل ذلك موضّح بالصور والرسوم الملوّنة.
مما تقدّم يتضح لنا ان العرب في القرون الوسطي كانوا قوّامين علي علوم القدماء، وأنهم لم يكتفوا بدراسة تلك العلوم والاحتفاظ بها، بل اضافوا اليها اضافات جليلة تناولوها بأسلوب علمي بعيد من الخرافات والأوهام، ثم بثّوها الي العالم.
العرب والرياضيات
لم يكن للعرب قبل الإسلام مؤلفات رياضية ، فقد كانت معرفتهم تقتصر على الحسابات الأساسية ، وقد ضمَّن نفر قليل منهم مسائل حسابية في شعرهم ، ومن أمثلة ذلك قول زرقاء اليمامة عندما رأت سرباً من الحمام ؛ فرغبت التعبير عن عددها شعراً :
ليت الحمامَ ليَه ونصفهُ قدِيـــــَهْ
إلى حمامتيــــــهِ صارَ الحمامُ مِيَهْ
"والمعنى المقصود من هذين البيتين ، أنه إذا أضيف إلى هذا السرب نصفه ، وحمامة واحدة لكان حاصل الجمع مائه ، فإذا أخذت الحمامة كان الباقي تسعاً وتسعين"(1) . وقد استمر هذا الوضع بعد ظهور الإسلام ، وقيام الدولة ؛ حتى اتسعت هذه الدولة ، وزادت مواردها ، فاشتدت الحاجة إلى الأعداد والحساب ؛ لتنظيم شؤونها المالية والاقتصادية ، لذلك رجع العرب إلى آثار الإغريق ليأخذوا عنهم النظريات والطرق الرياضية ، ولكن رياضيات الإغريق لم تسد حاجاتهم ، فتوجهوا إلى الهنود حيث اطلعوا على منجزاتهم ، ومن ثم انطلقوا للبدء ببناء صرحهم الرياضي الخاص بهم ، فأبدعوا وأظهروا من الإتقان ، والمعرفة ما لم يكن أحد ليفكر حتى في أحلامه أن العرب سيحققوه ، وأنهم سيطوروا الرياضيات ، ويصلوا فيها إلى درجات عالية من التقدم ، فالعرب حملوا عبء تطويرها لقرون من الزمن ؛ فنقلوا بذلك العالم نقلة نوعية متميزة ، ووضعوه على طريق التقدم وبناء الحضارة و المدنية ، فكانوا نعم العلماء المخلصين للعلم والبشرية.
سنتناول الآن تباعاً منجزات العرب في الرياضيات بدءاً من الجبر انتهاء بعلم الهندسة.
العربُ والجـــــبر
يعتبر العرب أول من ألف في الجبر ، وأولهم " محمد بن موسى الخوارزمي " مؤلف كتاب " الجبر والمقابلة " ؛ حيث كان أول من ارتقى بهذا الفرع من الرياضيات إلى درجة العلم ، وقد أبدع " الخوارزمي" ومن أتى بعده من علماء العرب في هذا العلم حيث أضافوا عليه الكثير ، وقد انتقل اللفظ إلى اللغات الغربية فكان "Algebra" .
لقد تعرض العلماء العرب لحل المعادلات من الدرجة الأولى ، والثانية ، والثالثة ، وحالات خاصة من الدرجة الرابعة ، وقد استعملوا الحروف الأبجدية للتعبير عن المقادير المجهولة ، وبحثوا في نظرية ذات الحدين ، ويظن الكثير من المؤرخين أن العرب مهدوا في أبحاثهم إلى اكتشاف اللوغاريتمات ؛ حيث وضع "سنان ابن الفتح الحراني " كتاباً في الجمع والتفريق ؛ شرح فيه الطريقة لإجراء عمليات الضرب ، والقسمة بوساطة الجمع ، والطرح ، وقد مهد لاكتشاف اللوغاريتمات أيضاً "بن حمزة " في أبحاثه المتعلقة بالمتواليات العددية والهندسية ، وهذا يثبت وجود هذه الفكرة عند العرب قبل " نايبير " و "بورجي" ، واستعمل العرب الجبر في حل المسائل الهندسية كما يظهر عند " الخوارزمي " ، وقد اكتشف العرب النظرية القائلة : ( أن مجموع مكعبين لا يكون عدداً مكعباً) ، واشتغل العرب في نظريات المجاميع ؛ حيث أوجدوا صيغاً لإيجاد مجموع الأعداد الطبيعية التي عددها (ن) ، وكذلك مجموع مربعات الأعداد الطبيعية التي عددها (ن) ؛ حتى أن " الكاشي " أوجد صيغة لإيجاد مجموع الإعداد الطبيعية المرفوعة للقوة الرابعة.
اهتم العرب بــإيجاد الجذور الصماء ، حيث أطلق " الخوارزمي " ( أصم ) على العدد الذي لا جذر له ، وقد وجد العرب طرقاً لإيجاد القيم التقريبية لجذور الأعداد الصماء ، والعرب مهدوا لإيجاد علم التفاضل والتكامل ، ولا يستطيع أحد إنكار أهمية هذا العلم في الاكتشاف
والاختراع ، وأثره على الكيمياء والفيزياء وغيرها ؛ فلولاه لما كان بالإمكان الاستفادة من قوانين الطبيعة ، واستغلالها لخير الإنسان ورخاءه ، ويظهر ذلك في إيجاد "ثابت بن قره " لحجم الجسم المتولد من دوران القطع المكافئ حول محوره ، وهذا يعتبر تطبيق لعلم التكامل ؛ حيث إيجاد حجوم الأجسام الدورانية ، إن كل هذه الطرق والبحوث لخير دليل على قوة الفكر ، وسعة العقل والوقوف التام على الجبر عند العرب .
الشعرُ و الجبر
لقد ارتبط العرب منذ الأزل بالشعر ؛ فهو صنعتهم الأولى ، وقد تناول العرب في شعرهم الكثير من جوانب الحياة ، و قد وُجد الرياضيون الشعراء ، أو قد نقول : الشعراء الرياضيون ، ومن هؤلاء " الخيّام " صاحب رباعيات الخيّام ، والذي كان شاعراً ومؤلفاً في الفلك والرياضيات ، وهناك " ابن الهائم " صاحب "رسالة التحفة القدسية" وهي منظومة في حساب الفرائض ، كما أن له رسالة مكونة من 52 بيت من الشعر في الجبر ، ومنهم أيضاً " ابن الياسمين " الذي نظم أرجوزة شعرية تعرض فيها لمقدمات للعدد الصحيح ، وأبواب في الجمع والطرح والضرب والقسمة ، وحل العدد إلى أصوله ، ثم تعرض في باب الجبر إلى جبر الكسور ، والحط ـ وهو عكس جبر الكسور ـ ، والصرف ، وطرق استخراج المجهولات ، وأخيراً ينتقل إلى الجبر والمقابلة ، وهو أهم أبواب الأرجوزة وأنفسها ؛ حيث جاء فيها :
فالمـــال كـــل عـدد مـربــع وجذره واحـد تلك الأضلع
علــــى ثـلا ثــة يـدور الجـبر المـــال والأعـداد ثم الجـذر
والعـدد المطلـق مالم ينســب للمال أو الجذر فافهم تصب
والجذر والشيء بمعنى واحد كالقول في لفظ أب و والـد
وجاء في بيانه للمعادلات وأقسامها :
فتلك ست نصفها مركبـــة ونصفــها بسيطـــة مرتبـــة
أولهـا في الاصطلاح جاري أن تعدل الأموال بالأجذار
وإن تكن عادلت الأعدادا فهــــي تليها فافـــهم المرادا
وإن تعادل بالـجذور عددا فتلك تتلوها علـى ما حددا
وجاء في بيان كيفية حل تلك الأقسام
واعلم هداك ربنــا أن العـدد في أول المركبـــــــــات انفرد
ووحدوا أيضاً جذور الثانيــة وأفردوا أموالــــــهم في التالية
فربــــع النصف من الأشيـاء واحمل على الأعــــداد باعتناء
وخذ من الذي تناهى جـذره ثم انقص التصنيف تفهم سره
فما بقي فذاك جذر المـــــال وهذه رابعة الأحــــــــــــوال
وهذه الأبيات تدل على الإلمام بالشعر والرياضيات ؛ وإلا لما استطاع أن يكتب هذه الأرجوزة بلغة سلسة معبرة .
إن العلماء لا يستطيعوا اكتشاف كل ما يتعلق بعلم معين دفعة واحدة ؛ إنما يكون ذلك بالتدريج ؛ فالعلم في نمو مستمر لا ينتهي ، ولكل عالم يبحث فيه دوره ؛ الذي يرتكز عليه من يأتي بعده ؛ ليكمل بناء صرح العلم الإنساني ، والعرب كغيرهم من البشر لم يكونوا ليتوصلوا إلى ما وجدوه ، و ما صنعوه لولا إطلاعهم على معرفة وإنجازات الأمم الخالية عن طريق ترجمتهم لآثارها ، وكذلك علماء الغرب ما كانوا ليضعوا النظريات لولا إطلاعهم على معرفة الأمم ؛ وخاصة العرب و نتاجهم العلمي الغزير ، فنيوتن وغيره ما كانوا ليكونوا لو كانوا في عصر الخوارزمي و بن الهيثم
علم الفلك:
كان سكان وادي الرافدين من اقدم الشعوب التي اهتمت برصد الكواكب والنجوم، فربطوا ايام الاسبوع بالكواكب الخمسة: عطارد، الزهرة، المريخ، المشتري وزحل. وفي زمن البابليين استقرت اسماء الأبراج الإثني عشر علي ما نعرفه اليوم: برج الحمل، الثور، الجوزاء، السرطان، الخ...
وخرج اليونان بهذا العلم من نطاق التخيل الي نطاق العلم الصحيح، ومن اهم علماء الفلك اليونانيين أرسطارخوس وأبرخس الذي حسب السنة الشمسية فكانت 563 يوماً و5 ساعات و55 دقيقة و21 ثانية. ومن أشهر العلماء في الفلك وأشدهم تأثيراً في الشرق والغرب العالِم بطليموس الذي نشأ في الاسكندرية. فكان عالماً في الرياضيات والفلك والجغرافيا والعلوم الطبيعية.
ولما كانت بعض الأمور الدينية تستلزم معرفة اوقات الصلاة التي تختلف بحسب المواقع والعرض الجغرافي وحركة الشمس في الأبراج، وأحوال الشفق، وهلال رمضان، أضف الي ذلك شغف الناس بالتنجيم، كل ذلك أدي الي الاهتمام بعلم الفلك، وحدي بالعرب والمسلمين الي دراسة اعمال الاغريق والكلدان والسريان والفرس والهنود، وترجمتها الي العربية، والقيام ببعض الأرصاد الفلكية.
وعندما ازداد اهتمام الخلفاء العباسيين بعلم الفلك، أمر المنصور أبا يحيي البطريق بنقل كتاب الأربعة مقالات لبطليموس في علم احكام النجوم الي العربية، كما نقلت كتب اخري هندسية وطبيعية ارسل المنصور في طلبها من ملك الروم، وصححوا كثيراً من اغلاطها وأضافوا إليها. وفي زمن المهدي والرشيد اشتهر علماء كثيرون في الأرصاد أمثال: ما شاء الله الذي ألّف في الاسطرلاب ودوائره النحاسية، والعالم احمد بن محمد النهاوندي. اما في زمن المأمون فقد ألّف يحيي بن ابي منصور جدولاً فلكياً. وقد ظهر علماء كثيرون في علم الفلك كان لهم الفضل في تقدم علم الفلك مثل: ثابت بن قرة والمهاني والبلخي وحنين بن اسحق والعبادي والبستاني وغيرهم.
وبعد ان نقل علماء العرب المؤلفات الفلكية للأمم التي سبقتهم الي العربية لم يقفوا عند حد النظريات بل خرجوا الي العمليات والرصد، فقد وضع العرب ازياجاً وجداول فلكية كثيرة. فعلم الأزياج صناعة حسابية مبنية علي قوانين رياضية في ما يخص كل كوكب من طريق حركته.
كما وضع العرب اسماء كثيرة من النجوم والكواكب، وان معظم المصطلحات الفلكية نقلها الغربيون من العرب، وقد اشتهرت ارصاد العرب بالدقة، واعتمد عليها علماء أوروبا في عصر النهضة وما بعده في بحوثهم الفلكية.
واعترف الغربيون ان العرب أتقنوا صناعة الآلات الفلكية التي من اشهرها الاسطرلابات وهي علي انواع منها: التام والمسطح والهلالي والزورقي والعقربي والآسي والقوسي والجنوبي والشمالي والمتسطح وعصا الطوسي، وهناك الاسطرلاب الكروي الذي يقيس ارتفاع الكواكب عن الأفق وتعيين الزمن، كما يستعمل في حل كثير من المسائل الفلكية. ويقال ان محمد بن ابراهيم الغزاري، اول فلكي كبير في الاسلام، هو اول من صنع الاسطرلاب من العرب وأنه اول من ألّف فيه كتاباً سمّاه: العمل بالاسطرلاب المسطح .
وبني العرب مراصد فلكية عدة في مختلف الأماكن، منها مرصد في دمشق أمر المأمون في بنائه فوق جبل قاسيون، ومرصد آخر في الشماسية في بغداد، وأنشأت في مدة خلافته وبعد وفاته مراصد عدة منها: مرصد بني موسي في بغداد علي طرف الجسر، ومرصد بناه شرف الدولة في بستان دار المملكة في بغداد.
علم الفيزياء:
ثبت ان اكتشافات العرب في علم الفيزياء ليست اقل اهمية منها في علم الرياضيات وعلم الفلك، فكانت معارفهم في الفيزياء النظرية والعملية، لا سيما في البصريات والموازين وغيرها، علي جانب عظيم من الدقة والاتقان مما يدل علي مقدار فضلهم في هذا العلم. وهناك عدد كبير من علماء العرب مَنْ كتبوا في هذا الموضوع بعد اجراء التجارب العلمية الدقيقة، وتوصلوا الي نتائج باهرة في تحرياتهم وتجاربهم.
فمن العلماء الذين بحثوا في هذا العلم العالم الكبير محمد بن احمد ابو الريحان البيروني الذي ولد في خوارزم سنة 379م. وله مؤلفات كثيرة في الطب والرياضيات والفلك والتاريخ والظواهر الجوية والآلات العلمية يربو عددها علي 021 كتاباً ورسالة، نقل القليل منها الي اللاتينية والانكليزية والفرنسية والألمانية، واعتمد عليها الغربيون في بحوثهم، كما اشتهر البيروني في الطبيعيات، لا سيما في علم الميكانيك والأيدروستاتيك، وقد لجأ في بحوثه الي التجربة وجعلها محور استنتاجاته. وورد في بعض مؤلفاته شروخ تطبيقية لضغط السوائل وتوازنها، ورفع مياه الفوارات والعيون الي أعلي.
ووضع ابو الفتح عبدالرحمن المنصور الخازن كتاباً يعرف بكتاب ميزان الحكمة أنجزه عام 1211م. فيه بحوث مبتكرة في علم الهيدروستاتيكا، قال عنه العالم سارتون: انه من أجلّ الكتب العلمية التي تبحث في الموضوعات الطبيعية، وأروع ما انتج في القرون الوسطي . واعترف العالم بلتن من اكاديمية العلوم الاميركية، بما لهذا الكتاب من شأن في تاريخ الطبيعة وتقدم الفكر عند العرب.
يبحث الخازن في كتاب ميزان الحكمة في موضوع الهواء ووزنه، ويشير الي ان الهواء قوة رافعة كالسوائل وان وزن الجسم في الهواء ينقص عن وزنه الحقيقي، وان ما ينقصه من الوزن يتبع كثافة الهواء. واخترع الخازن ميزاناً لوزن الاجسام في الهواء والماء، وبين مقدار ما يغمر من الاجسام الطافية في السوائل. وتعتبر دراسته لهذه المواضيع الاساس الذي بني عليه البارومتر ومفرغات الهواء والمضخات المستعملة الصلبة والسائلة.
اما الفيلسوف يعقوب الكندي الذي ولد في الكوفة، وكان ابوه اميراً فيها، درس الكندي في البصرة، وانتخبه المأمون لترجمة مؤلفات ارسطو وغيرها، وكان الكندي مهندساً قديراً وطبيباً حاذقاً، ترك آثاراً جليلة جعلت الكثير من العلماء يعترفون بأنه مفكر عميق من الطراز الأول. وأخرج رسائل في البصريات والمرئيات، وله فيها مؤلف لعله من أروع ما كتب مادة وقيمة، وكان له تأثير كبير علي العقل الأوروبي. وكتب الكندي في الموسيقي، ووضع رسالة في اسباب زرقة السماء، ترجم الي اللاتينية. وله رسالة في المدّ والجزر، وأنتج مصنّفات عدة تزيد علي 032 كتاباً ورسالة، منها 21 كتاباً في الطبيعيات و7 في الموسيقي. وكان الحسن بن الحسن بن الهيثم البصري من عباقرة العالم الذين قدموا خدمات لا تثمّن للعلوم، ومن يطلع علي مؤلفاته ورسائله تتجلي له المآثر التي اورثها للأجيال، وان التراث القيم الذي خلفه للعلماء والباحثين ساعد كثيراً في تقدم علم الضوء الذي له اتصال وثيق بأهم المخترعات والمكتشفات. اشتغل ابن الهيثم في البصريات فترك تراثاً ضخماً مليئاً بالابتكارات التي كانت اساساً لبحوث علماء القرون الوسطي، كما كانت اساساً لكتاب وضعه العالم بيخام في البصريات.
بحث ابن الهيثم في كتابه عن الضوء وامتداده ونفوذه وانعكاسه وانعطافه، وعرف النسبة التي يكون بها التبدل في اتجاه الضوء وفي سرعته، ووصف العين، وبيّن اجزاءها المهمة وطبقاتها وكيفية عملها في نقل صور المرئيات الي الدماغ، وكيف يتم انطباع الصورة وانسلاخها، وأخطاء البصر، ثم كيفية امتزاج الألوان، وشرح كيفية تكوين قوس قزح وألوانه.
علم الميكانيك:
ظهر في زمن المأمون موسي بن شاكر وشعّ في سماء العلم، لا سيما في الهندسة، لكنه مات شاباً وخلّف ثلاثة اولاد هم: محمد وأحمد والحسن، وكانوا محل رعاية المأمون، فأمر اسحق المصعبي بالاهتمام بهم والمحافظة عليهم، فنبغ محمد في الفلك وأحمد في صناعة الميكانيك والحسن في الهندسة. ومن مؤلفاتهم كتاب يعرف بـ حيل بن موسي الذي يحتوي علي مئة تركيب ميكانيكي، عشرون منها ذات قيمة علمية، وفيه بحوث عن مراكز الثقل، وفي فن الآلات الروحية وغيرهــا من آلات الشراب. واشترك احمد مع اخيه الحسن في صنع ساعة نحاسية كبيرة وساعات مائية، ومن الآلات التي اخترعوها الأرغن المائي. وقد زار مرصدهم في سامراء الطبيب المعروف عبدالله بن سهل الطبري واطلع علي آلة عجيبة قال عنها: في مرصد سامراء رأينا آلة بناها الأخوان أحمد ومحمد ابنا موسي، وهي ذات شكل دائري يحمل صور النجوم ورموز الحيوانات في وسطها، تديرها قوة مائية، وكان كلما غاب نجم في قبة السماء اختفت صورة هذا النجم في اللحظة ذاتها في الآلة، وإذا ظهر نجم في قبة السماء ظهرت صورته في الخط الأفقي من الآلة . واشتهر بديع الزمان ابو العز اسماعيل في علم الميكانيك، ويعتبر كتابه الآلات الروحانية او كتاب الحيل الجامع بين العلم والعمل من اهم الكتب العربية في موضوع الميكانيك. اشتغل ابو العز اسماعيل في خدمة العائلة (الارتقية) في ديار بكر، وفي كتابه عشرة انواع من الساعات وتفاصيل لأجهزة ترفع المياه من الآبار، وشرح لعلم النافورات، وكل ذلك موضّح بالصور والرسوم الملوّنة.
مما تقدّم يتضح لنا ان العرب في القرون الوسطي كانوا قوّامين علي علوم القدماء، وأنهم لم يكتفوا بدراسة تلك العلوم والاحتفاظ بها، بل اضافوا اليها اضافات جليلة تناولوها بأسلوب علمي بعيد من الخرافات والأوهام، ثم بثّوها الي العالم.
العرب والرياضيات
لم يكن للعرب قبل الإسلام مؤلفات رياضية ، فقد كانت معرفتهم تقتصر على الحسابات الأساسية ، وقد ضمَّن نفر قليل منهم مسائل حسابية في شعرهم ، ومن أمثلة ذلك قول زرقاء اليمامة عندما رأت سرباً من الحمام ؛ فرغبت التعبير عن عددها شعراً :
ليت الحمامَ ليَه ونصفهُ قدِيـــــَهْ
إلى حمامتيــــــهِ صارَ الحمامُ مِيَهْ
"والمعنى المقصود من هذين البيتين ، أنه إذا أضيف إلى هذا السرب نصفه ، وحمامة واحدة لكان حاصل الجمع مائه ، فإذا أخذت الحمامة كان الباقي تسعاً وتسعين"(1) . وقد استمر هذا الوضع بعد ظهور الإسلام ، وقيام الدولة ؛ حتى اتسعت هذه الدولة ، وزادت مواردها ، فاشتدت الحاجة إلى الأعداد والحساب ؛ لتنظيم شؤونها المالية والاقتصادية ، لذلك رجع العرب إلى آثار الإغريق ليأخذوا عنهم النظريات والطرق الرياضية ، ولكن رياضيات الإغريق لم تسد حاجاتهم ، فتوجهوا إلى الهنود حيث اطلعوا على منجزاتهم ، ومن ثم انطلقوا للبدء ببناء صرحهم الرياضي الخاص بهم ، فأبدعوا وأظهروا من الإتقان ، والمعرفة ما لم يكن أحد ليفكر حتى في أحلامه أن العرب سيحققوه ، وأنهم سيطوروا الرياضيات ، ويصلوا فيها إلى درجات عالية من التقدم ، فالعرب حملوا عبء تطويرها لقرون من الزمن ؛ فنقلوا بذلك العالم نقلة نوعية متميزة ، ووضعوه على طريق التقدم وبناء الحضارة و المدنية ، فكانوا نعم العلماء المخلصين للعلم والبشرية.
سنتناول الآن تباعاً منجزات العرب في الرياضيات بدءاً من الجبر انتهاء بعلم الهندسة.
العربُ والجـــــبر
يعتبر العرب أول من ألف في الجبر ، وأولهم " محمد بن موسى الخوارزمي " مؤلف كتاب " الجبر والمقابلة " ؛ حيث كان أول من ارتقى بهذا الفرع من الرياضيات إلى درجة العلم ، وقد أبدع " الخوارزمي" ومن أتى بعده من علماء العرب في هذا العلم حيث أضافوا عليه الكثير ، وقد انتقل اللفظ إلى اللغات الغربية فكان "Algebra" .
لقد تعرض العلماء العرب لحل المعادلات من الدرجة الأولى ، والثانية ، والثالثة ، وحالات خاصة من الدرجة الرابعة ، وقد استعملوا الحروف الأبجدية للتعبير عن المقادير المجهولة ، وبحثوا في نظرية ذات الحدين ، ويظن الكثير من المؤرخين أن العرب مهدوا في أبحاثهم إلى اكتشاف اللوغاريتمات ؛ حيث وضع "سنان ابن الفتح الحراني " كتاباً في الجمع والتفريق ؛ شرح فيه الطريقة لإجراء عمليات الضرب ، والقسمة بوساطة الجمع ، والطرح ، وقد مهد لاكتشاف اللوغاريتمات أيضاً "بن حمزة " في أبحاثه المتعلقة بالمتواليات العددية والهندسية ، وهذا يثبت وجود هذه الفكرة عند العرب قبل " نايبير " و "بورجي" ، واستعمل العرب الجبر في حل المسائل الهندسية كما يظهر عند " الخوارزمي " ، وقد اكتشف العرب النظرية القائلة : ( أن مجموع مكعبين لا يكون عدداً مكعباً) ، واشتغل العرب في نظريات المجاميع ؛ حيث أوجدوا صيغاً لإيجاد مجموع الأعداد الطبيعية التي عددها (ن) ، وكذلك مجموع مربعات الأعداد الطبيعية التي عددها (ن) ؛ حتى أن " الكاشي " أوجد صيغة لإيجاد مجموع الإعداد الطبيعية المرفوعة للقوة الرابعة.
اهتم العرب بــإيجاد الجذور الصماء ، حيث أطلق " الخوارزمي " ( أصم ) على العدد الذي لا جذر له ، وقد وجد العرب طرقاً لإيجاد القيم التقريبية لجذور الأعداد الصماء ، والعرب مهدوا لإيجاد علم التفاضل والتكامل ، ولا يستطيع أحد إنكار أهمية هذا العلم في الاكتشاف
والاختراع ، وأثره على الكيمياء والفيزياء وغيرها ؛ فلولاه لما كان بالإمكان الاستفادة من قوانين الطبيعة ، واستغلالها لخير الإنسان ورخاءه ، ويظهر ذلك في إيجاد "ثابت بن قره " لحجم الجسم المتولد من دوران القطع المكافئ حول محوره ، وهذا يعتبر تطبيق لعلم التكامل ؛ حيث إيجاد حجوم الأجسام الدورانية ، إن كل هذه الطرق والبحوث لخير دليل على قوة الفكر ، وسعة العقل والوقوف التام على الجبر عند العرب .
الشعرُ و الجبر
لقد ارتبط العرب منذ الأزل بالشعر ؛ فهو صنعتهم الأولى ، وقد تناول العرب في شعرهم الكثير من جوانب الحياة ، و قد وُجد الرياضيون الشعراء ، أو قد نقول : الشعراء الرياضيون ، ومن هؤلاء " الخيّام " صاحب رباعيات الخيّام ، والذي كان شاعراً ومؤلفاً في الفلك والرياضيات ، وهناك " ابن الهائم " صاحب "رسالة التحفة القدسية" وهي منظومة في حساب الفرائض ، كما أن له رسالة مكونة من 52 بيت من الشعر في الجبر ، ومنهم أيضاً " ابن الياسمين " الذي نظم أرجوزة شعرية تعرض فيها لمقدمات للعدد الصحيح ، وأبواب في الجمع والطرح والضرب والقسمة ، وحل العدد إلى أصوله ، ثم تعرض في باب الجبر إلى جبر الكسور ، والحط ـ وهو عكس جبر الكسور ـ ، والصرف ، وطرق استخراج المجهولات ، وأخيراً ينتقل إلى الجبر والمقابلة ، وهو أهم أبواب الأرجوزة وأنفسها ؛ حيث جاء فيها :
فالمـــال كـــل عـدد مـربــع وجذره واحـد تلك الأضلع
علــــى ثـلا ثــة يـدور الجـبر المـــال والأعـداد ثم الجـذر
والعـدد المطلـق مالم ينســب للمال أو الجذر فافهم تصب
والجذر والشيء بمعنى واحد كالقول في لفظ أب و والـد
وجاء في بيانه للمعادلات وأقسامها :
فتلك ست نصفها مركبـــة ونصفــها بسيطـــة مرتبـــة
أولهـا في الاصطلاح جاري أن تعدل الأموال بالأجذار
وإن تكن عادلت الأعدادا فهــــي تليها فافـــهم المرادا
وإن تعادل بالـجذور عددا فتلك تتلوها علـى ما حددا
وجاء في بيان كيفية حل تلك الأقسام
واعلم هداك ربنــا أن العـدد في أول المركبـــــــــات انفرد
ووحدوا أيضاً جذور الثانيــة وأفردوا أموالــــــهم في التالية
فربــــع النصف من الأشيـاء واحمل على الأعــــداد باعتناء
وخذ من الذي تناهى جـذره ثم انقص التصنيف تفهم سره
فما بقي فذاك جذر المـــــال وهذه رابعة الأحــــــــــــوال
وهذه الأبيات تدل على الإلمام بالشعر والرياضيات ؛ وإلا لما استطاع أن يكتب هذه الأرجوزة بلغة سلسة معبرة .