الوافي
07-17-2006, 09:40 AM
الإشارات العلمية القرآنية
في مجال الدعوة الإسلامية(1)
أ.د / كارم السيد غنيم(2)
حفل القرآن والسنة بالأدلة على وجوب الدعوة إلى الله عز وجل، والأدلة كثيرة، نذكر منها قول الله تعالى: ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون [سورة آل عمران: 104].
ومنها قوله تعالى: ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن [سورة النحل: 125].
ومنها قوله تعالى: قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني [سورة يوسف: 108].
وصرح العلماء أن الدعوة إلى الله عز وجل فرض كفاية[3]، وكل بلد يحتاج إلى الدعوة وإلى النشاط فيها فالدعوة فيه فرض كفاية، إذا قام بها من يكفي سقط عن الباقين ذلك الغرض، وصارت الدعوة في حق الباقين سنة مؤكدة وعملاً صالحاً وعند قلة الدعاة وكثرة المنكرات وغلبة الجهل ـ كما هو الحال الآن في كثيرٍ من البلاد الإسلامية وغير الإسلامية ـ تكون الدعوة الإسلامية فرض عين على كل مسلم ومسلمة، كل بحسب طاقته....
أهمية الدعوة الإسلامية:
لم تبق الدعوة الإسلامية خدمة للإسلام عقيدة وشريعة فحسب، بل أصبحت ضرورة سياسية دفاعاً عن العرب والمسلمين، ومصاولة لأعدائهم الكثيرون، ونشراً للغة القرآن الكريم، كما أنها أصبحت ضرورة اجتماعية وضرورة ثقافية[4].... إنه لا إسلام في أفريقيا بعد عشرين عاماً إذا ما يُحارب المبشرون ( يعني: المنصَّرون ) بأساليبهم وتكون الدعوة للإسلام جداً لا هزل فيه، ويكون الدعاة في مستوى المسؤولية، لهم قضية يؤمنون بها ويدافعون عنها، فهم عناصر ( دعوة ) لا عناصر ( دعاية ) وارتزاق[5].
إن رفع الناس أولاً إلى مستوى الوحي ( أعني مستوى الفهم والتنفيذ ) جهد هائل لا يقدر عليه إلا الأقلون، وأجدني محزوناً لأن قدرات المسلمين المادية والأدبية دون مستوى كتابهم بمراحل... يقولأبو حامد الغزالي: إن العقل لا يهتدي إلا بالشرع، والشرع لا يتبين إلا بالعقل، فالعقل كالأساس والشرع كالبناء، ولن يغني أساس ما لم يكن بناء، ولن يثبت بناء ما لم يكن أساس )... إذاً يستحيل أن يصدم عقل صحيح بنقل صحيح[6]، من أجل ذلك شعرت بالانكسار والهزيمة عندما رافقت الصحوة الإسلامية المعاصرة ورأيت انفصالاً بين القدرات العلمية الذكية وبين النشطة الدينية الدؤوبة[7]....
يوضح النص القرآني الذي يقول الله فيه آمراً رسوله وأتباعه: ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين [سورة النحل: 125].
فوسائل الدعوة إلى الله، هي:
( أ) الحكمة.
( ب ) الموعظة الحسنة.
( جـ ) المجادلة بالتي هي أحسن.
في التفسير الكبير للفخر الرازي[8]يوضح الحكمة بأربعة معانٍ:
( 1) مواعظ القرآن، كقول الله سبحانه: واذكروا نعمت الله عليكم وما أنزل عليكم من الكتاب والحكمة يعظكم به [سورة البقرة: 231].
( 2 ) الفهم والعلم، كقول الله سبحانه: ولقد آتينا لقمان الحكمة [سورة لقمان: 12].
( 3 ) النبوة، كقول الله سبحانه: فقد آتينا آل إبراهيم الكتاب والحكمة [سورة النساء: 54].
( 4 ) القرآن بما فيه من عجائب الأسرار، كقول الله سبحانه: ادع إلى سبيل ربك بالحكمة[سورة النحل: 125].
تنوع وسائل الدعوة:
تختلف وسائل الدعوة باختلاف الناس، ولذلك جعل الله للدعوة مراتب بحسب مراتب الخلق، فيرى أبو حامد الغزالي أن الأذكياء يخاطبون بالبرهان، والعوام يخاطبون بالخطابة، لأنهم لا يفقهون البرهان، أما المعاندون في الاعتقاد ( أي: العقيدة ) فيخاطبون بالجدل لأن الموعظة لا تنفع معهم[9].... ولكن ابن القيم يرى غير هذا، إذ يرى أن المستجيب القابل الذكي الذي لا يعاند الحق ولا يأباه يدعى بطريق الحكمة، والقابل الذي عنده نوع غفلة وتأخر يُدعى بالموعظة الحسنة، وهي الأمر والنهي المقرون بالترغيب والترهيب، والمعاند الجاحد لا يجادل بالتي هي أحسن[10].
إذن فالحكمة التي أمر الله الرسول وأتباعه من العلماء هي في أبرز معانيها الدعوة إلى الله من خلال دلائل قدرته وعلامات عظمته في خلق الكائنات وأسرار المخلوقات، وكذلك ما انطوت عليه آيات القرآن من أسرار يأذن الله سبحانه بانبلاجها على أيدي من يريد من عباده العلماء المخلصين... وخلاصة القول: إن الداعية إلى الله لا بد من تسلحه بالعُدّة الكافية، وأهمها الثقافة الواسعة، والعميقة، ومن أهم جوانبها ثقافته أو علمه بمسائل العلوم الفلكية والمدنية والطبيعية والجغرافية والطبيعة وغيرها ن علوم الكون ـ كما يقول ابن خلدون ـ لأن الثقافة الدينية والإنسانية والكونية هي عدة الداعية وسلاحه الفعال في الدعوة الإسلامية[11].
إن الطريق إلى سيادة الحق ( في مجال العقيدة ) إنما يبدأ حسب التوجيه القرآني بالتأمل في الواقع المحسوس ضمن المخلوقات الإلهية التي تتجلى فيها حكمة الصانع الحكيم العليم، وهو ما أكدت عليه جملة كثيرة من الآيات، مثل قول الله تعالى: قل سيروا في الأرض فانظروا كيف بدأ الخلق ثم الله ينشىء النشأة الآخرة إن الله على كل شيء قدير [سورة العنكبوت: 20].أو بالتأمل في الواقع المحسوس من آثار الأمم السابقة ورسومها، تلك التي تدل على سوء العاقبة بالنسبة لأولئك الذين رفضوا الحق في عقيدتهم وأقاموها على باطل الشرك، وهو ما أكدت عليه جملة أخرى من الآيات، مثل قول الله تعالى: فسيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين [سورة آل عمران: 137] [12].
الآيات الكونية في القرآن وتوظيفها في الدعوة:
يتضح من النظر والتدبر في الآيات القرآنية التي وردت بها الإشارات العلمية أنها تختم بهذه الجمل الهادفة: فبأي حديث بعده يؤمنون [سورة العراف: 185].
لعلكم بلقاء ربكم توقنون [سورة الرعد: 2].
لآيات لقوم يتفكرون [سورة الروم: 21].
لآية لقوم يعقلون [سورة النحل: 67]...
فهذه الجمل القصيرة توضح أهداف الإشارات العلمية القرآنية، وأن الحقيقة العلمية التي تشير إليها الآية ليست مقصورة لذاتها، ولكن لهدف أسمى هو الإيمان بالله ووحدانيته وقدرته، وبالدعوة الإسلامية ومبادئها وقواعدها، والتعقل في فهم وجود الإنسان في الكون، والتعمق في العلوم الكونية وتعقلها والتفكر فيها[13]....
ويمكن تقسيم أهداف الآيات القرآنية ذات الإشارات العلمية إلى مجموعتين[14]:
ـ الأولى: هي الأهداف الرئيسية والعامة، وتماثل تلك الأهداف التي تسعى إلى تحقيقها الآيات الشرعية أو الدينية وهي:
( 1 ) الإيمان بأن للكون إلهاً واحداً خالقاً مبدعاً قادراً على كل شيء ( اقرأ النصوص القرآنية: آل عمران / 190، 191، الطارق / 5 ـ 7 ).
( 2 ) الرد على حجج وأباطيل المنكرين والملحدين والمشركين ( اقرأ: الحجر / 2 ـ 10 ).
( 3 ) توضيح النظرة الإسلامية للحياة والدنيا، وتوضيح معنى وجود الإنسان في الكون، وأن حياته مرحلة انتقالية لاختباره، لبعثه ومجازاته الجزاء الأوفى في الآخرة ( اقرأ النصوص القرآنية: البقرة / 28 ـ 30 ، المؤمنون / 15 ـ 17).
ـ الثانية: هي الأحداق الخاصة، وهي التي تركها الوحي الإلهي للآيات الكونية، وتتلخص في هدفين اثنين هما:
الأولى:تعلم العلوم الكونية والتعمق فيها، ومحاولة فهم كون وظواهر ومخلوقات الله، وذلك لأن الإشارات العلمية في القرآن الكريم لا تكتفي بدعوة الإنسان إلى التأمل في الكون واستخدام عقله لفهم الظواهر الكونية الواضحة ليستدل على وجود الخالق ووحدانيته وقدرته، والإيمان تبعاً لذلك بالرسالة الخاتمة.....
لكنها دعوة لجذب فئة من المسلمين للتخصص في العلوم الكونية والتعمق في الدراسات العلمية في كافة المجالات... وهذه الفئة من العلماء هي التي سيكون لها في مرحلة من مراحل الإسلام شرف حمل لواء الدعوة الإسلامية ومسؤولية نشرها.
إنها المرحلة التي تسيطر فيها المادة والثراء والقوة على بعض البشر، إنها المرحلة التي يهيء الله فيها هذا النفر من العلماء المسلمين الراسخين في علومهم لتوضيح مصداقية القرآن وتبيين سبقه العلمي، وإثبات ألوهية المصدر...
ويوضح الدكتور / عبد الله شحاته[15] الهدف الأساسي للإشارات العلمية الواردة في القرآن الكريم بأنه دعوة المسلم إلى بذل الجهد والعمل على التعمق في العلوم الدنيوية ليتحقق له الفهم والقوة اللازمة لأداء هيمنته في الكون المتمثلة في عبادة الله تعالى وخلافته في الأرض؛ فدراسة العلماء والباحثين لطبقات الأرض وصخورها وكنوزها ومحتوياتها، ولطبقات الفضاء والهواء، ومعرفة أسرار الكون ونظامه، امتثالاً لأمر الله وتلبية لرغبة القرآن الكريم في الحث على العلم والمعرفة.
الثاني:إظهار الإعجاز العلمي للقرآن الكريم في عصر العلم والتكنولوجيا، وهو هدف لم يكن ظاهراً عند نزول القرآن، إنه هدف مستقبلي كامن في القرآن على أن يشاء الله أمراً كان مفعولاً...
يقول الشيخ عبد المجيد الزنداني في بحث له[16]: هذه مناكب دعاة الإسلام على اختلاف تخصصاتهم العلمية تتزاحم لبيان هذه المعجزات العلمية.
وبدأ عدد من كبار علماء الكون من غير المسلمين يتجهون إلى الميدان نفسه، فمنهم من اسلم، ومن شهد بحقيقة المعجزة العلمية، فحان حين تجلّى معاني كثير من آيات القرآن الكونية: لكل نبأٍ مستقر وسوف تعلمون [سورة الأنعام: 67].
وإذا كان النقص يعتري بعض الدراسات في مجال الإعجاز العلمي في القرآن، فلا يصح أن يكون ذلك حكماً على جميعها، وإن هذا ليوجب على القادرين من علماء الإسلام أن يسارعوا لخدمة القرآن والسنة في مجال العلوم الكونية كما خدمها السلف في مجال اللغة والأصول والفقه وغيرها من مجالات العلوم الشرعية...
كما ناقش عدد من الدعاة والعلماء والباحثين أيضاً الأهداف المنشودة من الاستعانة بالعلوم الحديثة والكشوف العلمية المعاصرة في بيان جوانب علمية للآيات القرآنية لم تكن قد تبينت من قبل، وتوظيف هذا في إثبات صدق القرآن، وألوهية مصدره، وذلك في الدعوة إلى الإسلام بين غير المسلمين، ثم لتثبيت عقيدة المسلمين الذين بهرتهم تكنولوجيا العصر الحالي ولعبت بهم أمواج المذاهب الهدامة، سواء كانت واردة من منظمات تنصيرية أم أندية صهيونية ماسونية ( كالروتاري والليونز ) وغيرهما من الهيئات النشطة في مجال خلع المؤمنين عن إيمانهم، أو بالأدق خلع المسلمين عن إسلامهم...
وشرح عبد الله ناصح علوان[17]الجوانب الأساسية في ثقافة الداعية، وحصرها في ستة جوانب أساسية، جعل منها جانباً أساسياً هو ( الثقافة العلمية )، وبعد أن تكلم عن مقصوده بالثقافة العلمية، وذكر كيفيات استعمال الداعية هذه الثقافة وهذه المعارف العلمية في مجال الدعوة الإسلامية، فقرر بأن هذا يتم:
( 1 ) عن طريق العلم يضع الداعية النقاط على الحروف في الظواهر التي تدل على وجود الله لمواجهة الماديين والملاحدة، فيقيم الأدلة ويدحض الشبهات بواسطة فروع العلم المتنوعة، من رياضيات وفلك وفيزياء وكيمياء وأحياء وطب، وغيرها.
( 2 ) عن طريق العلم يستطيع أن يؤيد الداعية كثيراً من الأحكام الشرعية ببيان ما اشتملت عليه من جلب المصالح للناس ودرء المفاسد عنهم.. وبذلك يزداد الذين آمنوا إيماناً، ويثبت المرتابون إن حصل لهم شك في كمال الشريعة، وصلاحيتها للزمن... ولعل تحريم الخمور وأكل لحم الخنزير والزنا واللواط، من الأحكام الشرعية التي يشهد لها الطب الحديث بالعظمة والكمال.
( 3 ) وثمة مجال آخر يمكننا فيه استخدام حقائق العلم الحديث لتأييد حقائق الدين، وذلك بتعميق مدلولات بعض النصوص، وتوسيع نطاق مفهومها، وزيادة توضيحها، كآيات النحل والنمل والعنكبوت، والجراد والدواب والطير والفلك والأرصاد والجيولوجيا... الخ.
( 4 ) وهناك مجال يدخل العلم فيه ويصول ويجول، وهو بيان سبق القرآن الكريم لكثير من الحقائق التي كشف عنها العلم الحديث...
نال توفيق عز الدين درجة الماجستير في الفلسفة الإسلامية من كلية دار العلوم جامعة القاهرة عن أطروحته ( دليل الأنفس ... بين القرآن الكريم والعلم الحديث )، ثم طبعت كتاباً يتداوله الناس مند سنة 1986 [18]، وذكر المؤلف في تمهيده كلاماً يوضح به أهداف الدخول في مجال ما أسماه ( التفسير العلمي ) لآيات القرآن الخاصة بآفاق الكون وآفاق النفس، فقال:
( 1 ) أن يُستعان بأبحاث العلوم لمعرفة سبق القرآن الكريم في الإشارة إلى كشف علمي متأخر عن نزول القرآن.
( 2 ) أن يستعان بها لمعرفة أمثلة جديدة لما أشارت إليه الآيات، وغالباً تكون هذه الأمثلة الجديدة ( متعايشة ) مع الأمثلة التي يفهمها كل إنسان بقراءته للآية.
( 3 ) أن يؤتى بالنظريات العلمية لتحمل للآيات من غير مناسبة، أو لمناسبة ضعيفة.
( 4 ) أن يؤتي بالاكتشافات العلمية وتفتعل مناسبات تثبت أن القرآن الكريم سبق الإشارة إليها.
ثم نصح الباحث المسلمين عامة، والباحثين خاصة، بإتباع الهدفين الأولين، وحذرهم من السعي لتحقيق الهدفين الآخرين، حيث يكون للمؤلف ( أو الباحث ) رأي يعتقده فيتأول على القرآن ما يؤيد رأيه ذلك، ويسارع في حمل الآيات عليه، وهذا هدف فاسد ومذهب باطل في فهم القرآن، وإساءة إليه أكثر منها خدمة له.
في مجال الدعوة الإسلامية(1)
أ.د / كارم السيد غنيم(2)
حفل القرآن والسنة بالأدلة على وجوب الدعوة إلى الله عز وجل، والأدلة كثيرة، نذكر منها قول الله تعالى: ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون [سورة آل عمران: 104].
ومنها قوله تعالى: ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن [سورة النحل: 125].
ومنها قوله تعالى: قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني [سورة يوسف: 108].
وصرح العلماء أن الدعوة إلى الله عز وجل فرض كفاية[3]، وكل بلد يحتاج إلى الدعوة وإلى النشاط فيها فالدعوة فيه فرض كفاية، إذا قام بها من يكفي سقط عن الباقين ذلك الغرض، وصارت الدعوة في حق الباقين سنة مؤكدة وعملاً صالحاً وعند قلة الدعاة وكثرة المنكرات وغلبة الجهل ـ كما هو الحال الآن في كثيرٍ من البلاد الإسلامية وغير الإسلامية ـ تكون الدعوة الإسلامية فرض عين على كل مسلم ومسلمة، كل بحسب طاقته....
أهمية الدعوة الإسلامية:
لم تبق الدعوة الإسلامية خدمة للإسلام عقيدة وشريعة فحسب، بل أصبحت ضرورة سياسية دفاعاً عن العرب والمسلمين، ومصاولة لأعدائهم الكثيرون، ونشراً للغة القرآن الكريم، كما أنها أصبحت ضرورة اجتماعية وضرورة ثقافية[4].... إنه لا إسلام في أفريقيا بعد عشرين عاماً إذا ما يُحارب المبشرون ( يعني: المنصَّرون ) بأساليبهم وتكون الدعوة للإسلام جداً لا هزل فيه، ويكون الدعاة في مستوى المسؤولية، لهم قضية يؤمنون بها ويدافعون عنها، فهم عناصر ( دعوة ) لا عناصر ( دعاية ) وارتزاق[5].
إن رفع الناس أولاً إلى مستوى الوحي ( أعني مستوى الفهم والتنفيذ ) جهد هائل لا يقدر عليه إلا الأقلون، وأجدني محزوناً لأن قدرات المسلمين المادية والأدبية دون مستوى كتابهم بمراحل... يقولأبو حامد الغزالي: إن العقل لا يهتدي إلا بالشرع، والشرع لا يتبين إلا بالعقل، فالعقل كالأساس والشرع كالبناء، ولن يغني أساس ما لم يكن بناء، ولن يثبت بناء ما لم يكن أساس )... إذاً يستحيل أن يصدم عقل صحيح بنقل صحيح[6]، من أجل ذلك شعرت بالانكسار والهزيمة عندما رافقت الصحوة الإسلامية المعاصرة ورأيت انفصالاً بين القدرات العلمية الذكية وبين النشطة الدينية الدؤوبة[7]....
يوضح النص القرآني الذي يقول الله فيه آمراً رسوله وأتباعه: ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين [سورة النحل: 125].
فوسائل الدعوة إلى الله، هي:
( أ) الحكمة.
( ب ) الموعظة الحسنة.
( جـ ) المجادلة بالتي هي أحسن.
في التفسير الكبير للفخر الرازي[8]يوضح الحكمة بأربعة معانٍ:
( 1) مواعظ القرآن، كقول الله سبحانه: واذكروا نعمت الله عليكم وما أنزل عليكم من الكتاب والحكمة يعظكم به [سورة البقرة: 231].
( 2 ) الفهم والعلم، كقول الله سبحانه: ولقد آتينا لقمان الحكمة [سورة لقمان: 12].
( 3 ) النبوة، كقول الله سبحانه: فقد آتينا آل إبراهيم الكتاب والحكمة [سورة النساء: 54].
( 4 ) القرآن بما فيه من عجائب الأسرار، كقول الله سبحانه: ادع إلى سبيل ربك بالحكمة[سورة النحل: 125].
تنوع وسائل الدعوة:
تختلف وسائل الدعوة باختلاف الناس، ولذلك جعل الله للدعوة مراتب بحسب مراتب الخلق، فيرى أبو حامد الغزالي أن الأذكياء يخاطبون بالبرهان، والعوام يخاطبون بالخطابة، لأنهم لا يفقهون البرهان، أما المعاندون في الاعتقاد ( أي: العقيدة ) فيخاطبون بالجدل لأن الموعظة لا تنفع معهم[9].... ولكن ابن القيم يرى غير هذا، إذ يرى أن المستجيب القابل الذكي الذي لا يعاند الحق ولا يأباه يدعى بطريق الحكمة، والقابل الذي عنده نوع غفلة وتأخر يُدعى بالموعظة الحسنة، وهي الأمر والنهي المقرون بالترغيب والترهيب، والمعاند الجاحد لا يجادل بالتي هي أحسن[10].
إذن فالحكمة التي أمر الله الرسول وأتباعه من العلماء هي في أبرز معانيها الدعوة إلى الله من خلال دلائل قدرته وعلامات عظمته في خلق الكائنات وأسرار المخلوقات، وكذلك ما انطوت عليه آيات القرآن من أسرار يأذن الله سبحانه بانبلاجها على أيدي من يريد من عباده العلماء المخلصين... وخلاصة القول: إن الداعية إلى الله لا بد من تسلحه بالعُدّة الكافية، وأهمها الثقافة الواسعة، والعميقة، ومن أهم جوانبها ثقافته أو علمه بمسائل العلوم الفلكية والمدنية والطبيعية والجغرافية والطبيعة وغيرها ن علوم الكون ـ كما يقول ابن خلدون ـ لأن الثقافة الدينية والإنسانية والكونية هي عدة الداعية وسلاحه الفعال في الدعوة الإسلامية[11].
إن الطريق إلى سيادة الحق ( في مجال العقيدة ) إنما يبدأ حسب التوجيه القرآني بالتأمل في الواقع المحسوس ضمن المخلوقات الإلهية التي تتجلى فيها حكمة الصانع الحكيم العليم، وهو ما أكدت عليه جملة كثيرة من الآيات، مثل قول الله تعالى: قل سيروا في الأرض فانظروا كيف بدأ الخلق ثم الله ينشىء النشأة الآخرة إن الله على كل شيء قدير [سورة العنكبوت: 20].أو بالتأمل في الواقع المحسوس من آثار الأمم السابقة ورسومها، تلك التي تدل على سوء العاقبة بالنسبة لأولئك الذين رفضوا الحق في عقيدتهم وأقاموها على باطل الشرك، وهو ما أكدت عليه جملة أخرى من الآيات، مثل قول الله تعالى: فسيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين [سورة آل عمران: 137] [12].
الآيات الكونية في القرآن وتوظيفها في الدعوة:
يتضح من النظر والتدبر في الآيات القرآنية التي وردت بها الإشارات العلمية أنها تختم بهذه الجمل الهادفة: فبأي حديث بعده يؤمنون [سورة العراف: 185].
لعلكم بلقاء ربكم توقنون [سورة الرعد: 2].
لآيات لقوم يتفكرون [سورة الروم: 21].
لآية لقوم يعقلون [سورة النحل: 67]...
فهذه الجمل القصيرة توضح أهداف الإشارات العلمية القرآنية، وأن الحقيقة العلمية التي تشير إليها الآية ليست مقصورة لذاتها، ولكن لهدف أسمى هو الإيمان بالله ووحدانيته وقدرته، وبالدعوة الإسلامية ومبادئها وقواعدها، والتعقل في فهم وجود الإنسان في الكون، والتعمق في العلوم الكونية وتعقلها والتفكر فيها[13]....
ويمكن تقسيم أهداف الآيات القرآنية ذات الإشارات العلمية إلى مجموعتين[14]:
ـ الأولى: هي الأهداف الرئيسية والعامة، وتماثل تلك الأهداف التي تسعى إلى تحقيقها الآيات الشرعية أو الدينية وهي:
( 1 ) الإيمان بأن للكون إلهاً واحداً خالقاً مبدعاً قادراً على كل شيء ( اقرأ النصوص القرآنية: آل عمران / 190، 191، الطارق / 5 ـ 7 ).
( 2 ) الرد على حجج وأباطيل المنكرين والملحدين والمشركين ( اقرأ: الحجر / 2 ـ 10 ).
( 3 ) توضيح النظرة الإسلامية للحياة والدنيا، وتوضيح معنى وجود الإنسان في الكون، وأن حياته مرحلة انتقالية لاختباره، لبعثه ومجازاته الجزاء الأوفى في الآخرة ( اقرأ النصوص القرآنية: البقرة / 28 ـ 30 ، المؤمنون / 15 ـ 17).
ـ الثانية: هي الأحداق الخاصة، وهي التي تركها الوحي الإلهي للآيات الكونية، وتتلخص في هدفين اثنين هما:
الأولى:تعلم العلوم الكونية والتعمق فيها، ومحاولة فهم كون وظواهر ومخلوقات الله، وذلك لأن الإشارات العلمية في القرآن الكريم لا تكتفي بدعوة الإنسان إلى التأمل في الكون واستخدام عقله لفهم الظواهر الكونية الواضحة ليستدل على وجود الخالق ووحدانيته وقدرته، والإيمان تبعاً لذلك بالرسالة الخاتمة.....
لكنها دعوة لجذب فئة من المسلمين للتخصص في العلوم الكونية والتعمق في الدراسات العلمية في كافة المجالات... وهذه الفئة من العلماء هي التي سيكون لها في مرحلة من مراحل الإسلام شرف حمل لواء الدعوة الإسلامية ومسؤولية نشرها.
إنها المرحلة التي تسيطر فيها المادة والثراء والقوة على بعض البشر، إنها المرحلة التي يهيء الله فيها هذا النفر من العلماء المسلمين الراسخين في علومهم لتوضيح مصداقية القرآن وتبيين سبقه العلمي، وإثبات ألوهية المصدر...
ويوضح الدكتور / عبد الله شحاته[15] الهدف الأساسي للإشارات العلمية الواردة في القرآن الكريم بأنه دعوة المسلم إلى بذل الجهد والعمل على التعمق في العلوم الدنيوية ليتحقق له الفهم والقوة اللازمة لأداء هيمنته في الكون المتمثلة في عبادة الله تعالى وخلافته في الأرض؛ فدراسة العلماء والباحثين لطبقات الأرض وصخورها وكنوزها ومحتوياتها، ولطبقات الفضاء والهواء، ومعرفة أسرار الكون ونظامه، امتثالاً لأمر الله وتلبية لرغبة القرآن الكريم في الحث على العلم والمعرفة.
الثاني:إظهار الإعجاز العلمي للقرآن الكريم في عصر العلم والتكنولوجيا، وهو هدف لم يكن ظاهراً عند نزول القرآن، إنه هدف مستقبلي كامن في القرآن على أن يشاء الله أمراً كان مفعولاً...
يقول الشيخ عبد المجيد الزنداني في بحث له[16]: هذه مناكب دعاة الإسلام على اختلاف تخصصاتهم العلمية تتزاحم لبيان هذه المعجزات العلمية.
وبدأ عدد من كبار علماء الكون من غير المسلمين يتجهون إلى الميدان نفسه، فمنهم من اسلم، ومن شهد بحقيقة المعجزة العلمية، فحان حين تجلّى معاني كثير من آيات القرآن الكونية: لكل نبأٍ مستقر وسوف تعلمون [سورة الأنعام: 67].
وإذا كان النقص يعتري بعض الدراسات في مجال الإعجاز العلمي في القرآن، فلا يصح أن يكون ذلك حكماً على جميعها، وإن هذا ليوجب على القادرين من علماء الإسلام أن يسارعوا لخدمة القرآن والسنة في مجال العلوم الكونية كما خدمها السلف في مجال اللغة والأصول والفقه وغيرها من مجالات العلوم الشرعية...
كما ناقش عدد من الدعاة والعلماء والباحثين أيضاً الأهداف المنشودة من الاستعانة بالعلوم الحديثة والكشوف العلمية المعاصرة في بيان جوانب علمية للآيات القرآنية لم تكن قد تبينت من قبل، وتوظيف هذا في إثبات صدق القرآن، وألوهية مصدره، وذلك في الدعوة إلى الإسلام بين غير المسلمين، ثم لتثبيت عقيدة المسلمين الذين بهرتهم تكنولوجيا العصر الحالي ولعبت بهم أمواج المذاهب الهدامة، سواء كانت واردة من منظمات تنصيرية أم أندية صهيونية ماسونية ( كالروتاري والليونز ) وغيرهما من الهيئات النشطة في مجال خلع المؤمنين عن إيمانهم، أو بالأدق خلع المسلمين عن إسلامهم...
وشرح عبد الله ناصح علوان[17]الجوانب الأساسية في ثقافة الداعية، وحصرها في ستة جوانب أساسية، جعل منها جانباً أساسياً هو ( الثقافة العلمية )، وبعد أن تكلم عن مقصوده بالثقافة العلمية، وذكر كيفيات استعمال الداعية هذه الثقافة وهذه المعارف العلمية في مجال الدعوة الإسلامية، فقرر بأن هذا يتم:
( 1 ) عن طريق العلم يضع الداعية النقاط على الحروف في الظواهر التي تدل على وجود الله لمواجهة الماديين والملاحدة، فيقيم الأدلة ويدحض الشبهات بواسطة فروع العلم المتنوعة، من رياضيات وفلك وفيزياء وكيمياء وأحياء وطب، وغيرها.
( 2 ) عن طريق العلم يستطيع أن يؤيد الداعية كثيراً من الأحكام الشرعية ببيان ما اشتملت عليه من جلب المصالح للناس ودرء المفاسد عنهم.. وبذلك يزداد الذين آمنوا إيماناً، ويثبت المرتابون إن حصل لهم شك في كمال الشريعة، وصلاحيتها للزمن... ولعل تحريم الخمور وأكل لحم الخنزير والزنا واللواط، من الأحكام الشرعية التي يشهد لها الطب الحديث بالعظمة والكمال.
( 3 ) وثمة مجال آخر يمكننا فيه استخدام حقائق العلم الحديث لتأييد حقائق الدين، وذلك بتعميق مدلولات بعض النصوص، وتوسيع نطاق مفهومها، وزيادة توضيحها، كآيات النحل والنمل والعنكبوت، والجراد والدواب والطير والفلك والأرصاد والجيولوجيا... الخ.
( 4 ) وهناك مجال يدخل العلم فيه ويصول ويجول، وهو بيان سبق القرآن الكريم لكثير من الحقائق التي كشف عنها العلم الحديث...
نال توفيق عز الدين درجة الماجستير في الفلسفة الإسلامية من كلية دار العلوم جامعة القاهرة عن أطروحته ( دليل الأنفس ... بين القرآن الكريم والعلم الحديث )، ثم طبعت كتاباً يتداوله الناس مند سنة 1986 [18]، وذكر المؤلف في تمهيده كلاماً يوضح به أهداف الدخول في مجال ما أسماه ( التفسير العلمي ) لآيات القرآن الخاصة بآفاق الكون وآفاق النفس، فقال:
( 1 ) أن يُستعان بأبحاث العلوم لمعرفة سبق القرآن الكريم في الإشارة إلى كشف علمي متأخر عن نزول القرآن.
( 2 ) أن يستعان بها لمعرفة أمثلة جديدة لما أشارت إليه الآيات، وغالباً تكون هذه الأمثلة الجديدة ( متعايشة ) مع الأمثلة التي يفهمها كل إنسان بقراءته للآية.
( 3 ) أن يؤتى بالنظريات العلمية لتحمل للآيات من غير مناسبة، أو لمناسبة ضعيفة.
( 4 ) أن يؤتي بالاكتشافات العلمية وتفتعل مناسبات تثبت أن القرآن الكريم سبق الإشارة إليها.
ثم نصح الباحث المسلمين عامة، والباحثين خاصة، بإتباع الهدفين الأولين، وحذرهم من السعي لتحقيق الهدفين الآخرين، حيث يكون للمؤلف ( أو الباحث ) رأي يعتقده فيتأول على القرآن ما يؤيد رأيه ذلك، ويسارع في حمل الآيات عليه، وهذا هدف فاسد ومذهب باطل في فهم القرآن، وإساءة إليه أكثر منها خدمة له.