وسام السيد
11-20-2006, 06:12 PM
بالطبع لم يقتصر تأثير الحضارة الإسلامية في الغرب،في مجال الفلسفة والفكر،بل يكاد يمتد الى شتى مجالات الحضارة،وفي مايلي التفصيل في مجالات الادب والفلك والطب والتاريخ الطبيعي وعلوم البحار والفنون والجغرافيا والبصريات والرياضيات والكيمياء.
أ/الادب :
في 26 كانون الثاني (يناير) سنة 1919 فجر أسين بلاثيوس قنبلة علمية كبرى ، عندما تقدم ببحث استهلالي بمناسبة تعيينة عضوا في الاكاديمية الملكية الاسبانية عنوانه : " الاخرويات الإسلامية في الكوميديا الالهية" ـ ونشر في مدريد في العام نفسه 1919م ـ وقد أثار هذا البحث الضخم هزة كبيرة في مختلف الاوساط العلمية في العالم كله ، نظرا لخطورة المشكلة التي أثارها وهي ـ تأثر دانتي بالتصويرات الإسلامية للآخرة في رائعته " الكوميديا الالهية ". وجاء نتيجة جهد علمي عظيم وبحوث مضنية دامت لكثر من عشرين سنة متواصلة .(72) ومن الجدير بالذكر هنا ان هذه المسالة كانت قد طرحت للمرة الاولى امام المختصين بالدراسات الدنتية في سنة 1901 من قبل الفرنسي المتخصص بالايرانيات ا . بلوشيه في بحثه: " المصادر الشرقية للكوميديا الالهية " .(73)
وجاء الدليل الحاسم في سنة 1949 ، أي بعد وفاة أسين بلاثيوس بخمس سنوات ، بفضل باحثين عمل كل منهما مستقلا عن الاخر : أحدهما ايطالى هو انريكو اتشرولى الذي نشر في سنة 1949 الترجمتين اللاتينية والفرنسية لكتاب ابن عربي "المعراج " ، كان ابراهام الحكيم قد ترجمه من العربية الى اللغة الاسبانية القشتالية من أجل الفونسو العاشر ، الحكيم ، ملك قشتالية وليون ( الذي حكم من سنة 1252 الى 1284 ، وقد ولد في 22/11/ 1221، وتوفي في 4/4/1284م) ، وعن هذه الترجمة الاسبانية القشتالية نقله بونافنتورا هذا كاتبا في بلاط الفونسو العاشر في سنة 1264 ، وقد نشر اتشرولى الترجمتين الفرنسية واللاتينية فقط عن نسختين احداهما في مكتبة بودلى بأكسفورد ، والثانية في المكتبة الاهلية بباريس . ثم أضاف الى الترجمتين اللتين وضعتا في صفحتين متقابلتين الشواهد الدالة على معرفة وانتشار " كتاب المعراج" هذا في الاداب الاوروبية حتى القرن الخامس عشر وفي القسم الثاني من النشرة جمع النصوص ـواغلبها لم ينشر من قبل ـ التي تتضمن معلومات عن الآخرويات الإسلامية في كتب المؤلفين الاوربيين من القرن التاسع حتى القرن الرابع عشر .(74)
أما الباحث الاخر فهو، منيوث سندينو الذي نشر في نفس السنة ـ سنة 1949م ـ الترجمات الثلاث : الاسبانية واللاتينية والفرنسية ، مع مقدمة وتعليقات . فزادت هذه النشرة اذن على نشرة اتشرولى بنشر الترجمة الاسبانية ، ولكنها لاتحتوى تلك الشواهد والنصوص الخطيرة التي نشرها اتشرولى .
وقد تمت هذه الترجمات الثلاث في سنة 1264م اي قبل ميلاد دانتي بسنة ( ولد دانتي في سنة 1265 وتوفي في رافنا في 14 سبتمبر سنة 1321) .(75).
ولقد وجدعالم الإسلام طريقه الى وعى كبار أهل الفكر في اوروبا ـ حسب تعبير شاخت ـ، ولم تعد خافية نماذج الادب العربي التي وصلت لاهل الغرب عن طريق الترجمة . وربما كان الاهتمام بهذه النماذج عندما كانت نادرة الوجود ، اكثر نسبيا منه عندما اصبحت جزء من الغيض الهائل للمادة الادبية المتدفقة من جميع انحاء العالم ، التي غمرتنا (اهل الغرب) منذ القرن التاسع عشر . وبذلك أصبح تأثير تلك النماذج مستمرا وان كان في العادة ثانويا . وكان لطرافة الجاذبية التي تمتع بها مأثور الادب الإسلامي ، والتي امتازت بها احقاب كثيرة من تاريخ الإسلام كانت تعد ذات طابع رومانسي وكان لهذا كله اثر قوي الهم أدباء الغرب اعمالا ادبية مشهورة ، حتى وان كان العمل الغربي في صورته النهائية لاتظهر فيه بوضوح روابط محسوسة بالاصول الشرقية ، اللهم الافيما يتعلق ببعض الصور الخيالية الرومانسية ، او ببعض الاسماء المعينة ، كما نجد في رواية الواثق ، وهي القصة القوطية التي كتبها ويليام بيكفورد في القرن الثامن عشر ، ولكن هناك بعض الامثلة لهذه اللقاءات ذات اهمية كبيرة بالنسبة لهذا التاثير.(76)
وفي عام 1106 ترجم بيير الفونس وهو كاتب يهودي من هويسكا القصة العربية كليلة ودمنة.. ونرى في بحث اندريه شابلان المكتوب في عام 1186م تأثير طوق الحمامة ان لم يكون محاكته الحرفية ، لابن حزم المتوفي قبل ذلك بقرن ..ولسوف يكون من الصعب الا نرى طابع ابن حزم وحتى ابن عربي على كتاب صلاة الحب ( المكتوب عام 1288) بقلم ماثغري ارمينجو المتوفي عام 1324م.( 77)
ومن هنا نفهم كيف كان تأثيرالادب الإسلامي فعالا طوال حياة كاتب المانيا الاعظم جوته (1749ـ1832) ونشاطه الادبي.وسار في الطريق الذي شقه جوته شعراء قادرون امثال : ف. روكيرت (1788ـ 1866)، وفونبلاتين (1797ـ 1835)، وشعراء المدرستين الكلاسيكية والرومانسية ، ومن تبعهم من الجيل الصاعد من اهل العلم المنصفين ، هكذا فان جوته ، ان لم يكن هو الوحيد الذي جعل شعر عالم الإسلام مقبولا بلا تردد في الغرب ، فانه من حيث التاثير والعبقرية ، كان هو الشخصية العملاقة البارزة بين من اسهموا في هذا العمل .(78)
ولقد قال دانتي:"ان الشعر الايطالي ولد في صقلية بفضل الشعر العربي وبتأثير منه"(79) ولقد شاع نظم الشعر بالعامية في اقليم بروفانس في جنوب فرنسا ، وانتشر الشعر في تلك الاقاليم على يد الشعراء الجوالين الذين عرفوا باسم " التروبادور" وواضح ان الاوربيين اشتقوا هذا الاسم من كلمة طروب العربية . وقد وجدت في اشعار الاوربيين بشمال الاندلس كلمات عربية واشارات لعادات اسلامية . والشعر العربي الاندلسي في الموشحات والزجل كان السبب في نشأة الشعر الاسباني نفسه ، والمرجح ان اول من ابتكر الموشح هو مقدم بن معافي القبرى الضرير 992م وثلاثة آخرون اثروا هذا اللون من النظم " لسهولة تناوله وقرب طريقته " كما يقول ابن خلدون في مقدمته .(80)
ولئن الهمت ترجمة كتاب ابن عربي ، المعراج ، الكوميديا الالهية لدانتي فان هذا الاستلهام لم يكن لقاء عارضا بين عبقريتين .ذلك ان الشعراء الاندلسيين لم يقدموا لثقافة اوروبا الاوزان التي وجدت لدى الشعراء التروبادور ( الجوالين) في اوكسيتانيا فحسب ، بل حملوا تصورا للحب المعطاء ، لدى شعراء التروبادور فتولد عنه : " الحب المهذب" والظرف كأسلوب في الحياة . ولدى دانتي و"المخلصين للحب" انتج البشارة الالهية .( 81)
في فصل عن اثر العرب في الاداب الاوروبية في كتاب " تراث الإسلام " استشهد المستشرق الانجليزي جب بكلمة للاستاذ ماكييل عن الشعر يقول فيها . " ان اوربا مدينة لبلاد العربية بنزعتها المجازية الحماسية كما هي مدينة بعقيدتها لبلاد اليهودية واننا ـ نحن الاوروبيين ـ مدينون لبطحاء العرب وسوريا بمعظم القوى الحيوية الدافعة او بجميع تلك القوى التي جعلت القرون الوسطى مخالفة في الروح والخيال للعالم الذي كانت تحكمه روما.( 82).
وجاء " جوليان ريبيرا " في مطلع القرن العشرين فتحدث عن شعر غنائي اندلسي كان له تأثير حاسم في الشعر الغنائي الاوروبي كله . وكان لآرائه دوي هائل في عالم الاستشراق ، وفي المشتغلين بالدراسات اللاتينية معا ، ولا سيما عندما اكد ان شعراء التروبادور الفرنسيين ـ وهم اول من عالج الشعر الغنائي في اوروبا ـ لم يفعلوا اكثر من انهم قلدوا نماذج الوشاحين والزجالين الاندلسيين الذين سبقوهم بقرنين على اقل تقدير...ثم أيد رأيه المستشرق أ . ر. نيكل ـ حين نشر ديوان ابن قزمان كاملا بالحروف اللاتينية . ثم قدم بحثا عن الشعر الغنائي على جاني جبال البرنات في حدود سنة 1100 ، واتسع قبول هذه النظرية بعد ذلك بين المستشرقين والعرب على السواء .وكان من عباقرة الشعر في اوروبا كلها ـ الى جانب دانتي ـ بوكاشيو وبترارك الايطاليان وشوسر الانجليزي وسر فانتيز الاسباني ، وغيرهم ممن ثبتت صلتهم بالثقافة العربية ، وكانوا اصحاب الفضل في تجديد الادب القديمة بتلك البلاد .( 83)
ولم تنقطع الصلة بين الادب العربي او الإسلامي والآداب الاوروبية الحديثة منذ القرن السابع عشر الى اليوم فيما يرى العقاد . ويشهد بهذا ان ليس بين ادبائهم نابغ واحد قد خلا شعره او نثره من بطل اسلامي او نادرة اسلامية ، من شكسبير واديسون وبيرون وكولريدج وشيللي وغيرهم من ادباء الانجليز ، وجيتي وهردر ولسنغ وغيرهم من ادباء الالمان ، وفولتير ومونتسكيو وهيجو ولافونتين من الفرنسيين .(84)
وكتابات جوليان ورامون مننديث بيدال ودراسات ي. نيكلي لاتترك مجالا للشك في ان كل اشعار الترو بادور التي يتجلى فيها مثل هذا التغير العظيم في اساليب وفكر ومشاعر الغرب ، انما تنبع مباشرة من الشعر العربي الاندلسي . وقد اوضحت الابحاث الاخيرة للمدرسة الاسبانية في التاريخ ، مدى التشابه العظيم بين الشعر الاندلسي الغنائي والنماذج الاولى التي ظهرت في نهاية القرن التاسع ، والشعر البروفنسي حتى يبدو من المستحيل تعليل هذا التشابه بدون الاعتراف بتأثير احدهما على الاخر.(85)
ويمكن للمرء ان يستخلص ما استخلصه فيليب حتى " بالاجمال ان اعظم مااسهم به العرب في آداب العصور الوسطى في اوروبا هو التاثير على الشكل ، واليهم يرجع الفضل في ان الخيال الغربي استطاع ان يحرر نفسه من القواعد الصارمة التي الزمته بها التقاليد "(86)
ب/الفلك :
يقول مارتي بلسنر : ترجمت مؤلفات المسلمين في احكام النجوم الى اللاتينية على نطاق واسع ، وربما كان اسباب ذلك تلك الجداول الفلكية التي لا يستغنى عنها ، والتي كانت تلحق ببعض تلك الكتب .
وبالرغم من ان ابا معشر جعفر ابن محمد البلخي الذي توفي عام 272ه / 886م عن عمر يناهز مائة عام ، لم يكن أول المنجمين الذين وصلت الينا انتاجاتهم ،لكنه كان اوفر المنجمين الاوائل حظا من الاحترام ، واقواهم تأثيرا .(87)
وأشمل كتاب اساسي في علم احكام النجوم هو الذي كتبه علي بن ابي الرجال القيرواني ( والذي يعرف باللاتينية هلي ابين راجل ) . وكتابه المسمى " البارع في احكام النجوم " كان واحدا من بين الكتب التي ترجمت الى الاسبانية بأمر الفونسو العاشر الملك العالم .(88) .
و ساهم الزرقالي في القرن الحادي عشر وقد مهد لكبلر ،عبر وصف مدار الكواكب ، في تطوير الاسطرلاب من أجل قياس خطوط العرض( 89)
وكان من مقدمة رواد الفلك من العرب بنو موسى بن شاكر ، وابو معشر البلخي ( ت 272ه/ 886م) وثابت بن قرة ، والفرقاني ويسميه الفرنجة ـ والبوزجاني ، والبيروني وغيرهم ، ممن ترجمت مؤلفاتهم الى اللغة اللاتينية خاصة ، وكانت مرجع الاوروبيين حتى أواخر عصورنا الحديثة .(90)
ج/الطب :
من المصنفات الهامة في مجال الطب والتي تاثرت بها اوروبا تأثرا بالغا كتاب ابي بكر الرازي ( عاش بين 240 ـ 330ه،854 ـ 932م)الحاوي وهو يعتبر من اعظم كتب الطب اقاطبة حتى نهاية العصور الحديثة.وقد ترجم الى اللاتينية عام 1279م بواسطة الطبيب فرج بن سالم بأمر من شارل الاول،كما ترجم ثانية في البندقية عام 1452م ثم طبع عدة مرات ابتداء من السنة 1486م،واعتبر اطباء اوروبا بأن الرازي هو اعظم اطباء الطب السريري (الكلينيكي) في العصور الوسطى.وما زال الغربيون يعترفون بفضل الرازي ومآثره الطبية،مما دعا جامعة برنستون في الولايات المتحدة الاميركية لاطلاق اسمه على افخم اجنحتها تقديرا لفضله وعلمه.(91)
ومن كتب الطب الهامة التي أثرت تأثيرا بارزا وهاما في اوروبا منذ العصور الوسطى كتاب " القانون في الطب" لابن سينا ، وهو يعتبر من الكتب الجامعة لمعارف وعلوم الطب التي اجراها الاطباء الذين سبقوا ابن سينا ، وقد قام بترجمته الى اللاتينية جيرارد الكريموني في القرن الثاني عشر ، وقد طبع وترجم عدة مرات حتى القرن السادس عشر في البندقية وميلانو ولوفان ببلجيكا ونابولي ، كما ترجم الى العبرية ايضا. ومن بين مترجميه الى اللاتينية اندريا الباجو .
والحقيقة فقد استفادت اوروبا من كتاب " القانون" استفادة كبرى في مجالات طبية عديدة . وهذا يفسر لنا مدى تقدير اوروبا لابن سينا ، ذلك ان جامعة باريس حرصت على تكريم الاطباء المسلمين فاحتفظت بصورتين كبيرتين في قاعتها الكبرى احداهما للرازي والاخرى لابن سينا .(92)
ومن الكتب الطبية الهامةـ ايضا ـ التي شغلت اوروبا وتأثر بها اطباء الغرب كتاب ابي القاسم الزهرواي القرطبي (324ـ 404ه ، 936ـ 1013م) المعروف باسم " التصريف لمن عجز عن التأليف " وقد ترجمه الى اللاتينية جيرارد الكريموني عام 1519م ، وهو عمل طبي ضخم ، وقد ترجم ايضا الى اللغتين البروفنسية والعبرية . واستخرجت مقالات متعددة من هذا الكتاب منها مقالات : تقاسيم الامراض ، اعمار العقاقير المفردة والمركبة ، رسالة عن امراض النساء وسواها من المقالات . ويعتبر كتابه من الكتب الهامة التي تنقسم الى قسمين : نظري وعملي .(93)
كذلك كتاب " الكليات في الطب " لابن رشد الذي ترجم الى اللاتينية عام 1255م بواسطة البادوي (بوناكوزا ) كما طبع مرة ثانية عام 1482م في البندقية ، وظهرت طبعة استراسبورج عام 1533م وطبعات لاتينية عديدة . وطبعاته العديدة تؤكد اهميته ومدى استفادة اوروبا منه . ويضم ذلك الكتاب العديد من الموضوعات والاجزاء والمقالات الخاصة بمختلف الامراض والاعضاء عند الانسان .(94)
ومن بين فروع الطب المختلفة ، نجد ان المصنفات المتعلقة بالرمد او طب العيون تستحق تنويها خاصا . ولايرجع ذلك فقط الى ان الابحاث التي اجريت عن هذا الفرع من الطب تزيد عما اجرى في اي ميدان من ميادين العلاج الاخرى ، ولكن يرجع ايضا الى الانجازات التي تركت تأثيراعلى الغرب . ولعل من اسباب الجهود الخاصة التي بذلها الاخصائيون المسلمون في الرمد ، تفشي امراض العيون في الشرق ، وهي ظاهرة لاتزال موجودة الى اليوم . غير ان طب العيون مدين في تفوقه ايضا الى الاهتمام الكبير الذي اولاه العلماء المسلمون لمشكلات علم البصريات .(95)
ومن الاهمية بمكان أن نذكر مثالا فريدا لتأثير التراث الإسلامي على الغرب . ذلك ان مؤسس علم التشريع الحديث اندرياس فيساليوس نشر في عام 1538م " جداوله " التشريحية الستة كدراسة تمهيدية لمؤلفه الرئيسي المعروف باسم " الصنعة " الذي كتبه عام 1543 . وقد ورد في النص اللاتيني لهذه الجداول عدد كبير من المصطلحات العربية والعبرية ، بل ان بعض المصطلحات كتبت بحروف عبرية . وقام شارلز سنجر وحايم رابين ببحث دقيق عن هذه الجداول . ولم تكتف هذه الدراسة بشرح النصوص الواردة في الجداول المذكورة شرحا دقيقا ، بل اظهرت ايضا كيف اهتدى فيساليوس الى معرفة المصطلحات في اللغات السامية التي لم يكن هو نفسه ضليعا فيها . وهكذا حملت جداول فيسساليوس التشريحية التراث العربي في الطب الى مطالع العصور الحديثة .(96)
وكان الكتاب الملكي في الطب لعلي بن عباس ( ت384ه/994م) شائعا عند الاوروبيين لستة قرون من الزمان .وكان كتابه " العشر المقالات في العين " أول كتاب وضع في طب العيون منهجا علميا ، وزود برسوم شيقة ، وهي أول وأدق رسوم عرفت في تشريح العين كما يقول ناشر الكتاب بالقاهرة ماكس مايرهوف ـ ويقول مؤرخ الطب العربي ادور براون : ان يوحنا بن ماسويه ـ 827م قد وضع كتابه " دغل العين " فكان أول كتاب عربي في علم الرمد وأقدم ماوضع في طب العيون في مختلف اللغات القديمة .(97)
واكتشف ابن النفيس الدمشقي المصري الدورة الدموية الصغرى ،لكن تعاليمه قد أهملت بعده ثلاثة قرون من الزمان . ثم ظهر خلال واحد وستين عاما من ترجمة كتابه الى اللاتينية ( عام 1547م) ثلاثة من علماء اوروبا يصفون دورة الدم في الرئة بنفس الالفاظ التي استخدمها ابن نفيس ، هم ميشيل سرفيتوس الاسباني الذي نشر عام 1553م كتابه، وقد اعدم بسببه حرقا وريالدو كلومبر استاذ التشريح في جامعة بادوا الذي نشر عام 1559م رأيه في كتابه ثم وليم هارفي (1658) الذي نشر عام 1622 كتابه ونسبت اليه نظرية الدورة الدموية .
وقد أثبت البحث العلمي ان هؤلاء الرواد من الغربيين لم يهتدوا الى النظرية مستقلين عن ابن النفيس ، ولا مستقلا احدهم عن الاخر . فان كتاب ابن النفيس قد ترجمه الى اللاتينية طبيب ايطالي هو " الباجو ونشرت الترجمة لاول مرة في النبدقية عام 1547 وقد كان هذا على التحقيق مرجع هارفي الذي تعزى اليه اليوم هذه النظرية .(98)
وكتب " ويل دورانت" يقول : " ان من اشهر الاطباء الإسلاميين واقدمهم هو محمد بن زكريا الرازي ، انه ألف أكثر من مئتي كتاب ورسالة أكثرها طبية ومفيدة جدا وملفتة للنظر ، ومن أهم كتبه واقومها واكثرها قيمة كتابان هما :
1. كتاب الجدري والحصباء ، وقد ترجم هذا الكتاب الى اللاتينية ثم الى سائر اللغات الاوروبية ، وقد طبعت تراجمه المختلفة من سنة 1498حتى سنة 1866م اي اربعة قرون : اربعين مرة .
2. الحاوي الكبير: هذا الكتاب حصيلة عمر كامل من المطالعة والتجارب الطبية في جميع المسائل الطبية ، وهو عشرون مجلدا ، انتشرت منه عشرة مجلدات ، خمسة منها في امراض العيون . ترجم هذا الكتاب في سنة 1279م الى اللاتينية وطبع في سنة 1542م خمس مرات ، وكان يعد من اهم المراجع والمصادر في الطب في العالم ، وكان احد الكتب التسعة التي كانت تشكل مكتبة كلية الطب في باريس في سنة 1394م.(99)
ونتيجة لنبوغ المسلمين والعرب في الطب صار العلماء يأتون من انحاء العالم الغربي ( الاوروبي ) الى مدارس المسلمين وحواضرهم لنهل العلوم الطبية والصيدلانية والكيمائية وغيرها من العلوم .(100) ويدين الطب في الغرب بثلاثة اعمال هامة على الاقل لابي مروان عبد الملك بن ابي الزهر المولود والمتوفي في اشبيلية (1091ـ1161) منهابحث في الغذاء وبحث في الجرب وهو اول من صنف للجرب القملي الذي لم يعترف به كسبب للجرب الا في عام 1687 ( بعد اكثر من اربعة قرون ) من قبل كوزينو بونومو ودياسينتو سيستوني واخيرا بحث حقيقي عما نسميه اليوم علم النفس الجسدي في علاقات النفساني بالطبيعي. ( 101)
أ/الادب :
في 26 كانون الثاني (يناير) سنة 1919 فجر أسين بلاثيوس قنبلة علمية كبرى ، عندما تقدم ببحث استهلالي بمناسبة تعيينة عضوا في الاكاديمية الملكية الاسبانية عنوانه : " الاخرويات الإسلامية في الكوميديا الالهية" ـ ونشر في مدريد في العام نفسه 1919م ـ وقد أثار هذا البحث الضخم هزة كبيرة في مختلف الاوساط العلمية في العالم كله ، نظرا لخطورة المشكلة التي أثارها وهي ـ تأثر دانتي بالتصويرات الإسلامية للآخرة في رائعته " الكوميديا الالهية ". وجاء نتيجة جهد علمي عظيم وبحوث مضنية دامت لكثر من عشرين سنة متواصلة .(72) ومن الجدير بالذكر هنا ان هذه المسالة كانت قد طرحت للمرة الاولى امام المختصين بالدراسات الدنتية في سنة 1901 من قبل الفرنسي المتخصص بالايرانيات ا . بلوشيه في بحثه: " المصادر الشرقية للكوميديا الالهية " .(73)
وجاء الدليل الحاسم في سنة 1949 ، أي بعد وفاة أسين بلاثيوس بخمس سنوات ، بفضل باحثين عمل كل منهما مستقلا عن الاخر : أحدهما ايطالى هو انريكو اتشرولى الذي نشر في سنة 1949 الترجمتين اللاتينية والفرنسية لكتاب ابن عربي "المعراج " ، كان ابراهام الحكيم قد ترجمه من العربية الى اللغة الاسبانية القشتالية من أجل الفونسو العاشر ، الحكيم ، ملك قشتالية وليون ( الذي حكم من سنة 1252 الى 1284 ، وقد ولد في 22/11/ 1221، وتوفي في 4/4/1284م) ، وعن هذه الترجمة الاسبانية القشتالية نقله بونافنتورا هذا كاتبا في بلاط الفونسو العاشر في سنة 1264 ، وقد نشر اتشرولى الترجمتين الفرنسية واللاتينية فقط عن نسختين احداهما في مكتبة بودلى بأكسفورد ، والثانية في المكتبة الاهلية بباريس . ثم أضاف الى الترجمتين اللتين وضعتا في صفحتين متقابلتين الشواهد الدالة على معرفة وانتشار " كتاب المعراج" هذا في الاداب الاوروبية حتى القرن الخامس عشر وفي القسم الثاني من النشرة جمع النصوص ـواغلبها لم ينشر من قبل ـ التي تتضمن معلومات عن الآخرويات الإسلامية في كتب المؤلفين الاوربيين من القرن التاسع حتى القرن الرابع عشر .(74)
أما الباحث الاخر فهو، منيوث سندينو الذي نشر في نفس السنة ـ سنة 1949م ـ الترجمات الثلاث : الاسبانية واللاتينية والفرنسية ، مع مقدمة وتعليقات . فزادت هذه النشرة اذن على نشرة اتشرولى بنشر الترجمة الاسبانية ، ولكنها لاتحتوى تلك الشواهد والنصوص الخطيرة التي نشرها اتشرولى .
وقد تمت هذه الترجمات الثلاث في سنة 1264م اي قبل ميلاد دانتي بسنة ( ولد دانتي في سنة 1265 وتوفي في رافنا في 14 سبتمبر سنة 1321) .(75).
ولقد وجدعالم الإسلام طريقه الى وعى كبار أهل الفكر في اوروبا ـ حسب تعبير شاخت ـ، ولم تعد خافية نماذج الادب العربي التي وصلت لاهل الغرب عن طريق الترجمة . وربما كان الاهتمام بهذه النماذج عندما كانت نادرة الوجود ، اكثر نسبيا منه عندما اصبحت جزء من الغيض الهائل للمادة الادبية المتدفقة من جميع انحاء العالم ، التي غمرتنا (اهل الغرب) منذ القرن التاسع عشر . وبذلك أصبح تأثير تلك النماذج مستمرا وان كان في العادة ثانويا . وكان لطرافة الجاذبية التي تمتع بها مأثور الادب الإسلامي ، والتي امتازت بها احقاب كثيرة من تاريخ الإسلام كانت تعد ذات طابع رومانسي وكان لهذا كله اثر قوي الهم أدباء الغرب اعمالا ادبية مشهورة ، حتى وان كان العمل الغربي في صورته النهائية لاتظهر فيه بوضوح روابط محسوسة بالاصول الشرقية ، اللهم الافيما يتعلق ببعض الصور الخيالية الرومانسية ، او ببعض الاسماء المعينة ، كما نجد في رواية الواثق ، وهي القصة القوطية التي كتبها ويليام بيكفورد في القرن الثامن عشر ، ولكن هناك بعض الامثلة لهذه اللقاءات ذات اهمية كبيرة بالنسبة لهذا التاثير.(76)
وفي عام 1106 ترجم بيير الفونس وهو كاتب يهودي من هويسكا القصة العربية كليلة ودمنة.. ونرى في بحث اندريه شابلان المكتوب في عام 1186م تأثير طوق الحمامة ان لم يكون محاكته الحرفية ، لابن حزم المتوفي قبل ذلك بقرن ..ولسوف يكون من الصعب الا نرى طابع ابن حزم وحتى ابن عربي على كتاب صلاة الحب ( المكتوب عام 1288) بقلم ماثغري ارمينجو المتوفي عام 1324م.( 77)
ومن هنا نفهم كيف كان تأثيرالادب الإسلامي فعالا طوال حياة كاتب المانيا الاعظم جوته (1749ـ1832) ونشاطه الادبي.وسار في الطريق الذي شقه جوته شعراء قادرون امثال : ف. روكيرت (1788ـ 1866)، وفونبلاتين (1797ـ 1835)، وشعراء المدرستين الكلاسيكية والرومانسية ، ومن تبعهم من الجيل الصاعد من اهل العلم المنصفين ، هكذا فان جوته ، ان لم يكن هو الوحيد الذي جعل شعر عالم الإسلام مقبولا بلا تردد في الغرب ، فانه من حيث التاثير والعبقرية ، كان هو الشخصية العملاقة البارزة بين من اسهموا في هذا العمل .(78)
ولقد قال دانتي:"ان الشعر الايطالي ولد في صقلية بفضل الشعر العربي وبتأثير منه"(79) ولقد شاع نظم الشعر بالعامية في اقليم بروفانس في جنوب فرنسا ، وانتشر الشعر في تلك الاقاليم على يد الشعراء الجوالين الذين عرفوا باسم " التروبادور" وواضح ان الاوربيين اشتقوا هذا الاسم من كلمة طروب العربية . وقد وجدت في اشعار الاوربيين بشمال الاندلس كلمات عربية واشارات لعادات اسلامية . والشعر العربي الاندلسي في الموشحات والزجل كان السبب في نشأة الشعر الاسباني نفسه ، والمرجح ان اول من ابتكر الموشح هو مقدم بن معافي القبرى الضرير 992م وثلاثة آخرون اثروا هذا اللون من النظم " لسهولة تناوله وقرب طريقته " كما يقول ابن خلدون في مقدمته .(80)
ولئن الهمت ترجمة كتاب ابن عربي ، المعراج ، الكوميديا الالهية لدانتي فان هذا الاستلهام لم يكن لقاء عارضا بين عبقريتين .ذلك ان الشعراء الاندلسيين لم يقدموا لثقافة اوروبا الاوزان التي وجدت لدى الشعراء التروبادور ( الجوالين) في اوكسيتانيا فحسب ، بل حملوا تصورا للحب المعطاء ، لدى شعراء التروبادور فتولد عنه : " الحب المهذب" والظرف كأسلوب في الحياة . ولدى دانتي و"المخلصين للحب" انتج البشارة الالهية .( 81)
في فصل عن اثر العرب في الاداب الاوروبية في كتاب " تراث الإسلام " استشهد المستشرق الانجليزي جب بكلمة للاستاذ ماكييل عن الشعر يقول فيها . " ان اوربا مدينة لبلاد العربية بنزعتها المجازية الحماسية كما هي مدينة بعقيدتها لبلاد اليهودية واننا ـ نحن الاوروبيين ـ مدينون لبطحاء العرب وسوريا بمعظم القوى الحيوية الدافعة او بجميع تلك القوى التي جعلت القرون الوسطى مخالفة في الروح والخيال للعالم الذي كانت تحكمه روما.( 82).
وجاء " جوليان ريبيرا " في مطلع القرن العشرين فتحدث عن شعر غنائي اندلسي كان له تأثير حاسم في الشعر الغنائي الاوروبي كله . وكان لآرائه دوي هائل في عالم الاستشراق ، وفي المشتغلين بالدراسات اللاتينية معا ، ولا سيما عندما اكد ان شعراء التروبادور الفرنسيين ـ وهم اول من عالج الشعر الغنائي في اوروبا ـ لم يفعلوا اكثر من انهم قلدوا نماذج الوشاحين والزجالين الاندلسيين الذين سبقوهم بقرنين على اقل تقدير...ثم أيد رأيه المستشرق أ . ر. نيكل ـ حين نشر ديوان ابن قزمان كاملا بالحروف اللاتينية . ثم قدم بحثا عن الشعر الغنائي على جاني جبال البرنات في حدود سنة 1100 ، واتسع قبول هذه النظرية بعد ذلك بين المستشرقين والعرب على السواء .وكان من عباقرة الشعر في اوروبا كلها ـ الى جانب دانتي ـ بوكاشيو وبترارك الايطاليان وشوسر الانجليزي وسر فانتيز الاسباني ، وغيرهم ممن ثبتت صلتهم بالثقافة العربية ، وكانوا اصحاب الفضل في تجديد الادب القديمة بتلك البلاد .( 83)
ولم تنقطع الصلة بين الادب العربي او الإسلامي والآداب الاوروبية الحديثة منذ القرن السابع عشر الى اليوم فيما يرى العقاد . ويشهد بهذا ان ليس بين ادبائهم نابغ واحد قد خلا شعره او نثره من بطل اسلامي او نادرة اسلامية ، من شكسبير واديسون وبيرون وكولريدج وشيللي وغيرهم من ادباء الانجليز ، وجيتي وهردر ولسنغ وغيرهم من ادباء الالمان ، وفولتير ومونتسكيو وهيجو ولافونتين من الفرنسيين .(84)
وكتابات جوليان ورامون مننديث بيدال ودراسات ي. نيكلي لاتترك مجالا للشك في ان كل اشعار الترو بادور التي يتجلى فيها مثل هذا التغير العظيم في اساليب وفكر ومشاعر الغرب ، انما تنبع مباشرة من الشعر العربي الاندلسي . وقد اوضحت الابحاث الاخيرة للمدرسة الاسبانية في التاريخ ، مدى التشابه العظيم بين الشعر الاندلسي الغنائي والنماذج الاولى التي ظهرت في نهاية القرن التاسع ، والشعر البروفنسي حتى يبدو من المستحيل تعليل هذا التشابه بدون الاعتراف بتأثير احدهما على الاخر.(85)
ويمكن للمرء ان يستخلص ما استخلصه فيليب حتى " بالاجمال ان اعظم مااسهم به العرب في آداب العصور الوسطى في اوروبا هو التاثير على الشكل ، واليهم يرجع الفضل في ان الخيال الغربي استطاع ان يحرر نفسه من القواعد الصارمة التي الزمته بها التقاليد "(86)
ب/الفلك :
يقول مارتي بلسنر : ترجمت مؤلفات المسلمين في احكام النجوم الى اللاتينية على نطاق واسع ، وربما كان اسباب ذلك تلك الجداول الفلكية التي لا يستغنى عنها ، والتي كانت تلحق ببعض تلك الكتب .
وبالرغم من ان ابا معشر جعفر ابن محمد البلخي الذي توفي عام 272ه / 886م عن عمر يناهز مائة عام ، لم يكن أول المنجمين الذين وصلت الينا انتاجاتهم ،لكنه كان اوفر المنجمين الاوائل حظا من الاحترام ، واقواهم تأثيرا .(87)
وأشمل كتاب اساسي في علم احكام النجوم هو الذي كتبه علي بن ابي الرجال القيرواني ( والذي يعرف باللاتينية هلي ابين راجل ) . وكتابه المسمى " البارع في احكام النجوم " كان واحدا من بين الكتب التي ترجمت الى الاسبانية بأمر الفونسو العاشر الملك العالم .(88) .
و ساهم الزرقالي في القرن الحادي عشر وقد مهد لكبلر ،عبر وصف مدار الكواكب ، في تطوير الاسطرلاب من أجل قياس خطوط العرض( 89)
وكان من مقدمة رواد الفلك من العرب بنو موسى بن شاكر ، وابو معشر البلخي ( ت 272ه/ 886م) وثابت بن قرة ، والفرقاني ويسميه الفرنجة ـ والبوزجاني ، والبيروني وغيرهم ، ممن ترجمت مؤلفاتهم الى اللغة اللاتينية خاصة ، وكانت مرجع الاوروبيين حتى أواخر عصورنا الحديثة .(90)
ج/الطب :
من المصنفات الهامة في مجال الطب والتي تاثرت بها اوروبا تأثرا بالغا كتاب ابي بكر الرازي ( عاش بين 240 ـ 330ه،854 ـ 932م)الحاوي وهو يعتبر من اعظم كتب الطب اقاطبة حتى نهاية العصور الحديثة.وقد ترجم الى اللاتينية عام 1279م بواسطة الطبيب فرج بن سالم بأمر من شارل الاول،كما ترجم ثانية في البندقية عام 1452م ثم طبع عدة مرات ابتداء من السنة 1486م،واعتبر اطباء اوروبا بأن الرازي هو اعظم اطباء الطب السريري (الكلينيكي) في العصور الوسطى.وما زال الغربيون يعترفون بفضل الرازي ومآثره الطبية،مما دعا جامعة برنستون في الولايات المتحدة الاميركية لاطلاق اسمه على افخم اجنحتها تقديرا لفضله وعلمه.(91)
ومن كتب الطب الهامة التي أثرت تأثيرا بارزا وهاما في اوروبا منذ العصور الوسطى كتاب " القانون في الطب" لابن سينا ، وهو يعتبر من الكتب الجامعة لمعارف وعلوم الطب التي اجراها الاطباء الذين سبقوا ابن سينا ، وقد قام بترجمته الى اللاتينية جيرارد الكريموني في القرن الثاني عشر ، وقد طبع وترجم عدة مرات حتى القرن السادس عشر في البندقية وميلانو ولوفان ببلجيكا ونابولي ، كما ترجم الى العبرية ايضا. ومن بين مترجميه الى اللاتينية اندريا الباجو .
والحقيقة فقد استفادت اوروبا من كتاب " القانون" استفادة كبرى في مجالات طبية عديدة . وهذا يفسر لنا مدى تقدير اوروبا لابن سينا ، ذلك ان جامعة باريس حرصت على تكريم الاطباء المسلمين فاحتفظت بصورتين كبيرتين في قاعتها الكبرى احداهما للرازي والاخرى لابن سينا .(92)
ومن الكتب الطبية الهامةـ ايضا ـ التي شغلت اوروبا وتأثر بها اطباء الغرب كتاب ابي القاسم الزهرواي القرطبي (324ـ 404ه ، 936ـ 1013م) المعروف باسم " التصريف لمن عجز عن التأليف " وقد ترجمه الى اللاتينية جيرارد الكريموني عام 1519م ، وهو عمل طبي ضخم ، وقد ترجم ايضا الى اللغتين البروفنسية والعبرية . واستخرجت مقالات متعددة من هذا الكتاب منها مقالات : تقاسيم الامراض ، اعمار العقاقير المفردة والمركبة ، رسالة عن امراض النساء وسواها من المقالات . ويعتبر كتابه من الكتب الهامة التي تنقسم الى قسمين : نظري وعملي .(93)
كذلك كتاب " الكليات في الطب " لابن رشد الذي ترجم الى اللاتينية عام 1255م بواسطة البادوي (بوناكوزا ) كما طبع مرة ثانية عام 1482م في البندقية ، وظهرت طبعة استراسبورج عام 1533م وطبعات لاتينية عديدة . وطبعاته العديدة تؤكد اهميته ومدى استفادة اوروبا منه . ويضم ذلك الكتاب العديد من الموضوعات والاجزاء والمقالات الخاصة بمختلف الامراض والاعضاء عند الانسان .(94)
ومن بين فروع الطب المختلفة ، نجد ان المصنفات المتعلقة بالرمد او طب العيون تستحق تنويها خاصا . ولايرجع ذلك فقط الى ان الابحاث التي اجريت عن هذا الفرع من الطب تزيد عما اجرى في اي ميدان من ميادين العلاج الاخرى ، ولكن يرجع ايضا الى الانجازات التي تركت تأثيراعلى الغرب . ولعل من اسباب الجهود الخاصة التي بذلها الاخصائيون المسلمون في الرمد ، تفشي امراض العيون في الشرق ، وهي ظاهرة لاتزال موجودة الى اليوم . غير ان طب العيون مدين في تفوقه ايضا الى الاهتمام الكبير الذي اولاه العلماء المسلمون لمشكلات علم البصريات .(95)
ومن الاهمية بمكان أن نذكر مثالا فريدا لتأثير التراث الإسلامي على الغرب . ذلك ان مؤسس علم التشريع الحديث اندرياس فيساليوس نشر في عام 1538م " جداوله " التشريحية الستة كدراسة تمهيدية لمؤلفه الرئيسي المعروف باسم " الصنعة " الذي كتبه عام 1543 . وقد ورد في النص اللاتيني لهذه الجداول عدد كبير من المصطلحات العربية والعبرية ، بل ان بعض المصطلحات كتبت بحروف عبرية . وقام شارلز سنجر وحايم رابين ببحث دقيق عن هذه الجداول . ولم تكتف هذه الدراسة بشرح النصوص الواردة في الجداول المذكورة شرحا دقيقا ، بل اظهرت ايضا كيف اهتدى فيساليوس الى معرفة المصطلحات في اللغات السامية التي لم يكن هو نفسه ضليعا فيها . وهكذا حملت جداول فيسساليوس التشريحية التراث العربي في الطب الى مطالع العصور الحديثة .(96)
وكان الكتاب الملكي في الطب لعلي بن عباس ( ت384ه/994م) شائعا عند الاوروبيين لستة قرون من الزمان .وكان كتابه " العشر المقالات في العين " أول كتاب وضع في طب العيون منهجا علميا ، وزود برسوم شيقة ، وهي أول وأدق رسوم عرفت في تشريح العين كما يقول ناشر الكتاب بالقاهرة ماكس مايرهوف ـ ويقول مؤرخ الطب العربي ادور براون : ان يوحنا بن ماسويه ـ 827م قد وضع كتابه " دغل العين " فكان أول كتاب عربي في علم الرمد وأقدم ماوضع في طب العيون في مختلف اللغات القديمة .(97)
واكتشف ابن النفيس الدمشقي المصري الدورة الدموية الصغرى ،لكن تعاليمه قد أهملت بعده ثلاثة قرون من الزمان . ثم ظهر خلال واحد وستين عاما من ترجمة كتابه الى اللاتينية ( عام 1547م) ثلاثة من علماء اوروبا يصفون دورة الدم في الرئة بنفس الالفاظ التي استخدمها ابن نفيس ، هم ميشيل سرفيتوس الاسباني الذي نشر عام 1553م كتابه، وقد اعدم بسببه حرقا وريالدو كلومبر استاذ التشريح في جامعة بادوا الذي نشر عام 1559م رأيه في كتابه ثم وليم هارفي (1658) الذي نشر عام 1622 كتابه ونسبت اليه نظرية الدورة الدموية .
وقد أثبت البحث العلمي ان هؤلاء الرواد من الغربيين لم يهتدوا الى النظرية مستقلين عن ابن النفيس ، ولا مستقلا احدهم عن الاخر . فان كتاب ابن النفيس قد ترجمه الى اللاتينية طبيب ايطالي هو " الباجو ونشرت الترجمة لاول مرة في النبدقية عام 1547 وقد كان هذا على التحقيق مرجع هارفي الذي تعزى اليه اليوم هذه النظرية .(98)
وكتب " ويل دورانت" يقول : " ان من اشهر الاطباء الإسلاميين واقدمهم هو محمد بن زكريا الرازي ، انه ألف أكثر من مئتي كتاب ورسالة أكثرها طبية ومفيدة جدا وملفتة للنظر ، ومن أهم كتبه واقومها واكثرها قيمة كتابان هما :
1. كتاب الجدري والحصباء ، وقد ترجم هذا الكتاب الى اللاتينية ثم الى سائر اللغات الاوروبية ، وقد طبعت تراجمه المختلفة من سنة 1498حتى سنة 1866م اي اربعة قرون : اربعين مرة .
2. الحاوي الكبير: هذا الكتاب حصيلة عمر كامل من المطالعة والتجارب الطبية في جميع المسائل الطبية ، وهو عشرون مجلدا ، انتشرت منه عشرة مجلدات ، خمسة منها في امراض العيون . ترجم هذا الكتاب في سنة 1279م الى اللاتينية وطبع في سنة 1542م خمس مرات ، وكان يعد من اهم المراجع والمصادر في الطب في العالم ، وكان احد الكتب التسعة التي كانت تشكل مكتبة كلية الطب في باريس في سنة 1394م.(99)
ونتيجة لنبوغ المسلمين والعرب في الطب صار العلماء يأتون من انحاء العالم الغربي ( الاوروبي ) الى مدارس المسلمين وحواضرهم لنهل العلوم الطبية والصيدلانية والكيمائية وغيرها من العلوم .(100) ويدين الطب في الغرب بثلاثة اعمال هامة على الاقل لابي مروان عبد الملك بن ابي الزهر المولود والمتوفي في اشبيلية (1091ـ1161) منهابحث في الغذاء وبحث في الجرب وهو اول من صنف للجرب القملي الذي لم يعترف به كسبب للجرب الا في عام 1687 ( بعد اكثر من اربعة قرون ) من قبل كوزينو بونومو ودياسينتو سيستوني واخيرا بحث حقيقي عما نسميه اليوم علم النفس الجسدي في علاقات النفساني بالطبيعي. ( 101)