الوافي
09-21-2006, 11:02 AM
لا أكاد أعرف مما قيل في وصف القرآن العظيم أبدع ولا أصدق مما قاله ذلك النفر النبيل من الجن يوم استمعوا إليه: (إنا سمعنا قرآنا عجبا (. وإنه لكذلك وايم الله!
أرأيت لو كنت واحدا من أهل مكة يوم أنزل القرآن, تشاطر أهل هذا البلد أسمارهم وأساطيرهم وتقاليدهم, وأموالا اقترفوها, وتجارة يخشون كساد ها, ومساكن يرضونها, وثارات يثأرون لها, ومآثر يستمسكون بها, ورحلة الشتاء والصيف, ثم سمعت مناديا ينادي للإيمان, فلا يتحدث عن شيء من ذلك كله, ولا عن معاشك ولا عن أعرافك ولا عن عبادتك ولا عن شعائرك— وإنما يقول لك في أوجز خطاب وأعجبه: اقرأ !
أفما كان يفجؤك هذا النداء ويستبد بك العجب?
اقرأ ! وأنت من أمة أمية لا تكتب ولا تحسب?
اقرأ ثم يرتفع بك كلمح بالبصر من حضيض هذه الأرض التي أخلدت إليها, إلى سدرة المنتهى"
اقرأ باسم ربك الذي خلق— هكذا—لا ينبئك أن لك ربا خالقا , وإنما يخاطبك بما هو أمر مفروغ منه منذ زمن بعيد, يوم (أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم: ألست بربكم? قالوا: بلى, شهدنا)!.
ولك أن تتوقع بعد ذلك أن تتحدث العبارة التالية لهذه المقدمة الرائعة, عن صلتك بربك الذي خلق, وعن كيفية تبت لك إليه وعبادتك إياه... ولكن القرآن العجب يفجؤك مرة أخرى بأن يقرع سمعك بحقيقة من حقائق علم الجنين: خلق الإنسان من علق.... تهيئة لنفسك وإعدادا لعقلك أن تعرف ماهية العلم الذي يتحدث القرآن بعد قليل عن أنه العلم الذي علمه إياك ربك الأكرم الذي علم بالقلم .
ثم تعود بك الآيات إلى لحظة الخلق الأولى, وهي لحظة مركوزة في فطرتك منحوتة في ذاكرة خلاياك— لحظة علم الله آدم الأسماء كلها— فتذكرك إن كان الشيطان قد أنساك أن الله هو الذي علم الإنسان ما لم يعلم .
ثم تجول بك الآيات في مجالات شتى, فتذكر لك حقيقة من حقائق علم النفس: إن الإنسان ليطغى أن رآه استغنى... ثم تلفتك إلى أن رجعاك ومعادك إلى ربك الذي بدأ خلقك من علق .
وهكذا في نسق عجيب يربط الدنيا بالآخرة, ويمازج بين آيات الله في الأنفس والآفاق, وبين آياته في العبادة والتقوى, تتواصل آيات السورة إلى نهايتها في نبضات مرسومة, كل نبضة منها تهز وترا من أوتار نفسك التي جبلت علىعمارة الدنيا وعمارة الآخرة, واستعدت بفطرتها للتبحر في كل ما علم الله الإنسان من علوم الدنيا وعلوم الآخرة . "وكل ميسر لما خلق له".
ولا غرابة في أن يتصل القرآن بالعلوم جميعا, فما العلوم إلا نتاج تطل بالإنسانية أسرار الفطرة. والقرآن ما هو إلا كتاب الله فاطر الفطرة, بل الدين هو الفطرة نفسها, كما جاء في تلك الآية المعجزة التي لا ينقضي العجب من إعجازها في سورة الروم :
فأقموجهك للدين حنيفا : فطرة الله التي فطر الناس عليها; لا تبديل لخلق الله! ذلك الدين القيم . ولكن أكثر الناس لا يعلمون .
فالآية الكريمة كما يقول الأستاذ الجليل محمد أحمد الغمراوي رحمه الله وأحسن إليه الآية الكريمة لا تجعل الإسلام فقط دين الفطرة, ولكن نفس الفطرة التي فطر الله الناس عليها, وهذا أوجز تعبير وأوكده وأ شمله, بتمام انطباق الإسلام على سنن الله التي خلق عليها الإنسان, سواء تعلقت بالبدن أو النفس, وبالعقل أو القلب, في الفرد والأسرة والطائفة, أو في القبائل والأمم والشعوب.
وثبات تلك السنن في الإنسان وغيره, واطرادها واتساقها في ما بينها ومع السنن الأخرى الجارية في الكون, دل عليه أبلغ دلالة قوله تعالى: " لا تبديل لخلق الله, وهي عبارة أكدت المعاني السابقة المستفادة من الكلمات قبل ها, فزادت معنى الفطرة وضوحا إذ فسرتها بالخلق, وأضافت الخلق إلى الله سبحانه فوكدت كل معاني التشريف والتمام والكمال المنطوية في إضافة الفطرة إلى الله قبل قليل, وهذا التعميم في قوله:" لا تبديل لخلق الله دال على اتساق الإسلام وفطرة الإنسان مع الفطرة العامة في الكون, فما خلق الله إنما خلقه على سنن كاملة لا تبديل لها ولا تحويل:فلن تجد لسنة الله تبديلا ولن تجد لسنة الله تحويلا . والعلم الحديث يقوم وجوده على هذا القانون الإلهي, قانون لا تبديل لخلق الله , إذ العلم وطريقته النظرية والعملية والتجربية متوقفة على اتساق الفطرة واتصاف سننها بالاطراد والثبوت.
بل تعالوا نقرإ الآيات التي سبقت هذه الآية في سورة الروم:" فسبحان الله حين تمسون وحين تصبحون وله الحمد في السماوات والأرض وعشيا وحين تظهرون.
يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي ويحيي الأرض بعد موتها... وكذلك تخر جون! ومن آياته أن خلقكم من تراب, ثم إذا أنتم بشر تنتشرون! ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة, إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون! ومن آياته خلق السماوات والأرض واختلاف ألسنتكم وألوانكم; إن في ذلك لآيات للعالمين! ومن آياته منامكم . بالليل والنهار وابتغاؤكم من فضله; إن في ذلك لآيات لقوم يسمعون! ومن آياته يريكم البرق خوفا وطمعا , وينزل من السماء ماء فيحيي به الأرض بعد موتها إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون! ومن آياته أن تقوم السماء والأرض بأمره, ثم إذا دعاكم دعوة من الأرض إذا أنتم تخرجون .
تسع آيات كلها كونية تتعلق بظواهر طبيعية, لا يدرسها ولا يبحثها ويكشف عن أسرارها إلا العلم التجربي الحديث.... جمع الله للإنسانية فيها بين العلم والدين, ومزجهما للمفكرين مزجا يدهش ويبهر, وصار به العلم في الإسلام جزءا من الدين, ميزة للإسلام وحده من بين الأديان !
وإن شئت توكيدا لذلك لا مزيد له, فأعد قراءة قوله تعالى: (ومن آياته خلق السماوات والأرض واختلاف ألسنتكم وألوانكم; إن في ذلك لآيات للعالمين( لتعلم أن المراد بالعال مين هنا ليسوا العلماء بالمعنى العام, ولكن العلماء الدارسين للسماوات والأرض وأسرار خلقها, ولأجناس الناس والشعوب وأسرار اختلافهم ... وهؤلاء هم العلماء بالمعنى العلمي الحديث .
أعود إلى أولئك النفر من قريش الذين استمعوا إلى رسول الله e(يخاطبهم بذلك الخطاب العجيب: اقرأ ... كيف كان ردهم على تلك السورة التي تجمع علم الجنين إلى علم النفس, وتذكر بالرب الذي خلق, والذي علم, والذي إليه المرجع والمآب, وتحث على السجود الذي يحقق غاية الاقتراب .
كان ردهم: "أشهد أن لا إله إلا الله, وأشهد أن محمدا رسول الله". هكذا, بكل بساطة أيقنوا أن هذا الكلام الذي لم يعهدوه ولم يسمعوا بمثله, وهم كانوا سادة الكلام وأبلغ البلغاء, لا يمكن أن يكون من عند غير الله.. (ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا ).. وهم إنما وجدوه متسقا كل الاتساق, منسجما كل الانسجام, تتساوق فيه آيات الله في الأنفس مع آيات الله في التقوى .... ولم يفرقوا في ماعلمه الله بالقلم بين علم شرعي وعلم كوني .... بل لعل مما جعلهم يلبون داعي الله من فورهم, هذا التمازج والتضافر بين كلمات الله المحدودة في كتاب الله, وبين كلمات الله التي لا حدود لها في الأنفس والآفاق:" ولو أن ما في الأرض من شجرة أقلام والبحر يمده من بعده سبعة أبحر ما نفدت كلمات الله" .
ثم تواصلت آي القرآن تترى على مدى ثلاثة وعشرين عاما , يطالع الناس فيها دائما ما طالعهم في الآيات الأول, من توكيد لدني على هذا التناغم بين العلم والإيمان, وتلفت أنظارهم إلى هذا الكون بأفسح آفاقه وبأدق تفاصيله على حد سواء :
ـ " أولم ينظروا في ملكوت السماوات والأرض " [الأعراف: 185]
ـ " أفلم ينظروا إلى السماء فوقهم" [ ق: 6]
ـ " أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت, وإلى السماء كيف رفعت, وإلى الجبال كيف نصبت وإلى الأرض كيف سطحت " [الغاشية: 17 ـ 20 ]
ـ " فانظر إلى آثار رحمة الله: كيف يحيي الأرض بعد موتها" [الروم: 50]
ـ " انظروا إلى ثمره إذا أثمر وينعه " [الأنعام: 99]
ـ " انظروا ماذا في السماوات والأرض " [يونس: 101]
ـ " سيروا في الأرض فانظروا كيف بدأ الخلق" [العنكبوت: 20]
ـ " ... أفرأيتم ما تحرثون? "
ـ " ... أفرأيتم الماء الذي تشربون?"
ـ " ... أفرأيتم النار التي تورون?" [الواقعة: 63, 68, 71]
ـ " ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء فتصبح الأرض مخضرة" [الحج: 63]
ـ " ألم تر أن الله سخر لكم ما في الأرض " [الحج: 43]
ـ " ألم تر أن الله يزجي سحابا ثم يؤلف بينه" [النور: 63]
ـ " ألم تر أن الله يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل" [لقمان: 29]
ـ " ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء فأخرجنا به ثمرات مختلفا ألوانها" [فاطر: 27]
ـ " ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء فسلكه ينابيع في الأرض " [الزمر: 21]
ـ " ألم تر أن الله سخر لكم ما في السماوات وما في الأرض " [لقمان: 20]
ـ " أو لم يروا إلى ما خلق الله من شيء" [النحل: 48]
ـ " أو لم يروا إلى الأرض كم أنبتنا فيها من كل زوج كريم" [الشعراء: 7]
ـ " أو لم يروا أنا نسوق الماء إلى الأرض الجرز" [السجدة: 27]
ـ " أفلم يروا إلى ما بين أيديهم وماخلفهم من السماء والأرض [سبأ: 9]
ـ " فارجع البصر هل ترى من فطور" [الملك: 3]
سبع آيات القرآن الكريم من هذا القبيل!
ولم يكن صحابة رسول الله ولا تابعوهم ولا من تبعهم بإحسان يصنفون العلوم إلى علوم شرعية وعلوم كونية, وإنما كانوا يقتدون بهدي النبي e في تقسيم العلم إلى علم نافع وعلم لا ينفع. وقد صح عنه صلوات الله وسلامه عليه أنه كان يسأل الله علما نافعا, وأنه كان يستعيذ بالله من علم لا ينفع. وقد ضرب القرآن الكريم مثلا للعلم الذي لا ينفع في قصة هاروت وماروت : "ويتعلمون ما يضرهم ولا ينفعهم, ولقد علموا لمن اشتراه ما له في الآخرة من خلاق; ولبئس ما شروا به أنفسهم لو كانوا يعلمون " .
فكل علم ينفع الناس هو علم إسلامي, وهو علم مشروع, وهو علم حق. فالحق غاية العلم .... والله قد أنزل الكتاب بالحق كما خلق السماوات والأرض بالحق. والحق ما ينفع الناس, فقد قال ربنا عز وجل في سورة الرعد: (كذلك يضرب الله الحق والباطل: فأما الزبد [=الباطل] فيذهب جفاء, وأما ما ينفع الناس [=الحق] فيمكث في الأرض).
وقد جعل النبي صلى الله عليه وسلم طلب هذا العلم النافع فريضة على كل مسلم, ذكرا كان أم أنثى, ولو أن منه ما هو فرض عين ومنه ما هو فرض كفاية. وانظر إلى قوله صلوات الله عليه "طلب العلم", لتعرف لماذا أجهد المسلمون أنفسهم في تطلبه, ولماذا بحثوا عنه في كل مكان ولم يجدوا حرجا في أخذه من أي وعاء خرج, ولماذا اتجهت أمة الإسلام بعد عصر الراشدين, الذي فتح على الإسلام قلوب الناس, تنفتح على العالم من حولها تتلمس كل علم ينفع الناس ولكن الذي يلفت النظر ويثير الدهشة, أن هذه الأمة بعد أن قضت فترة الحضانة العلمية في أيام الراشدين إن صح التعبير, قد انفتحت على العالم وهي في مرحلة نضج ثقافي وعلمي ظاهرين. وعن قصد ما أقول "ثقافي " و"علمي " مميزا كما ينبغي أن يكون بين الثقافة وبين العلم, إذ الثقافة مقصورة على أمة بعينها, والعلم مشاع بين خلق الله جميعا , يشتركون فيه مهما اختلفت الملل والعقائد.
والثقافة بالنسبة إلى الفرد تعني أصولا ثابتة, تنغرس في نفس "الإنسان" منذ مولده ونشأته الأولى, حتى يشارف حد الإدراك البين, جماعها كل ما يتلقاه عن أبويه وأهله وعشيرته ومعلميه ومؤدبيه, حتى يصبح قادرا على أن يستقل بنفسه. فإذا استقل, استبد عقله بتقليب النظر, وإعمال الفكر, وممارسة التنقيب والبحث, ومعالجة التعبير عن الرأي. وللغة دورها الأكبر في ترسيخ الأصول التي تنغرس, وإيصال المعارف الأولى التي تعين على التواصل.
هذا ما كان من أمر ثقافة الفرد . أما ثقافة الأمة فهي حصيلة ثقافات أبنائها, المثقفين بقدر مشترك, وهي مرآة جامعة , في حيزها المحدود, كل ما تشعث وتشتت وتباعد من ثقافة كل فرد من أبنائها, على اختلاف مقاديرهم ومشاربهم ومذاهبهم ومداخلهم ومخارجهم في الحياة. وجوهر هذه المرآة هو اللغة. وللدين في ثقافة الفرد وثقافة الأمة شأن كبير ودور رئيس, كتابيا كان الدين أم وثنيا أم غير ذلك. حتى لقد قال "إليوت" بحق : إن ثقافة الشعب ودين الشعب مظهران مختلفان لشيء واحد, لأن الثقافة في جوهرها تجسيد لدين الشعب.
والثقافات المتباينة تتحاور وتتناظر وتتناقش, ولكنها لا تتداخل تداخلا يفضي إلى الامتزاج البتة, ولا يأخذ بعضها عن بعض شيئا إلا بعد عرضه على أسلوبها في التفكير والنظر والاستدلال, فإن استجاب لأسلوبها قبسته وعدلته وخلصته من الشوائب, وإن استعصى نبذته واطرحته اطراحا .
والناظر في ثقافة أمة أخرى غير أمته, إنما ينظر فيها لأحد أمرين: إما ليكسب منها شيئا لأمته وثقافته, وإما ليناظر ويناقش. وهو في كلا الأمرين واقع في مأزق ضيق" مأزق اللغة ومأزق الثقافة.لايستطيع أن يأخذ إلا بمقدار ما فهم من لغة غريبة أصلا عن لغته, ولا يستطيع أن يناقش إلا على قدر ما يتصور أنه استبانه وأدركه من ثقافة غريبة عن ثقافته.
وأعود إلى أمتنا التي ذكرت أنها انفتحت على العالم من حولها, وهي في مرحلة نضج "ثقافي " و"علمي " ظاهرين.
أما الثقافة فقد أنضجها الإسلام, بعد أن قطع كل صلة لهذه الأمة بمعاملات الجاهلية وثارات الجاهلية ومآثر الجاهلية, وأحل محل ذلك ثقافة : قوامها كتاب, يأمر أول ما يأمر بالقراءة, ويقسم أول ما يقسم بالقلم والكتابة, ويدعو في كثير من آياته إلى التفكير والتنقيب والبحث في الكون والكائنات, ويفاضل بين الذين يعلمون والذين
لايعلمون, وبين الذين أوتوا العلم والذين لم يؤتوه..... ومؤدي هذا الكتاب رسول يفضل مجلس العلم على مجلس الذكر, ويقسم الناس إلى عالم ومتعلم وهمج لاخير فيه, ويوازن بين مداد العلماء ودماء الشهداء, ويجعل الحكمة ضالة المؤمن, أنى وجدها فهو أولى بها.
وأما العلم فقد كان منه بادئ ذي بدء علوم مبتكرة تنظم ضوابط اللغة التي هي قوام الثقافة..... وتلك علوم اللغة والنحو والعروض; وكان منه علوم تحدد التعامل على مستوى الفرد والأسرة والمجتمع ..... وذلك علم الفقه; وكان منه علوم تضبط فهم مصادر الفكر والتشريع والسلوك, وتكفل سلامة النصوص الناظمة لجميع شؤون الحياة..... وتلك علوم التفسير والحديث ..... وكل أولئك علوم عربية إسلامية بحتة, أبدعتها عقول أبناء هذه الأمة على غير مثال سبق .
وهذا هو النضج العلمي والثقافي الذي أتحدث عنه. فهذه العلوم الخاصة التي ابتكرتها هذه الأمة, وابتدعت أصولها ومناهجها, وأرست لها أركان النهج الفكري المستقيم, ونواظم إعمال العقل إعمالا ليس له حدود... أقول: هذه العلوم الخاصة الأصيلة أعدت هذه الأمة لاستقبال العلوم التي لم يكن لها بها عهد . وتلك الثقافة التي كانت تهيمن على الضمائر والمواقف, جعلت الأمة تنفتح على الثقافات الأخرى بلا حرج ولا عقد, ولكنها جعلتها كذلك تقف منها موقف العالم المتبصر, وموقف الناقد المستنير. فلم تأخذ من الحضارة اليونانية مثلا شيئا من أدب اليونان ولا شعرهم ولا فنهم ولا دراماهم ولاميثولوجيتهم, ولكنها اغترفت من هذه الحضارة ما استطاعت من علوم الطب والطبيعة, وتخيرت وانتقت ما شاءت من الحكمة والفلسفة.
وقد كان عجبا من العجب, لم يشهده التاريخ من قبل أو بعد, أن أمة فاتحة, تملي شروط الصلح على المغلوبين, فتطلب إليهم أن يقدموا لها كتب العلم والفلسفة غرامة حربية.... هذا ما فعله العرب في صلحهم مع الروم, وهذا وحده دليل قاطع , على أنهم كانوا على استعداد لقبول هذه العلوم, وأنهم كانوا على قدر من التقدم الفكري يسمح لهم باستيعاب هذه العلوم, بل غربلتها وانتخالها, بل تثوير أعماقها والخروج منها بمبتكرات لم تخطر على البال .
أرأيت لو كنت واحدا من أهل مكة يوم أنزل القرآن, تشاطر أهل هذا البلد أسمارهم وأساطيرهم وتقاليدهم, وأموالا اقترفوها, وتجارة يخشون كساد ها, ومساكن يرضونها, وثارات يثأرون لها, ومآثر يستمسكون بها, ورحلة الشتاء والصيف, ثم سمعت مناديا ينادي للإيمان, فلا يتحدث عن شيء من ذلك كله, ولا عن معاشك ولا عن أعرافك ولا عن عبادتك ولا عن شعائرك— وإنما يقول لك في أوجز خطاب وأعجبه: اقرأ !
أفما كان يفجؤك هذا النداء ويستبد بك العجب?
اقرأ ! وأنت من أمة أمية لا تكتب ولا تحسب?
اقرأ ثم يرتفع بك كلمح بالبصر من حضيض هذه الأرض التي أخلدت إليها, إلى سدرة المنتهى"
اقرأ باسم ربك الذي خلق— هكذا—لا ينبئك أن لك ربا خالقا , وإنما يخاطبك بما هو أمر مفروغ منه منذ زمن بعيد, يوم (أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم: ألست بربكم? قالوا: بلى, شهدنا)!.
ولك أن تتوقع بعد ذلك أن تتحدث العبارة التالية لهذه المقدمة الرائعة, عن صلتك بربك الذي خلق, وعن كيفية تبت لك إليه وعبادتك إياه... ولكن القرآن العجب يفجؤك مرة أخرى بأن يقرع سمعك بحقيقة من حقائق علم الجنين: خلق الإنسان من علق.... تهيئة لنفسك وإعدادا لعقلك أن تعرف ماهية العلم الذي يتحدث القرآن بعد قليل عن أنه العلم الذي علمه إياك ربك الأكرم الذي علم بالقلم .
ثم تعود بك الآيات إلى لحظة الخلق الأولى, وهي لحظة مركوزة في فطرتك منحوتة في ذاكرة خلاياك— لحظة علم الله آدم الأسماء كلها— فتذكرك إن كان الشيطان قد أنساك أن الله هو الذي علم الإنسان ما لم يعلم .
ثم تجول بك الآيات في مجالات شتى, فتذكر لك حقيقة من حقائق علم النفس: إن الإنسان ليطغى أن رآه استغنى... ثم تلفتك إلى أن رجعاك ومعادك إلى ربك الذي بدأ خلقك من علق .
وهكذا في نسق عجيب يربط الدنيا بالآخرة, ويمازج بين آيات الله في الأنفس والآفاق, وبين آياته في العبادة والتقوى, تتواصل آيات السورة إلى نهايتها في نبضات مرسومة, كل نبضة منها تهز وترا من أوتار نفسك التي جبلت علىعمارة الدنيا وعمارة الآخرة, واستعدت بفطرتها للتبحر في كل ما علم الله الإنسان من علوم الدنيا وعلوم الآخرة . "وكل ميسر لما خلق له".
ولا غرابة في أن يتصل القرآن بالعلوم جميعا, فما العلوم إلا نتاج تطل بالإنسانية أسرار الفطرة. والقرآن ما هو إلا كتاب الله فاطر الفطرة, بل الدين هو الفطرة نفسها, كما جاء في تلك الآية المعجزة التي لا ينقضي العجب من إعجازها في سورة الروم :
فأقموجهك للدين حنيفا : فطرة الله التي فطر الناس عليها; لا تبديل لخلق الله! ذلك الدين القيم . ولكن أكثر الناس لا يعلمون .
فالآية الكريمة كما يقول الأستاذ الجليل محمد أحمد الغمراوي رحمه الله وأحسن إليه الآية الكريمة لا تجعل الإسلام فقط دين الفطرة, ولكن نفس الفطرة التي فطر الله الناس عليها, وهذا أوجز تعبير وأوكده وأ شمله, بتمام انطباق الإسلام على سنن الله التي خلق عليها الإنسان, سواء تعلقت بالبدن أو النفس, وبالعقل أو القلب, في الفرد والأسرة والطائفة, أو في القبائل والأمم والشعوب.
وثبات تلك السنن في الإنسان وغيره, واطرادها واتساقها في ما بينها ومع السنن الأخرى الجارية في الكون, دل عليه أبلغ دلالة قوله تعالى: " لا تبديل لخلق الله, وهي عبارة أكدت المعاني السابقة المستفادة من الكلمات قبل ها, فزادت معنى الفطرة وضوحا إذ فسرتها بالخلق, وأضافت الخلق إلى الله سبحانه فوكدت كل معاني التشريف والتمام والكمال المنطوية في إضافة الفطرة إلى الله قبل قليل, وهذا التعميم في قوله:" لا تبديل لخلق الله دال على اتساق الإسلام وفطرة الإنسان مع الفطرة العامة في الكون, فما خلق الله إنما خلقه على سنن كاملة لا تبديل لها ولا تحويل:فلن تجد لسنة الله تبديلا ولن تجد لسنة الله تحويلا . والعلم الحديث يقوم وجوده على هذا القانون الإلهي, قانون لا تبديل لخلق الله , إذ العلم وطريقته النظرية والعملية والتجربية متوقفة على اتساق الفطرة واتصاف سننها بالاطراد والثبوت.
بل تعالوا نقرإ الآيات التي سبقت هذه الآية في سورة الروم:" فسبحان الله حين تمسون وحين تصبحون وله الحمد في السماوات والأرض وعشيا وحين تظهرون.
يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي ويحيي الأرض بعد موتها... وكذلك تخر جون! ومن آياته أن خلقكم من تراب, ثم إذا أنتم بشر تنتشرون! ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة, إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون! ومن آياته خلق السماوات والأرض واختلاف ألسنتكم وألوانكم; إن في ذلك لآيات للعالمين! ومن آياته منامكم . بالليل والنهار وابتغاؤكم من فضله; إن في ذلك لآيات لقوم يسمعون! ومن آياته يريكم البرق خوفا وطمعا , وينزل من السماء ماء فيحيي به الأرض بعد موتها إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون! ومن آياته أن تقوم السماء والأرض بأمره, ثم إذا دعاكم دعوة من الأرض إذا أنتم تخرجون .
تسع آيات كلها كونية تتعلق بظواهر طبيعية, لا يدرسها ولا يبحثها ويكشف عن أسرارها إلا العلم التجربي الحديث.... جمع الله للإنسانية فيها بين العلم والدين, ومزجهما للمفكرين مزجا يدهش ويبهر, وصار به العلم في الإسلام جزءا من الدين, ميزة للإسلام وحده من بين الأديان !
وإن شئت توكيدا لذلك لا مزيد له, فأعد قراءة قوله تعالى: (ومن آياته خلق السماوات والأرض واختلاف ألسنتكم وألوانكم; إن في ذلك لآيات للعالمين( لتعلم أن المراد بالعال مين هنا ليسوا العلماء بالمعنى العام, ولكن العلماء الدارسين للسماوات والأرض وأسرار خلقها, ولأجناس الناس والشعوب وأسرار اختلافهم ... وهؤلاء هم العلماء بالمعنى العلمي الحديث .
أعود إلى أولئك النفر من قريش الذين استمعوا إلى رسول الله e(يخاطبهم بذلك الخطاب العجيب: اقرأ ... كيف كان ردهم على تلك السورة التي تجمع علم الجنين إلى علم النفس, وتذكر بالرب الذي خلق, والذي علم, والذي إليه المرجع والمآب, وتحث على السجود الذي يحقق غاية الاقتراب .
كان ردهم: "أشهد أن لا إله إلا الله, وأشهد أن محمدا رسول الله". هكذا, بكل بساطة أيقنوا أن هذا الكلام الذي لم يعهدوه ولم يسمعوا بمثله, وهم كانوا سادة الكلام وأبلغ البلغاء, لا يمكن أن يكون من عند غير الله.. (ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا ).. وهم إنما وجدوه متسقا كل الاتساق, منسجما كل الانسجام, تتساوق فيه آيات الله في الأنفس مع آيات الله في التقوى .... ولم يفرقوا في ماعلمه الله بالقلم بين علم شرعي وعلم كوني .... بل لعل مما جعلهم يلبون داعي الله من فورهم, هذا التمازج والتضافر بين كلمات الله المحدودة في كتاب الله, وبين كلمات الله التي لا حدود لها في الأنفس والآفاق:" ولو أن ما في الأرض من شجرة أقلام والبحر يمده من بعده سبعة أبحر ما نفدت كلمات الله" .
ثم تواصلت آي القرآن تترى على مدى ثلاثة وعشرين عاما , يطالع الناس فيها دائما ما طالعهم في الآيات الأول, من توكيد لدني على هذا التناغم بين العلم والإيمان, وتلفت أنظارهم إلى هذا الكون بأفسح آفاقه وبأدق تفاصيله على حد سواء :
ـ " أولم ينظروا في ملكوت السماوات والأرض " [الأعراف: 185]
ـ " أفلم ينظروا إلى السماء فوقهم" [ ق: 6]
ـ " أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت, وإلى السماء كيف رفعت, وإلى الجبال كيف نصبت وإلى الأرض كيف سطحت " [الغاشية: 17 ـ 20 ]
ـ " فانظر إلى آثار رحمة الله: كيف يحيي الأرض بعد موتها" [الروم: 50]
ـ " انظروا إلى ثمره إذا أثمر وينعه " [الأنعام: 99]
ـ " انظروا ماذا في السماوات والأرض " [يونس: 101]
ـ " سيروا في الأرض فانظروا كيف بدأ الخلق" [العنكبوت: 20]
ـ " ... أفرأيتم ما تحرثون? "
ـ " ... أفرأيتم الماء الذي تشربون?"
ـ " ... أفرأيتم النار التي تورون?" [الواقعة: 63, 68, 71]
ـ " ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء فتصبح الأرض مخضرة" [الحج: 63]
ـ " ألم تر أن الله سخر لكم ما في الأرض " [الحج: 43]
ـ " ألم تر أن الله يزجي سحابا ثم يؤلف بينه" [النور: 63]
ـ " ألم تر أن الله يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل" [لقمان: 29]
ـ " ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء فأخرجنا به ثمرات مختلفا ألوانها" [فاطر: 27]
ـ " ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء فسلكه ينابيع في الأرض " [الزمر: 21]
ـ " ألم تر أن الله سخر لكم ما في السماوات وما في الأرض " [لقمان: 20]
ـ " أو لم يروا إلى ما خلق الله من شيء" [النحل: 48]
ـ " أو لم يروا إلى الأرض كم أنبتنا فيها من كل زوج كريم" [الشعراء: 7]
ـ " أو لم يروا أنا نسوق الماء إلى الأرض الجرز" [السجدة: 27]
ـ " أفلم يروا إلى ما بين أيديهم وماخلفهم من السماء والأرض [سبأ: 9]
ـ " فارجع البصر هل ترى من فطور" [الملك: 3]
سبع آيات القرآن الكريم من هذا القبيل!
ولم يكن صحابة رسول الله ولا تابعوهم ولا من تبعهم بإحسان يصنفون العلوم إلى علوم شرعية وعلوم كونية, وإنما كانوا يقتدون بهدي النبي e في تقسيم العلم إلى علم نافع وعلم لا ينفع. وقد صح عنه صلوات الله وسلامه عليه أنه كان يسأل الله علما نافعا, وأنه كان يستعيذ بالله من علم لا ينفع. وقد ضرب القرآن الكريم مثلا للعلم الذي لا ينفع في قصة هاروت وماروت : "ويتعلمون ما يضرهم ولا ينفعهم, ولقد علموا لمن اشتراه ما له في الآخرة من خلاق; ولبئس ما شروا به أنفسهم لو كانوا يعلمون " .
فكل علم ينفع الناس هو علم إسلامي, وهو علم مشروع, وهو علم حق. فالحق غاية العلم .... والله قد أنزل الكتاب بالحق كما خلق السماوات والأرض بالحق. والحق ما ينفع الناس, فقد قال ربنا عز وجل في سورة الرعد: (كذلك يضرب الله الحق والباطل: فأما الزبد [=الباطل] فيذهب جفاء, وأما ما ينفع الناس [=الحق] فيمكث في الأرض).
وقد جعل النبي صلى الله عليه وسلم طلب هذا العلم النافع فريضة على كل مسلم, ذكرا كان أم أنثى, ولو أن منه ما هو فرض عين ومنه ما هو فرض كفاية. وانظر إلى قوله صلوات الله عليه "طلب العلم", لتعرف لماذا أجهد المسلمون أنفسهم في تطلبه, ولماذا بحثوا عنه في كل مكان ولم يجدوا حرجا في أخذه من أي وعاء خرج, ولماذا اتجهت أمة الإسلام بعد عصر الراشدين, الذي فتح على الإسلام قلوب الناس, تنفتح على العالم من حولها تتلمس كل علم ينفع الناس ولكن الذي يلفت النظر ويثير الدهشة, أن هذه الأمة بعد أن قضت فترة الحضانة العلمية في أيام الراشدين إن صح التعبير, قد انفتحت على العالم وهي في مرحلة نضج ثقافي وعلمي ظاهرين. وعن قصد ما أقول "ثقافي " و"علمي " مميزا كما ينبغي أن يكون بين الثقافة وبين العلم, إذ الثقافة مقصورة على أمة بعينها, والعلم مشاع بين خلق الله جميعا , يشتركون فيه مهما اختلفت الملل والعقائد.
والثقافة بالنسبة إلى الفرد تعني أصولا ثابتة, تنغرس في نفس "الإنسان" منذ مولده ونشأته الأولى, حتى يشارف حد الإدراك البين, جماعها كل ما يتلقاه عن أبويه وأهله وعشيرته ومعلميه ومؤدبيه, حتى يصبح قادرا على أن يستقل بنفسه. فإذا استقل, استبد عقله بتقليب النظر, وإعمال الفكر, وممارسة التنقيب والبحث, ومعالجة التعبير عن الرأي. وللغة دورها الأكبر في ترسيخ الأصول التي تنغرس, وإيصال المعارف الأولى التي تعين على التواصل.
هذا ما كان من أمر ثقافة الفرد . أما ثقافة الأمة فهي حصيلة ثقافات أبنائها, المثقفين بقدر مشترك, وهي مرآة جامعة , في حيزها المحدود, كل ما تشعث وتشتت وتباعد من ثقافة كل فرد من أبنائها, على اختلاف مقاديرهم ومشاربهم ومذاهبهم ومداخلهم ومخارجهم في الحياة. وجوهر هذه المرآة هو اللغة. وللدين في ثقافة الفرد وثقافة الأمة شأن كبير ودور رئيس, كتابيا كان الدين أم وثنيا أم غير ذلك. حتى لقد قال "إليوت" بحق : إن ثقافة الشعب ودين الشعب مظهران مختلفان لشيء واحد, لأن الثقافة في جوهرها تجسيد لدين الشعب.
والثقافات المتباينة تتحاور وتتناظر وتتناقش, ولكنها لا تتداخل تداخلا يفضي إلى الامتزاج البتة, ولا يأخذ بعضها عن بعض شيئا إلا بعد عرضه على أسلوبها في التفكير والنظر والاستدلال, فإن استجاب لأسلوبها قبسته وعدلته وخلصته من الشوائب, وإن استعصى نبذته واطرحته اطراحا .
والناظر في ثقافة أمة أخرى غير أمته, إنما ينظر فيها لأحد أمرين: إما ليكسب منها شيئا لأمته وثقافته, وإما ليناظر ويناقش. وهو في كلا الأمرين واقع في مأزق ضيق" مأزق اللغة ومأزق الثقافة.لايستطيع أن يأخذ إلا بمقدار ما فهم من لغة غريبة أصلا عن لغته, ولا يستطيع أن يناقش إلا على قدر ما يتصور أنه استبانه وأدركه من ثقافة غريبة عن ثقافته.
وأعود إلى أمتنا التي ذكرت أنها انفتحت على العالم من حولها, وهي في مرحلة نضج "ثقافي " و"علمي " ظاهرين.
أما الثقافة فقد أنضجها الإسلام, بعد أن قطع كل صلة لهذه الأمة بمعاملات الجاهلية وثارات الجاهلية ومآثر الجاهلية, وأحل محل ذلك ثقافة : قوامها كتاب, يأمر أول ما يأمر بالقراءة, ويقسم أول ما يقسم بالقلم والكتابة, ويدعو في كثير من آياته إلى التفكير والتنقيب والبحث في الكون والكائنات, ويفاضل بين الذين يعلمون والذين
لايعلمون, وبين الذين أوتوا العلم والذين لم يؤتوه..... ومؤدي هذا الكتاب رسول يفضل مجلس العلم على مجلس الذكر, ويقسم الناس إلى عالم ومتعلم وهمج لاخير فيه, ويوازن بين مداد العلماء ودماء الشهداء, ويجعل الحكمة ضالة المؤمن, أنى وجدها فهو أولى بها.
وأما العلم فقد كان منه بادئ ذي بدء علوم مبتكرة تنظم ضوابط اللغة التي هي قوام الثقافة..... وتلك علوم اللغة والنحو والعروض; وكان منه علوم تحدد التعامل على مستوى الفرد والأسرة والمجتمع ..... وذلك علم الفقه; وكان منه علوم تضبط فهم مصادر الفكر والتشريع والسلوك, وتكفل سلامة النصوص الناظمة لجميع شؤون الحياة..... وتلك علوم التفسير والحديث ..... وكل أولئك علوم عربية إسلامية بحتة, أبدعتها عقول أبناء هذه الأمة على غير مثال سبق .
وهذا هو النضج العلمي والثقافي الذي أتحدث عنه. فهذه العلوم الخاصة التي ابتكرتها هذه الأمة, وابتدعت أصولها ومناهجها, وأرست لها أركان النهج الفكري المستقيم, ونواظم إعمال العقل إعمالا ليس له حدود... أقول: هذه العلوم الخاصة الأصيلة أعدت هذه الأمة لاستقبال العلوم التي لم يكن لها بها عهد . وتلك الثقافة التي كانت تهيمن على الضمائر والمواقف, جعلت الأمة تنفتح على الثقافات الأخرى بلا حرج ولا عقد, ولكنها جعلتها كذلك تقف منها موقف العالم المتبصر, وموقف الناقد المستنير. فلم تأخذ من الحضارة اليونانية مثلا شيئا من أدب اليونان ولا شعرهم ولا فنهم ولا دراماهم ولاميثولوجيتهم, ولكنها اغترفت من هذه الحضارة ما استطاعت من علوم الطب والطبيعة, وتخيرت وانتقت ما شاءت من الحكمة والفلسفة.
وقد كان عجبا من العجب, لم يشهده التاريخ من قبل أو بعد, أن أمة فاتحة, تملي شروط الصلح على المغلوبين, فتطلب إليهم أن يقدموا لها كتب العلم والفلسفة غرامة حربية.... هذا ما فعله العرب في صلحهم مع الروم, وهذا وحده دليل قاطع , على أنهم كانوا على استعداد لقبول هذه العلوم, وأنهم كانوا على قدر من التقدم الفكري يسمح لهم باستيعاب هذه العلوم, بل غربلتها وانتخالها, بل تثوير أعماقها والخروج منها بمبتكرات لم تخطر على البال .