موده
10-22-2006, 02:02 AM
دور العلماء والباحثين العرب في التأطير المعرفي المستقبلي للأمة العربية
المتأمل في صيرورة المنظومة الحضارية العربية ـ الإسلامية, يقف اليوم مندهشا أمام قوة وغزارة التراث الفكري الذي تركه لنا أجدادنا والذي تجاوز الثلاث ملايين مخطوطة محررة أساسا باللغة العربية ومبثوثة في أهم مكتبات العالم اليوم. أما ما أحرق منها أو ضاع أو لم يقع بعد اكتشافه لدى الخواص, فحدث ولا حرج. وبالإضافة إلى ذلك فإن مدونة الآثار المعمارية الرائعة والتي مازالت قائمة لتشهد على نبوغ عباقرة هذه الأمة وعلمائها ومفكريها وأدبائها, فهو دليل آخر على مدى الأهمية الحضارية لهذا التراث, ولنا في الحيز المكاني الأندلسي والمغاربي والمشرقي والآسيوي عموما, أروع الشواهد الناطقة على ذلك.
ولسائل أن يتساءل كيف تسنى في الماضي لهذه الأمة العربيةـ الإسلامية أن تحقق مثل هذه الإنجازات الخالدة في شتى الميادين? وهل كان ذلك هبة منحتها لنا العناية الربانية دون تقديم أي جهد في ذلك? أم هو بالفعل حصيلة منطقية لنبوغ العلماء العرب.المسلمين وباحثيهم وهم الذين كانوا وراء هندسة تحقيق تلك الإنجازات الحضارية والمعرفية التي تمت بفضل ما توفر من مناخ مشجع أمد مجتمع العلم والعلماء والباحثين بشحنات الإبداع الحضاري على الدوام وتمتعوا فيه باحترام وتقدير وتشجيع ليس فقط من الأمراء والخلفاء ولكن من مختلف شرائح المجتمع وموسيره من أجل تقويم وتطوير المعرفة والعلم!
إننا نذهب إلى الاعتقاد أن حضارتنا العربية ـ الإسلامية لم تكن أبدا هدية من السماء, ولكنها واقع وحقيقة صيرورة حتمية لدور العلماء والباحثين والمبدعين المتواصل في هذا التتويج الحضاري والذي تم في مناخ بناء من حرية التعبير والتقدير المطلق للكفاءات والنبوغ والإبداع.
وإننا اليوم في نفس الوقت الذي تتراءى لنا فيه بانوراما هذه الحضارة بثوابتها ومرتكزاتها وسجل إنجازاتها العديدة, يتبادر إلى الذهن السؤال عن أسباب فشل أمتنا خلال الخمسين سنة الماضية بعدم توفيقها لتحقيق التحول الحضاري المنشود, وما هي الأسباب المباشرة في ذلك?
وعلى ضوء هذه التساؤلات, سنتناول في هذه الورقة مختلف الأسباب التي حالت إلى اليوم دون الانطلاقة الحقيقية لدور العلماء والباحثين العرب وكذا المسلمين في ذلك!
إن المتتبع لتصريحات المسؤولين الجامعيين عن اهتمام الدول العربية بالبحث العلمي وبالعلماء وما يحظى به الباحثون لديها من عناية واهتمام, ثم بالرجوع إلى الإحصائيات شبه الرسمية حول هذا القطاع, يخرج بانطباع براق وإيجابي جد ا حول المكانة "اللائقة" التي يتمتع بها الباحثون والعلماء لديها. غير أن الواقع يترجم عكس ذلك تماما. ودون أن ندخل في سرد الوضع السلبي للباحثين والعلماء العرب, يتبادر إلى الذهن التساؤل المحرج التالي: ما هو موقف الأنظمة السياسية تجاه هذه الشريحة من العلماء والباحثين العرب? وهل أدركت دورهم الجوهري في جدلية التنمية? ثم هل وفرت لهم المخابر والإمكانيات المادية الضرورية وإنشاء المدن المعرفية وعلى الأخص العمل على تبني القوانين الملائمة وتعيين الأطر الكفأة المسيرة لمؤسسات المعرفة والبحث العلمي في الوطن العربي?
أمام هذه التساؤلات المباشرة سنعرض هنا, بعض الأفكار التي حصلت لنا نتيجة مواكبتنا للأوضاع العامة لمسيرة البحث العلمي في الوطن العربي ومدى الإحباط الإداري والنفسي الذي يعيشه مجتمع العلماء والباحثين أمام دقة وحرج وضعهم العام والذي يستحق أكثر من وقفة تحليلية:
إنه على الرغم من إعلان عديد الدول العربية منذ عشرات السنين منحها قطاع البحث العلمي, الأولوية في اهتماماتها واستراتيجيتها المستقبلية وتوفير كل الظروف المادية واحترام حرية رأي الباحثين وتركها المجال لهم لتناول جميع القضايا والمسائل التي يستوجبها تحركهم البحثي وحرية نشر تلك البحوث, فإن هذه الطموحات الجميلة قد تعث رت بحكم عد ة عوامل سوف نأتي عليها في إطار هذه المعالجة. كذلك أعلنت أكثر من دولة عربية عزمها على إنشاء فضاءات لمدن للعلم والعلماء, إلا أنها لم توفق في إنجاز وتحقيق ذلك. وحتى بعض الدول البترولية في المشرق والمغرب العربيين على حد سواء التي تمكنت من ذلك, فقد أفرغت تلك المدن من أنشطتها وفعالياتها وهياكلها وبرامجها البحثية وتم تهجير الباحثين منها لعدة أسباب, لعل أهمها في نظرنا انعدام ممارسة حرية البحث العلمي فيها وسيطرة وتوجيه دواليب الحزب والدولة الرسمية على مشاريعها البحثية, ثم النزعة الحزبية المشطة التي ترفض منح الثقة إلى الباحثين والعلماء الأكفاء والمستقلين سياسيا وفكريا, لقبول نتائج بحوثهم حول عديد القضايا الاجتماعية والسياسية والمعرفية وحتى تلك تمس حياتنا وسلوكنا ومشاعرنا الدينية بصفة خاصة.
إن العقلية الإدارية التي ورثناها عن العهد الاستعماري الغربي, قد قضت بعدم السماح مطلقا بتشريع المؤسسات العلمية الخاصة ومنحها صلاحية تبني المشاريع وإنجازها. وهو ما يعد خطأ فادحا وخطيرا جدا خاصة في ظل العولمة الرهيبة التي أتت على كل المضامين والسياسات التقليدي ة التي طبقت في السابق وباءت بالفشل الذريع. وإنه لا مفر لنا البتة من تحرير وحرية البحث العلمي وإيجاد القوانين لإرساء المؤسسات العلمية الخاصة والتي يمكن اعتبارها البديل الوحيد والذي لا مفر لنا منه بالنسبة للوطن العربي برمته. لنتأمل في هذا المجال ونذكر هنا بمؤسسات علمية يرثى لحالتها في معظم الدول العربية, حيث لا رقابة علمية عليها وكان الأجدر بالوزارات المعني ة أن تحسن اختيار المسؤولين الباحثين على تسييرها, بل على العكس من ذلك, يتم وعلى مرأى ومسمع من مجتمع الباحثين والعلماء الجادين والعاملين, التمادي في الإساءة إلى تلك المؤسسات باختيار أسوإ الإداريين الجامعيين الحزبيين والموالين وهم غير أكفاء تماما, وليس لديهم سوى استراتيجي ة العلاقات المصلحية أو الانتماء الولائي الظاهري لا المبدئي والعقائدي أو الولاء العشائري والقبلي. وقد لعب المقربون من السلط السياسية العليا, دورا سلبيا وخطيرا جد ا في اختيار وتعيين أولئك الإداريين غير الأكفاء تماما والمتميزين بفراغهم الفكري وضحالة إنتاجهم العلمي وعدم إيمانهم بجدلية التواصل مع مجتمع الباحثين في الوطن العربي أنى كانوا, وهذا ما ساهم مباشرة في تهميش المؤسسات العلمية ذات المصلحة الوطنية العليا في عديد البلاد العربية. ناهيكم عن التعيينات الاعتباطية الصارخة, كتعيين جنرالات في الجيش أو إداريين بيروقراطيين بعيدين عن تلمس ومقاربة وفهم الإشكاليات الدقيقة لوزارات التعليم العالي أو مراكز البحوث العلمية المهمة في البلد الواحد ! أين هي العقلانية في تبني هذه التعيينات الاعتباطية? وهل خدمت المصلحة الوطنية العليا للبلاد العربية? إنه الاحتقار الكامل والتحد ي الساخر والصارخ والذي يترجم عن مدى التهميش والإرهاب الإداري الذي مارسه عدد من الأنظمة السياسية العربية تجاه المؤسسات العلمية والعلم والعلماء والباحثين وعدم إيلائهم المكانة اللائقة في منظومة التنمية الحقيقية للبلاد العربية, وهو ما يفس ر مدى فشل تلك المؤس سات البحثية, فشلا ذريعا وخطيرا جدا, وكان وراء صرف الميزانيات بطريقة بهلوانية وإضاعة الوقت والمجهودات دون مردود علمي حقيقي. بل هناك عديد المؤسسات ذات التوجه الإقليمي البحت وحيث كان مردودها وإشعاعها العلمي محدودا جد ا, ولدينا في ذلك أكثر من دليل على هذا الفشل الذي لحق عددا من المؤسسات العربية وأدى إلى ممارسة سياسة الإخلال المتعمد والاحتقار لمجتمع الباحثين والعلماء الذين يعدون النخبة المفكرة والواعية, إذ هي القادرة على فهم وشرح طبيعة وجوهر كل الاختيارات الظرفية الثقافية والاقتصادية والسياسية التي تبنتها الأنظمة السياسية العربية.
نذهب إلى الاعتقاد أن الواجب يحتم على الدول تقدير علمائها وباحثيها ومنحهم الأولية في سلم اهتماماتها وجعلهم يتمتعون بحرية التعبير الأكاديمية المسؤولة والوطنية في مجال تخص صاتهم المختلفة. أسوة بما حصل لعلمائنا وباحثينا في عصور ازدهار الحضارة العربية.الإسلامية الخالدة. إن تقدير العلماء والباحثين واجب الجميع, وهذا في نفس الوقت الذي يعمل فيه رؤساء الجمهوريات والأمراء في الوطن العربي على استقبال المئات من لاعبي كرة القدم وتغطية مبارياتهم الكثيرة بمئات الملايين من الدولارات وترضية مطالبهم المادي ة جزافا … إنه الزمن الصارخ بالتناقضات والتجاوزات العديدة والتي تتفاعل وتتكاثر كل يوم, لتجعل من الباحثين والعلماء عناصر غير مرغوب فيها ويتم التعامل معها بحذر شديد ومراقبتها هاتفيا وملاحقة كتاباتها وأفكارها داخليا وخارجيا, وهو أمر في غاية الدلالة على هذا التهميش الفعلي...وهناك عديد المسائل الدقيقة المحرمة والتي يستحيل على الباحثين معالجتها وحتى إثارتها في هذا الزمن الرديء والذي من أهم سماته, تغييب الحقائق والملفات الكبرى وحرق الأرشيفات الرسمية وإلجام الأفواه وعدم تناول عديد المسائل والقضايا المرتبطة بمجتمع الباحثين والعلماء العرب وممارسة الرقابة الذاتية على أوسع نطاق.
ومن جهة أخرى نؤكد أن جميع مجتمعات البلاد العربية خلال النصف الثاني من القرن العشرين, لم تعرف بروز هيئات أو مؤسسات لعلماء وباحثين حقيقيين ومستقلين داخل الوطن العربي, ممن كانوا وراء تبني المخططات الشاملة والوطنية لوضع فلسفة وأسس انطلاق تنمية البلاد العربية. وإن هيكل ومحتوى التدريس بالجامعات العربية والقائمين عليه, لم ينتجوا علماء حقيقيين ولا باحثين متميزين في تخصصاتهم, إلا نادرا جدا وفي بعض الحالات الاستثنائية. وأن موقع الجامعيين العرب على صعيد الخريطة المعرفية الدولية ضعيف تماما. فليست هناك مدارس فكرية تتميز بنظرياتها الأصلية والجديدة وباستقلال رأيها وممارسة حريتها الفكرية في كل القضايا وتوجت مسيرتها البحثية وواكبها مجتمع الباحثين الدوليين, باعتبارها مرجعيات أساسية دولية في تخصصها. بل أن الذي نلاحظه بكل أسف شديد, مدى الغياب الصارخ لموقع العلماء والباحثين العرب على الصعيد الدولي. والذي يؤكد هذه الحقيقة المخجلة, هو عدم صرف مجتمع العلماء والباحثين الأجانب, أدنى عناية أو اهتمام لما ينتجه الباحثون العرب في قطاع العلوم الإنسانية إلا نادرا جدا, وهو المجال الوحيد الذي بإمكان العرب أن يبرزوا فيه. وهذا الأمر يفسر العدد المحتشم جد ا من الدراسات والكتب التي نقلت من العربية إلى اللغات الأجنبية والتي لا تتجاوز بعض العشرات فقط; ولا أثير هنا التآليف التي حررها في الأساس الباحثون العرب المقيمون خارج الوطن العربي, ببعض اللغات وهذا بحكم معرفتهم لتلك اللغات الأجنبية فقط. إذ ذلك, لا يمنحنا أي مؤشر على مكانة العلماء والباحثين العرب اليوم على صعيد الخريطة المعرفية الدولية. أما العلوم الصحيحة, فلا أخالني إلا مؤكدا استحالة قيامنا بأي مقاربة !
كذلك لنشرح الآن طبيعة هذا التسطيح المعرفي والفراغ الفكري ثم اللامبالاة والخوف القاتل الذي أصبح يهد د مجتمع الباحثين والعلماء من هذه الظاهرة الجديدة والقاضية بإعطاء الصلاحية القانونية لمنح درجة الدكتوراه لمن هب ودب على مستوى عديد الكليات والتي لم تكتسب شيئا من صناعة العلم والبحث, وأصبح عشرات المئات بل الآلاف من حاملي درجة الدكتوراه العرب يصولون ويجولون ولا يهمهم إلا الكسب والربح بهذه الألقاب التي وجدت رواجا في الفضاء الجامعي المشرقي بصفة خاصة كما وجدوا لدى سماسرة المعلومات تشجيعا كبيرا لكسب هذه الألقاب, بحيث أصبح من النادر جد ا وجود جامعيين ذوي بنية فكرية متينة ومؤمنة بدورها ورسالتها الحضارية لتقاوم خطط المئات من الشركات النكرة والتي تدعي أنها تخدم العلم والعلماء والباحثين العرب. بل أن الأشنع من ذلك اليوم هو تساهل الجامعات الأورو.أمريكية وجامعات ما عرف بالمعسكر الشرقي سابقا بمنح درجة الماجستير والدكتوراه للطلبة العرب الموفدين إليها, وحيث تخرج منها الآلاف وكانوا أكبر نكسة حلت بهيكلية الجامعات العربية وقضت تماما على سمعتها المتواضعة جد ا بعدما كانت محل تقدير نسبي في النصف الأول من القرن العشرين وفي بعض فضاءاتها الجامعية العربية.
كل هذه الأسباب دفعت السلط الجامعية لترك الحبل على الغارب وعدم الأخذ بالاعتبار للشريحة الجامعية الجادة والمؤمنة للقيام بدورها الطلائعي في جدلية ترسيخ القيم البحثية الأساسية وتأمين حرية التعبير لتدريس جامعي متطور ومواكب لآخر المستجدات والمعلومات الفاعلة في سيرورة المعرفة والبحث العلمي, بل أن الذي نلاحظه أن عددا كبيرا جدا من الجامعيين والباحثين قد استوعبتهم واشترتهم السلط السياسية, مقابل صمتهم الرهيب أمام التجاوزات التي يتعر ض لها مجتمع الباحثين والعلماء العرب, ودون أن يكلفوا أنفسهم عناء الدفاع عن أبسط المقومات لأمهات القضايا. وعليه فإن النتيجة الحتمية هي إقصاء آلي لمجتمع الباحثين والعلماء, إلا بعض المحظوظين سياسيا وحزبيا وولائيا وهم عدد قليل جدا. وإن الذي يؤكد هذا الأمر هو عدم وجود فضاءات للحوار المنتظم بين الباحثين أنفسهم وبين السلط السياسية التي رفضت دوما الأخذ بالاعتبار لآراء وتحاليل ومواقف الباحثين المستقلين, تجاه عديد القضايا "المحرم" معالجتها رسميا. وهو أمر في غاية الدلالة ليترجم عن وجود مستويين متقابلين تماما, استحال معه وجود أرضية تكامل وتفاهم بينهما وأبرزت مدى القطيعة بينهما.
لا نريد أن نطيل في تحليل الحقائق المخجلة التي أوصلتنا إياها إرهاصات تلك العينات الاعتباطية والتي خدمت فقط مصالح بعض الأشخاص دون الأخذ بالاعتبار المصلحة الوطنية العليا. كما نثير هنا وبإيجاز سريع, جانبا آخر من هذه الإشكالية التحقيرية لمجتمع الباحثين والعلماء في الوطن العربي. وهي المتعلقة أساسا بالظروف المادية البائسة التي يعيشها الباحث العربي في معظم البلاد العربية غير البترولية, فمعاشاتهم مزرية حقا ولا تمك نهم إطلاقا من التركيز على مشاغل واهتمامات المعرفة والبحث العلمي. وقد منعوا قصرا من المشاركة في المؤتمرات العربية والدولية, إلا ما ندر. وتطاولت عليهم الإدارات والبيروقراطية القاتلة عندما اضطر الباحث قصرا, أخذ الموافقة للمشاركة في مؤتمر عادي, وتطلب ذلك عشرات الإمضاءات من الإداريين, وهي الإمضاءات التي تستغرق شهرين أو ثلاثة, وهذا إلى درجة بث الرعب واليأس لديهم وإحباطهم تماما وهو ما يبرر مدى الضرر الفادح الذي يمارسه ذوو النفوذ والسلطة لتقزيم فئة الباحثين والعلماء في عدد كبير من جامعاتنا والتي أصبحت عبارة عن ثكنات للانكشاريين تدار بأيد من حديد, في حين كان الواجب منحها الأولي ة والصدارة في الاهتمام بها, ومدها بكل التسهيلات الضرورية لأداء واجباتها البحثية والمعرفية. وقد ذهب الأمر ببعض وزراء التعليم العالي العرب إلى التهديد بغلق الجامعات ومراكز البحث وتركيع الباحثين والأساتذة الذين طالبوا ببعض الحقوق المادية البسيطة جدا !
والسؤال الذي يطرح نفسه كيف السبيل للخروج من هذه الوضعية الحزينة جدا والتي إذا تواصلت في مطلع هذه الألفية الثالثة, فلسوف تكون لها نتائج وخيمة جدا أمام المتغيرات الرهيبة التي تعرفها منابر ومخابر المعرفة الدولية, ذلك أن العمل على تغيير هذه الأوضاع هي مسؤولية الجميع, جامعيين ومسؤولين وإداريين وهو ما يستوجب:
ـ وجود معايير وقيم وثوابت وميثاق شرف يحد د المهام العليا للباحث والعالم وواجباته وكذا واجبات الدولة تجاه مجتمع العلماء والباحثين من إتاحة المناخ الحقيقي في ظل حرية التعبير الأكاديمية المطلقة والمسؤولة ثم العمل على توفير الظروف المادي ة وموقعة الباحثين الأصيلين والعاملين موقعا صحيحا وسليما وفاعلا.
ـ السعي إلى إرساء حوار بين مجتمع الباحثين والسلط الجامعية وإقناع الطرفين بحتمية ذلك, وإن على الباحثين التخلي عن مركب الاستعلاء والغرور والتحدي. وإن على السلط السياسية والجامعية الأخذ بالاعتبار عددا من الثوابت والقيم الأساسية لدعم الباحثين والعلماء, بعيدا عن سياسة الإقصاء والتهميش المتعمد, إذ هناك بون شاسع بين المخططات الحكومية وواقع البحث الفعلي, وهو ما أضاع فرص التنسيق والتشاور بين الطرفين.
ـ إننا ننادي بتبني استراتيجية جديدة لتطوير آليات البحث العلمي والمعرفة, حتى يؤدي الباحثون والعلماء دورا جديدا اليوم, يتلاءم مع طبيعة التحد يات الحضارية الخطيرة جدا والتي نواجهها اليوم وسوف نواجهها بأكثر حدة, ولن يتمكنوا من ذلك إلا بعد أن يضعوا أنفسهم في مواقع المسؤولية الحضارية وإن واجب السلط السياسية من جهة أخرى هو العمل على إحلالهم موقعا جديدا يستجيب لكفاءاتهم وقدراتهم الإبداعية حتى يساهموا بحق في جدلية التنمية الشاملة للوطن العربي.
ـ وفي هذا الإطار أو ليس الأجدر بالدول العربية غنيها وفقيرها على حد سواء, السعي إلى إرساء هيئات عليا على مستوى البلاد العربية, تقطع مع الفشل الذريع التي سجلته المنظمات العديدة والمهتمة بالمعرفة والثقافة والعلوم منذ أكثر من ثلاثين سنة, بحيث تكون وظيفة هذه الهيئات العلمية العليا الأساسية, تقديم الخبرة الفنية لمختلف المؤسسات القائمة أو تلك التي يراد إنشاؤها الآن? ذلك أن أثرياء الوطن العربي اكتشفوا فجأة, كيف أن الاهتمام بالمخطوطات والثقافة والتراث والمعرفة والآداب عموما, يمكن وحده أن يخلد أسماءهم في سجل التاريخ. وهو ما برر الآن إنشاء عشرات المؤسسات التي يديرها إداريون انتدبوا دون الأخذ بالاعتبار لمؤهلاتهم الفكرية أو التخطيطية. وعليه فإن من أهم وظائف هذه الهيئات العلمية العليا هو العمل على مساعدة المؤسسات الجادة وإقناعها بجدوى التخصص دون التضارب مع بقية المؤسسات المشابهة ثم انتداب الكفاءات العربية المحلية أو المهاجرة احتراما للعلم والعلماء, في مختلف الميادين ومحاربة هذا التوجه العام الجديد المتسم بغلبة التيار الإقليمي الضيق التفكير والأفق وصرف المبالغ الضخمة مقابل مجلة أقل من المتواضعة علميا ومعرفيا أو مجلات فوضوية أخرى دون أي محتوى معرفي أصيل, وكانت بذلك واجهة براقة وتشريفاتية فقط, وهي مجلات استهلاكية محلية. هل درى هؤلاء القائمون على هذه المؤسسات أنهم أساءوا حقا إلى جوهر العلم والعلماء العرب وأن بطانة المستشرين في كل البلاد العربية, قد غيبوا الحقائق الساطعة وضللوا رؤساءهم وأمراءهم المتنفذين, وهو الأمر الذي يفسر مدى التعتيم المتواصل لمجتمع الباحثين والعلماء في البلاد العربية.
وختاما إن مستقبل الأمة العربية يتوقف على ما نوليه من اهتمام ورعاية لمجتمع العلماء والباحثين, وتوفير مناخ حرية التعبير الأكاديمية المسؤولة ليوقعوا أمتهم في جدلية التأطير المعرفي الدولي والذي لم يعد يرضى بأشباه العلماء والباحثين والمتطاولين على العلم والعلماء وما أكثرهم اليوم في البلاد العربية!
الدكتور عبد الجليل التميمي
المتأمل في صيرورة المنظومة الحضارية العربية ـ الإسلامية, يقف اليوم مندهشا أمام قوة وغزارة التراث الفكري الذي تركه لنا أجدادنا والذي تجاوز الثلاث ملايين مخطوطة محررة أساسا باللغة العربية ومبثوثة في أهم مكتبات العالم اليوم. أما ما أحرق منها أو ضاع أو لم يقع بعد اكتشافه لدى الخواص, فحدث ولا حرج. وبالإضافة إلى ذلك فإن مدونة الآثار المعمارية الرائعة والتي مازالت قائمة لتشهد على نبوغ عباقرة هذه الأمة وعلمائها ومفكريها وأدبائها, فهو دليل آخر على مدى الأهمية الحضارية لهذا التراث, ولنا في الحيز المكاني الأندلسي والمغاربي والمشرقي والآسيوي عموما, أروع الشواهد الناطقة على ذلك.
ولسائل أن يتساءل كيف تسنى في الماضي لهذه الأمة العربيةـ الإسلامية أن تحقق مثل هذه الإنجازات الخالدة في شتى الميادين? وهل كان ذلك هبة منحتها لنا العناية الربانية دون تقديم أي جهد في ذلك? أم هو بالفعل حصيلة منطقية لنبوغ العلماء العرب.المسلمين وباحثيهم وهم الذين كانوا وراء هندسة تحقيق تلك الإنجازات الحضارية والمعرفية التي تمت بفضل ما توفر من مناخ مشجع أمد مجتمع العلم والعلماء والباحثين بشحنات الإبداع الحضاري على الدوام وتمتعوا فيه باحترام وتقدير وتشجيع ليس فقط من الأمراء والخلفاء ولكن من مختلف شرائح المجتمع وموسيره من أجل تقويم وتطوير المعرفة والعلم!
إننا نذهب إلى الاعتقاد أن حضارتنا العربية ـ الإسلامية لم تكن أبدا هدية من السماء, ولكنها واقع وحقيقة صيرورة حتمية لدور العلماء والباحثين والمبدعين المتواصل في هذا التتويج الحضاري والذي تم في مناخ بناء من حرية التعبير والتقدير المطلق للكفاءات والنبوغ والإبداع.
وإننا اليوم في نفس الوقت الذي تتراءى لنا فيه بانوراما هذه الحضارة بثوابتها ومرتكزاتها وسجل إنجازاتها العديدة, يتبادر إلى الذهن السؤال عن أسباب فشل أمتنا خلال الخمسين سنة الماضية بعدم توفيقها لتحقيق التحول الحضاري المنشود, وما هي الأسباب المباشرة في ذلك?
وعلى ضوء هذه التساؤلات, سنتناول في هذه الورقة مختلف الأسباب التي حالت إلى اليوم دون الانطلاقة الحقيقية لدور العلماء والباحثين العرب وكذا المسلمين في ذلك!
إن المتتبع لتصريحات المسؤولين الجامعيين عن اهتمام الدول العربية بالبحث العلمي وبالعلماء وما يحظى به الباحثون لديها من عناية واهتمام, ثم بالرجوع إلى الإحصائيات شبه الرسمية حول هذا القطاع, يخرج بانطباع براق وإيجابي جد ا حول المكانة "اللائقة" التي يتمتع بها الباحثون والعلماء لديها. غير أن الواقع يترجم عكس ذلك تماما. ودون أن ندخل في سرد الوضع السلبي للباحثين والعلماء العرب, يتبادر إلى الذهن التساؤل المحرج التالي: ما هو موقف الأنظمة السياسية تجاه هذه الشريحة من العلماء والباحثين العرب? وهل أدركت دورهم الجوهري في جدلية التنمية? ثم هل وفرت لهم المخابر والإمكانيات المادية الضرورية وإنشاء المدن المعرفية وعلى الأخص العمل على تبني القوانين الملائمة وتعيين الأطر الكفأة المسيرة لمؤسسات المعرفة والبحث العلمي في الوطن العربي?
أمام هذه التساؤلات المباشرة سنعرض هنا, بعض الأفكار التي حصلت لنا نتيجة مواكبتنا للأوضاع العامة لمسيرة البحث العلمي في الوطن العربي ومدى الإحباط الإداري والنفسي الذي يعيشه مجتمع العلماء والباحثين أمام دقة وحرج وضعهم العام والذي يستحق أكثر من وقفة تحليلية:
إنه على الرغم من إعلان عديد الدول العربية منذ عشرات السنين منحها قطاع البحث العلمي, الأولوية في اهتماماتها واستراتيجيتها المستقبلية وتوفير كل الظروف المادية واحترام حرية رأي الباحثين وتركها المجال لهم لتناول جميع القضايا والمسائل التي يستوجبها تحركهم البحثي وحرية نشر تلك البحوث, فإن هذه الطموحات الجميلة قد تعث رت بحكم عد ة عوامل سوف نأتي عليها في إطار هذه المعالجة. كذلك أعلنت أكثر من دولة عربية عزمها على إنشاء فضاءات لمدن للعلم والعلماء, إلا أنها لم توفق في إنجاز وتحقيق ذلك. وحتى بعض الدول البترولية في المشرق والمغرب العربيين على حد سواء التي تمكنت من ذلك, فقد أفرغت تلك المدن من أنشطتها وفعالياتها وهياكلها وبرامجها البحثية وتم تهجير الباحثين منها لعدة أسباب, لعل أهمها في نظرنا انعدام ممارسة حرية البحث العلمي فيها وسيطرة وتوجيه دواليب الحزب والدولة الرسمية على مشاريعها البحثية, ثم النزعة الحزبية المشطة التي ترفض منح الثقة إلى الباحثين والعلماء الأكفاء والمستقلين سياسيا وفكريا, لقبول نتائج بحوثهم حول عديد القضايا الاجتماعية والسياسية والمعرفية وحتى تلك تمس حياتنا وسلوكنا ومشاعرنا الدينية بصفة خاصة.
إن العقلية الإدارية التي ورثناها عن العهد الاستعماري الغربي, قد قضت بعدم السماح مطلقا بتشريع المؤسسات العلمية الخاصة ومنحها صلاحية تبني المشاريع وإنجازها. وهو ما يعد خطأ فادحا وخطيرا جدا خاصة في ظل العولمة الرهيبة التي أتت على كل المضامين والسياسات التقليدي ة التي طبقت في السابق وباءت بالفشل الذريع. وإنه لا مفر لنا البتة من تحرير وحرية البحث العلمي وإيجاد القوانين لإرساء المؤسسات العلمية الخاصة والتي يمكن اعتبارها البديل الوحيد والذي لا مفر لنا منه بالنسبة للوطن العربي برمته. لنتأمل في هذا المجال ونذكر هنا بمؤسسات علمية يرثى لحالتها في معظم الدول العربية, حيث لا رقابة علمية عليها وكان الأجدر بالوزارات المعني ة أن تحسن اختيار المسؤولين الباحثين على تسييرها, بل على العكس من ذلك, يتم وعلى مرأى ومسمع من مجتمع الباحثين والعلماء الجادين والعاملين, التمادي في الإساءة إلى تلك المؤسسات باختيار أسوإ الإداريين الجامعيين الحزبيين والموالين وهم غير أكفاء تماما, وليس لديهم سوى استراتيجي ة العلاقات المصلحية أو الانتماء الولائي الظاهري لا المبدئي والعقائدي أو الولاء العشائري والقبلي. وقد لعب المقربون من السلط السياسية العليا, دورا سلبيا وخطيرا جد ا في اختيار وتعيين أولئك الإداريين غير الأكفاء تماما والمتميزين بفراغهم الفكري وضحالة إنتاجهم العلمي وعدم إيمانهم بجدلية التواصل مع مجتمع الباحثين في الوطن العربي أنى كانوا, وهذا ما ساهم مباشرة في تهميش المؤسسات العلمية ذات المصلحة الوطنية العليا في عديد البلاد العربية. ناهيكم عن التعيينات الاعتباطية الصارخة, كتعيين جنرالات في الجيش أو إداريين بيروقراطيين بعيدين عن تلمس ومقاربة وفهم الإشكاليات الدقيقة لوزارات التعليم العالي أو مراكز البحوث العلمية المهمة في البلد الواحد ! أين هي العقلانية في تبني هذه التعيينات الاعتباطية? وهل خدمت المصلحة الوطنية العليا للبلاد العربية? إنه الاحتقار الكامل والتحد ي الساخر والصارخ والذي يترجم عن مدى التهميش والإرهاب الإداري الذي مارسه عدد من الأنظمة السياسية العربية تجاه المؤسسات العلمية والعلم والعلماء والباحثين وعدم إيلائهم المكانة اللائقة في منظومة التنمية الحقيقية للبلاد العربية, وهو ما يفس ر مدى فشل تلك المؤس سات البحثية, فشلا ذريعا وخطيرا جدا, وكان وراء صرف الميزانيات بطريقة بهلوانية وإضاعة الوقت والمجهودات دون مردود علمي حقيقي. بل هناك عديد المؤسسات ذات التوجه الإقليمي البحت وحيث كان مردودها وإشعاعها العلمي محدودا جد ا, ولدينا في ذلك أكثر من دليل على هذا الفشل الذي لحق عددا من المؤسسات العربية وأدى إلى ممارسة سياسة الإخلال المتعمد والاحتقار لمجتمع الباحثين والعلماء الذين يعدون النخبة المفكرة والواعية, إذ هي القادرة على فهم وشرح طبيعة وجوهر كل الاختيارات الظرفية الثقافية والاقتصادية والسياسية التي تبنتها الأنظمة السياسية العربية.
نذهب إلى الاعتقاد أن الواجب يحتم على الدول تقدير علمائها وباحثيها ومنحهم الأولية في سلم اهتماماتها وجعلهم يتمتعون بحرية التعبير الأكاديمية المسؤولة والوطنية في مجال تخص صاتهم المختلفة. أسوة بما حصل لعلمائنا وباحثينا في عصور ازدهار الحضارة العربية.الإسلامية الخالدة. إن تقدير العلماء والباحثين واجب الجميع, وهذا في نفس الوقت الذي يعمل فيه رؤساء الجمهوريات والأمراء في الوطن العربي على استقبال المئات من لاعبي كرة القدم وتغطية مبارياتهم الكثيرة بمئات الملايين من الدولارات وترضية مطالبهم المادي ة جزافا … إنه الزمن الصارخ بالتناقضات والتجاوزات العديدة والتي تتفاعل وتتكاثر كل يوم, لتجعل من الباحثين والعلماء عناصر غير مرغوب فيها ويتم التعامل معها بحذر شديد ومراقبتها هاتفيا وملاحقة كتاباتها وأفكارها داخليا وخارجيا, وهو أمر في غاية الدلالة على هذا التهميش الفعلي...وهناك عديد المسائل الدقيقة المحرمة والتي يستحيل على الباحثين معالجتها وحتى إثارتها في هذا الزمن الرديء والذي من أهم سماته, تغييب الحقائق والملفات الكبرى وحرق الأرشيفات الرسمية وإلجام الأفواه وعدم تناول عديد المسائل والقضايا المرتبطة بمجتمع الباحثين والعلماء العرب وممارسة الرقابة الذاتية على أوسع نطاق.
ومن جهة أخرى نؤكد أن جميع مجتمعات البلاد العربية خلال النصف الثاني من القرن العشرين, لم تعرف بروز هيئات أو مؤسسات لعلماء وباحثين حقيقيين ومستقلين داخل الوطن العربي, ممن كانوا وراء تبني المخططات الشاملة والوطنية لوضع فلسفة وأسس انطلاق تنمية البلاد العربية. وإن هيكل ومحتوى التدريس بالجامعات العربية والقائمين عليه, لم ينتجوا علماء حقيقيين ولا باحثين متميزين في تخصصاتهم, إلا نادرا جدا وفي بعض الحالات الاستثنائية. وأن موقع الجامعيين العرب على صعيد الخريطة المعرفية الدولية ضعيف تماما. فليست هناك مدارس فكرية تتميز بنظرياتها الأصلية والجديدة وباستقلال رأيها وممارسة حريتها الفكرية في كل القضايا وتوجت مسيرتها البحثية وواكبها مجتمع الباحثين الدوليين, باعتبارها مرجعيات أساسية دولية في تخصصها. بل أن الذي نلاحظه بكل أسف شديد, مدى الغياب الصارخ لموقع العلماء والباحثين العرب على الصعيد الدولي. والذي يؤكد هذه الحقيقة المخجلة, هو عدم صرف مجتمع العلماء والباحثين الأجانب, أدنى عناية أو اهتمام لما ينتجه الباحثون العرب في قطاع العلوم الإنسانية إلا نادرا جدا, وهو المجال الوحيد الذي بإمكان العرب أن يبرزوا فيه. وهذا الأمر يفسر العدد المحتشم جد ا من الدراسات والكتب التي نقلت من العربية إلى اللغات الأجنبية والتي لا تتجاوز بعض العشرات فقط; ولا أثير هنا التآليف التي حررها في الأساس الباحثون العرب المقيمون خارج الوطن العربي, ببعض اللغات وهذا بحكم معرفتهم لتلك اللغات الأجنبية فقط. إذ ذلك, لا يمنحنا أي مؤشر على مكانة العلماء والباحثين العرب اليوم على صعيد الخريطة المعرفية الدولية. أما العلوم الصحيحة, فلا أخالني إلا مؤكدا استحالة قيامنا بأي مقاربة !
كذلك لنشرح الآن طبيعة هذا التسطيح المعرفي والفراغ الفكري ثم اللامبالاة والخوف القاتل الذي أصبح يهد د مجتمع الباحثين والعلماء من هذه الظاهرة الجديدة والقاضية بإعطاء الصلاحية القانونية لمنح درجة الدكتوراه لمن هب ودب على مستوى عديد الكليات والتي لم تكتسب شيئا من صناعة العلم والبحث, وأصبح عشرات المئات بل الآلاف من حاملي درجة الدكتوراه العرب يصولون ويجولون ولا يهمهم إلا الكسب والربح بهذه الألقاب التي وجدت رواجا في الفضاء الجامعي المشرقي بصفة خاصة كما وجدوا لدى سماسرة المعلومات تشجيعا كبيرا لكسب هذه الألقاب, بحيث أصبح من النادر جد ا وجود جامعيين ذوي بنية فكرية متينة ومؤمنة بدورها ورسالتها الحضارية لتقاوم خطط المئات من الشركات النكرة والتي تدعي أنها تخدم العلم والعلماء والباحثين العرب. بل أن الأشنع من ذلك اليوم هو تساهل الجامعات الأورو.أمريكية وجامعات ما عرف بالمعسكر الشرقي سابقا بمنح درجة الماجستير والدكتوراه للطلبة العرب الموفدين إليها, وحيث تخرج منها الآلاف وكانوا أكبر نكسة حلت بهيكلية الجامعات العربية وقضت تماما على سمعتها المتواضعة جد ا بعدما كانت محل تقدير نسبي في النصف الأول من القرن العشرين وفي بعض فضاءاتها الجامعية العربية.
كل هذه الأسباب دفعت السلط الجامعية لترك الحبل على الغارب وعدم الأخذ بالاعتبار للشريحة الجامعية الجادة والمؤمنة للقيام بدورها الطلائعي في جدلية ترسيخ القيم البحثية الأساسية وتأمين حرية التعبير لتدريس جامعي متطور ومواكب لآخر المستجدات والمعلومات الفاعلة في سيرورة المعرفة والبحث العلمي, بل أن الذي نلاحظه أن عددا كبيرا جدا من الجامعيين والباحثين قد استوعبتهم واشترتهم السلط السياسية, مقابل صمتهم الرهيب أمام التجاوزات التي يتعر ض لها مجتمع الباحثين والعلماء العرب, ودون أن يكلفوا أنفسهم عناء الدفاع عن أبسط المقومات لأمهات القضايا. وعليه فإن النتيجة الحتمية هي إقصاء آلي لمجتمع الباحثين والعلماء, إلا بعض المحظوظين سياسيا وحزبيا وولائيا وهم عدد قليل جدا. وإن الذي يؤكد هذا الأمر هو عدم وجود فضاءات للحوار المنتظم بين الباحثين أنفسهم وبين السلط السياسية التي رفضت دوما الأخذ بالاعتبار لآراء وتحاليل ومواقف الباحثين المستقلين, تجاه عديد القضايا "المحرم" معالجتها رسميا. وهو أمر في غاية الدلالة ليترجم عن وجود مستويين متقابلين تماما, استحال معه وجود أرضية تكامل وتفاهم بينهما وأبرزت مدى القطيعة بينهما.
لا نريد أن نطيل في تحليل الحقائق المخجلة التي أوصلتنا إياها إرهاصات تلك العينات الاعتباطية والتي خدمت فقط مصالح بعض الأشخاص دون الأخذ بالاعتبار المصلحة الوطنية العليا. كما نثير هنا وبإيجاز سريع, جانبا آخر من هذه الإشكالية التحقيرية لمجتمع الباحثين والعلماء في الوطن العربي. وهي المتعلقة أساسا بالظروف المادية البائسة التي يعيشها الباحث العربي في معظم البلاد العربية غير البترولية, فمعاشاتهم مزرية حقا ولا تمك نهم إطلاقا من التركيز على مشاغل واهتمامات المعرفة والبحث العلمي. وقد منعوا قصرا من المشاركة في المؤتمرات العربية والدولية, إلا ما ندر. وتطاولت عليهم الإدارات والبيروقراطية القاتلة عندما اضطر الباحث قصرا, أخذ الموافقة للمشاركة في مؤتمر عادي, وتطلب ذلك عشرات الإمضاءات من الإداريين, وهي الإمضاءات التي تستغرق شهرين أو ثلاثة, وهذا إلى درجة بث الرعب واليأس لديهم وإحباطهم تماما وهو ما يبرر مدى الضرر الفادح الذي يمارسه ذوو النفوذ والسلطة لتقزيم فئة الباحثين والعلماء في عدد كبير من جامعاتنا والتي أصبحت عبارة عن ثكنات للانكشاريين تدار بأيد من حديد, في حين كان الواجب منحها الأولي ة والصدارة في الاهتمام بها, ومدها بكل التسهيلات الضرورية لأداء واجباتها البحثية والمعرفية. وقد ذهب الأمر ببعض وزراء التعليم العالي العرب إلى التهديد بغلق الجامعات ومراكز البحث وتركيع الباحثين والأساتذة الذين طالبوا ببعض الحقوق المادية البسيطة جدا !
والسؤال الذي يطرح نفسه كيف السبيل للخروج من هذه الوضعية الحزينة جدا والتي إذا تواصلت في مطلع هذه الألفية الثالثة, فلسوف تكون لها نتائج وخيمة جدا أمام المتغيرات الرهيبة التي تعرفها منابر ومخابر المعرفة الدولية, ذلك أن العمل على تغيير هذه الأوضاع هي مسؤولية الجميع, جامعيين ومسؤولين وإداريين وهو ما يستوجب:
ـ وجود معايير وقيم وثوابت وميثاق شرف يحد د المهام العليا للباحث والعالم وواجباته وكذا واجبات الدولة تجاه مجتمع العلماء والباحثين من إتاحة المناخ الحقيقي في ظل حرية التعبير الأكاديمية المطلقة والمسؤولة ثم العمل على توفير الظروف المادي ة وموقعة الباحثين الأصيلين والعاملين موقعا صحيحا وسليما وفاعلا.
ـ السعي إلى إرساء حوار بين مجتمع الباحثين والسلط الجامعية وإقناع الطرفين بحتمية ذلك, وإن على الباحثين التخلي عن مركب الاستعلاء والغرور والتحدي. وإن على السلط السياسية والجامعية الأخذ بالاعتبار عددا من الثوابت والقيم الأساسية لدعم الباحثين والعلماء, بعيدا عن سياسة الإقصاء والتهميش المتعمد, إذ هناك بون شاسع بين المخططات الحكومية وواقع البحث الفعلي, وهو ما أضاع فرص التنسيق والتشاور بين الطرفين.
ـ إننا ننادي بتبني استراتيجية جديدة لتطوير آليات البحث العلمي والمعرفة, حتى يؤدي الباحثون والعلماء دورا جديدا اليوم, يتلاءم مع طبيعة التحد يات الحضارية الخطيرة جدا والتي نواجهها اليوم وسوف نواجهها بأكثر حدة, ولن يتمكنوا من ذلك إلا بعد أن يضعوا أنفسهم في مواقع المسؤولية الحضارية وإن واجب السلط السياسية من جهة أخرى هو العمل على إحلالهم موقعا جديدا يستجيب لكفاءاتهم وقدراتهم الإبداعية حتى يساهموا بحق في جدلية التنمية الشاملة للوطن العربي.
ـ وفي هذا الإطار أو ليس الأجدر بالدول العربية غنيها وفقيرها على حد سواء, السعي إلى إرساء هيئات عليا على مستوى البلاد العربية, تقطع مع الفشل الذريع التي سجلته المنظمات العديدة والمهتمة بالمعرفة والثقافة والعلوم منذ أكثر من ثلاثين سنة, بحيث تكون وظيفة هذه الهيئات العلمية العليا الأساسية, تقديم الخبرة الفنية لمختلف المؤسسات القائمة أو تلك التي يراد إنشاؤها الآن? ذلك أن أثرياء الوطن العربي اكتشفوا فجأة, كيف أن الاهتمام بالمخطوطات والثقافة والتراث والمعرفة والآداب عموما, يمكن وحده أن يخلد أسماءهم في سجل التاريخ. وهو ما برر الآن إنشاء عشرات المؤسسات التي يديرها إداريون انتدبوا دون الأخذ بالاعتبار لمؤهلاتهم الفكرية أو التخطيطية. وعليه فإن من أهم وظائف هذه الهيئات العلمية العليا هو العمل على مساعدة المؤسسات الجادة وإقناعها بجدوى التخصص دون التضارب مع بقية المؤسسات المشابهة ثم انتداب الكفاءات العربية المحلية أو المهاجرة احتراما للعلم والعلماء, في مختلف الميادين ومحاربة هذا التوجه العام الجديد المتسم بغلبة التيار الإقليمي الضيق التفكير والأفق وصرف المبالغ الضخمة مقابل مجلة أقل من المتواضعة علميا ومعرفيا أو مجلات فوضوية أخرى دون أي محتوى معرفي أصيل, وكانت بذلك واجهة براقة وتشريفاتية فقط, وهي مجلات استهلاكية محلية. هل درى هؤلاء القائمون على هذه المؤسسات أنهم أساءوا حقا إلى جوهر العلم والعلماء العرب وأن بطانة المستشرين في كل البلاد العربية, قد غيبوا الحقائق الساطعة وضللوا رؤساءهم وأمراءهم المتنفذين, وهو الأمر الذي يفسر مدى التعتيم المتواصل لمجتمع الباحثين والعلماء في البلاد العربية.
وختاما إن مستقبل الأمة العربية يتوقف على ما نوليه من اهتمام ورعاية لمجتمع العلماء والباحثين, وتوفير مناخ حرية التعبير الأكاديمية المسؤولة ليوقعوا أمتهم في جدلية التأطير المعرفي الدولي والذي لم يعد يرضى بأشباه العلماء والباحثين والمتطاولين على العلم والعلماء وما أكثرهم اليوم في البلاد العربية!
الدكتور عبد الجليل التميمي