أبو عبد الرحمن
09-06-2006, 05:01 PM
آداب حضور مجالس العلم
إذا حضرت مجلس علم ، فلا يكن حضورك إلا حضور مستزيد علماً وأجراً ،
لا حضور مستغن بما عندك ، طالباً عثرة تشيعها ، أو غريبة تشنعها ، فهذه
أفعال الأرذال الذين لا يفلحون في العلم أبداً .. فإذا حضرتها على هذه النية ،
فقد حصلت خيراً على كل حال ، وإن لم تحضرها على هذه النية ، فجلوسك في
منزلك أروح لبدنك ، وأكرم لخلقك وأسلم لدينك .
فإذا حضرتها كما ذكرنا ، فالتزم أحد ثلاثة أوجه لا رابع لها ، وهي :
1- إما أن تسكت سكوت الجهال ، فتحصل على أجر النية في المشاهدة ،
وعلى الثناء عليك بقلة الفضول ، وعلى كرم المجالسة ومودة من تجالس .
2- فإن لم تفعل ذلك ،، فاسأل سؤال المتعلم ، فتحصل على هذه الأربع محاسن ،
وعلى خامسة ، وهي :
استزادة العلم .. وصفة سؤال المتعلم أن تسأل عما لا تدري لا عما تدري ، فإن
السؤال عما تدريه سخف ، وقلة عقل ، وشغل لكلامك ، وقطع لزمانك بما لا فائدة
فيه لا لك ولا لغيرك ، وربما أدى إلى اكتساب العداوات ، وهو بعد عين الفضول .
فيجب عليك أن لا تكون فضولياً فإنها صفة سوء ، فإن أجابك الذي سألت بما
فيه كفاية لك ، فاقطع الكلام وإن لم يجبك بما فيه كفاية أو أجابك بما لم تفهم ،
فقل له لم أفهم واستزده ، فإن لم يزدك بياناً وسكت ، أو أعاد عليك الكلام الأول
ولا مزيد ، فأمسك عنه .. وإلا حصلت على الشر والعداوة ، ولم تحصل على
ما تريد من الزيادة .
3- أن تراجع مراجعة العالم ، وصفة ذلك أن تعارض جوابه بما ينقصه نقصاً
بيناً ، فإن لم يكن ذلك عندك ، ولم يكن عندك إلا تكرار قولك ، أو المعارضة بما
لا يراه خصمك معارضة ، فأمسك ، فإنك لا تحصل بتكرار ذلك على أجر ، ولا
على تعليم ، ولا على تعلم ، بل على الغيظ لك ولخصمك ، والعداوة التي ربما
أدت إلى المضرات .
وإياك وسؤال المعنت ، ومراجعة المكابر ، الذي يطلب الغلبة بغير علم ، فهما
خلقا سوء ، دليلان على قلة الدين ، وكثرة الفضول ، وضعف العقل ، وقوة
السخف ، وحسبنا الله ونعم الوكيل .
وإذا ورد عليك خطاب بلسان ، أو هجمت على كلام في كتاب ، فإياك أن تقابله
مقابلة المغاضبة الباعثة على المغالبة ، قبل أن تتبين بطلانه ببرهان قاطع ..
وأيضاً ، فلا تقبل عليه إقبال المصدق به ، المستحسن إياه ، قبل علمك بصحته
ببرهان قاطع ، فتظلم في كلا الوجهين نفسك ، وتبعد عن إدراك الحقيقة ..
ولكن أقبل عليه إقبال سالم القلب عن النزاع عنه ، والنزوع إليه ، إقبال من يريد
حظ نفسه في فهم ما سمع ورأى ، فالتزيد به علماً ، وقبوله إن كان حسناً ، أو رده
إن كان خطأ ، فمضمون لك إن فعلت ذلك الأجر الجزيل ، والحمد الكثير ، والفضل
العميم .
من اكتفى بقليله عن كثير ما عندك ، فقد ساواك في الغنى ، ولو أنك قارون ،
حتى إذا تصاون في الكسب عما تشره أنت إليه ، فقد حصل أغنى منك بكثير ..
ومن ترفع عما تخضع إليه من أمور الدنيا ، فهو أعز منك بكثير ..
فرض على الناس تعلم الخير والعمل به ، فمن جمع الأمرين فقد استوفى
الفضيلتين معاً ، ومن علمه ولم يعمل به فقد أحسن في التعليم ، وأساء في ترك
العمل به ، فخلط عملاً صالحاً وآخر سيئاً ، وهو خير من آخر لم يعلمه ولم يعمل
به ، وهذا الذي لا خير فيه أمثل حالاً ، وأقل ذماً من آخر ينهى عن تعلم الخير ،
ويصد عنه ..
ولو لم ينه عن الشر إلا من ليس فيه منه شيء ، ولا أمر بالخير إلا من استوعبه ،
لما نهى أحد عن شر ، ولا أمر بخير بعد النبي صلى الله عليه وسلم ، وحسبك بمن
أدى رأيه إلى هذا فساداً وسوء طبع وذم حال ، وبالله تعالى التوفيق .
قال أبو محمد رضي الله عنه فاعترض ها هنا إنسان فقال : كان الحسن رضي الله
عنه إذا نهى عن شيء لا يأتيه أصلاً ، وإذا أمر بشيء كان شديد الأخذ به ،
وهكذا تكون الحكمة ..
وقد قيل : أقبح شيء في العالم أن يأمر بشيء لا يأخذ به في نفسه ، أو ينهى
عن شيء يستعمله .
قال أبو محمد : كذب قائل هذا ، وأقبح منه من لم يأمر بخير ، ولا نهى عن شر ،
وهو مع ذلك يعمل الشر ولا يعمل الخير ، قال أبو محمد : وقد قال أبو الأسود
الدؤلي :
لا تنه عن خلق وتأتـي مثلـه = = عار عليك إذا فعلت عظيـم
وابـدأ بنفسـك فانههـا عـن = = غيهافإذا انتهت عنه فأنت حكيم
فهنـاك يقبـل إن وعـظـت = = ويقتدىبالعلم منك وينفع التعليم
أبو محمد : إن أبا الأسود إنما قصد بالإنكار المجيء بما نهي عنه المرء ،
وإنه يتضاعف قبحه منه مع نهيه عنه ، فقد أحسن ، كما قال الله تعالى :
﴿ أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم ﴾ .. ولا يظن بأبي الأسود إلا هذا .
وأما أن يكون نهى عن النهي عن الخلق المذموم ، فنحن نعيذه بالله من هذا ،
فهو فعل من لا خير فيه ، وقد صح عن الحسن أنه سمع إنساناً يقول : لا يجب
أن ينهى عن الشر إلا من لا يفعله ..
فقال الحسن : ود إبليس لو ظفر منا بهذه حتى لا ينهى أحد عن منكر ، ولا يأمر
بمعروف .
وقال أبو محمد : صدق الحسن ، وهو قولنا آنفاً ، جعلنا الله ممن يوفق لفعل
الخير والعمل به وممن يبصر رشد نفسه ، فما أحد إلا له عيوب ، إذا نظرها
شغلته عن غيره ، وتوفانا على سنة محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ
اللهم ءامين
--------------------
المصدر :
السير والأخلاق ــ لابن حزم الأندلسي
إذا حضرت مجلس علم ، فلا يكن حضورك إلا حضور مستزيد علماً وأجراً ،
لا حضور مستغن بما عندك ، طالباً عثرة تشيعها ، أو غريبة تشنعها ، فهذه
أفعال الأرذال الذين لا يفلحون في العلم أبداً .. فإذا حضرتها على هذه النية ،
فقد حصلت خيراً على كل حال ، وإن لم تحضرها على هذه النية ، فجلوسك في
منزلك أروح لبدنك ، وأكرم لخلقك وأسلم لدينك .
فإذا حضرتها كما ذكرنا ، فالتزم أحد ثلاثة أوجه لا رابع لها ، وهي :
1- إما أن تسكت سكوت الجهال ، فتحصل على أجر النية في المشاهدة ،
وعلى الثناء عليك بقلة الفضول ، وعلى كرم المجالسة ومودة من تجالس .
2- فإن لم تفعل ذلك ،، فاسأل سؤال المتعلم ، فتحصل على هذه الأربع محاسن ،
وعلى خامسة ، وهي :
استزادة العلم .. وصفة سؤال المتعلم أن تسأل عما لا تدري لا عما تدري ، فإن
السؤال عما تدريه سخف ، وقلة عقل ، وشغل لكلامك ، وقطع لزمانك بما لا فائدة
فيه لا لك ولا لغيرك ، وربما أدى إلى اكتساب العداوات ، وهو بعد عين الفضول .
فيجب عليك أن لا تكون فضولياً فإنها صفة سوء ، فإن أجابك الذي سألت بما
فيه كفاية لك ، فاقطع الكلام وإن لم يجبك بما فيه كفاية أو أجابك بما لم تفهم ،
فقل له لم أفهم واستزده ، فإن لم يزدك بياناً وسكت ، أو أعاد عليك الكلام الأول
ولا مزيد ، فأمسك عنه .. وإلا حصلت على الشر والعداوة ، ولم تحصل على
ما تريد من الزيادة .
3- أن تراجع مراجعة العالم ، وصفة ذلك أن تعارض جوابه بما ينقصه نقصاً
بيناً ، فإن لم يكن ذلك عندك ، ولم يكن عندك إلا تكرار قولك ، أو المعارضة بما
لا يراه خصمك معارضة ، فأمسك ، فإنك لا تحصل بتكرار ذلك على أجر ، ولا
على تعليم ، ولا على تعلم ، بل على الغيظ لك ولخصمك ، والعداوة التي ربما
أدت إلى المضرات .
وإياك وسؤال المعنت ، ومراجعة المكابر ، الذي يطلب الغلبة بغير علم ، فهما
خلقا سوء ، دليلان على قلة الدين ، وكثرة الفضول ، وضعف العقل ، وقوة
السخف ، وحسبنا الله ونعم الوكيل .
وإذا ورد عليك خطاب بلسان ، أو هجمت على كلام في كتاب ، فإياك أن تقابله
مقابلة المغاضبة الباعثة على المغالبة ، قبل أن تتبين بطلانه ببرهان قاطع ..
وأيضاً ، فلا تقبل عليه إقبال المصدق به ، المستحسن إياه ، قبل علمك بصحته
ببرهان قاطع ، فتظلم في كلا الوجهين نفسك ، وتبعد عن إدراك الحقيقة ..
ولكن أقبل عليه إقبال سالم القلب عن النزاع عنه ، والنزوع إليه ، إقبال من يريد
حظ نفسه في فهم ما سمع ورأى ، فالتزيد به علماً ، وقبوله إن كان حسناً ، أو رده
إن كان خطأ ، فمضمون لك إن فعلت ذلك الأجر الجزيل ، والحمد الكثير ، والفضل
العميم .
من اكتفى بقليله عن كثير ما عندك ، فقد ساواك في الغنى ، ولو أنك قارون ،
حتى إذا تصاون في الكسب عما تشره أنت إليه ، فقد حصل أغنى منك بكثير ..
ومن ترفع عما تخضع إليه من أمور الدنيا ، فهو أعز منك بكثير ..
فرض على الناس تعلم الخير والعمل به ، فمن جمع الأمرين فقد استوفى
الفضيلتين معاً ، ومن علمه ولم يعمل به فقد أحسن في التعليم ، وأساء في ترك
العمل به ، فخلط عملاً صالحاً وآخر سيئاً ، وهو خير من آخر لم يعلمه ولم يعمل
به ، وهذا الذي لا خير فيه أمثل حالاً ، وأقل ذماً من آخر ينهى عن تعلم الخير ،
ويصد عنه ..
ولو لم ينه عن الشر إلا من ليس فيه منه شيء ، ولا أمر بالخير إلا من استوعبه ،
لما نهى أحد عن شر ، ولا أمر بخير بعد النبي صلى الله عليه وسلم ، وحسبك بمن
أدى رأيه إلى هذا فساداً وسوء طبع وذم حال ، وبالله تعالى التوفيق .
قال أبو محمد رضي الله عنه فاعترض ها هنا إنسان فقال : كان الحسن رضي الله
عنه إذا نهى عن شيء لا يأتيه أصلاً ، وإذا أمر بشيء كان شديد الأخذ به ،
وهكذا تكون الحكمة ..
وقد قيل : أقبح شيء في العالم أن يأمر بشيء لا يأخذ به في نفسه ، أو ينهى
عن شيء يستعمله .
قال أبو محمد : كذب قائل هذا ، وأقبح منه من لم يأمر بخير ، ولا نهى عن شر ،
وهو مع ذلك يعمل الشر ولا يعمل الخير ، قال أبو محمد : وقد قال أبو الأسود
الدؤلي :
لا تنه عن خلق وتأتـي مثلـه = = عار عليك إذا فعلت عظيـم
وابـدأ بنفسـك فانههـا عـن = = غيهافإذا انتهت عنه فأنت حكيم
فهنـاك يقبـل إن وعـظـت = = ويقتدىبالعلم منك وينفع التعليم
أبو محمد : إن أبا الأسود إنما قصد بالإنكار المجيء بما نهي عنه المرء ،
وإنه يتضاعف قبحه منه مع نهيه عنه ، فقد أحسن ، كما قال الله تعالى :
﴿ أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم ﴾ .. ولا يظن بأبي الأسود إلا هذا .
وأما أن يكون نهى عن النهي عن الخلق المذموم ، فنحن نعيذه بالله من هذا ،
فهو فعل من لا خير فيه ، وقد صح عن الحسن أنه سمع إنساناً يقول : لا يجب
أن ينهى عن الشر إلا من لا يفعله ..
فقال الحسن : ود إبليس لو ظفر منا بهذه حتى لا ينهى أحد عن منكر ، ولا يأمر
بمعروف .
وقال أبو محمد : صدق الحسن ، وهو قولنا آنفاً ، جعلنا الله ممن يوفق لفعل
الخير والعمل به وممن يبصر رشد نفسه ، فما أحد إلا له عيوب ، إذا نظرها
شغلته عن غيره ، وتوفانا على سنة محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ
اللهم ءامين
--------------------
المصدر :
السير والأخلاق ــ لابن حزم الأندلسي