أبو عبد الرحمن
11-24-2006, 03:39 PM
مقدمة
إن من أبرز سمات عصرنا الحاضر التقدم العلمي والتكنولوجي الذي أحرزه العالم خلال القرن المنصرم, وتأثير هذا التقدم على نشاطات المجتمع بشكل مباشر أو غير مباشر في تحقيق خطط وبرامج التنمية الاقتصادية والاجتماعية الشاملة. وعليه, فإن قاعدة البحث العلمي وتطويرها تشكل القاعدة الركيزة الأساسية لقدرات الدول على الاختراع والابتكار وتطوير التكنولوجيا واستخداماتها في مختلف قطاعات الدولة. إن ما توصل إليه العالم المعاصر من معارف وتقنيات هي امتداد لتراكمات المعارف والخبرات التي توصلت إليها الإنسانية عبر الأزمنة المتعاقبة, بما في ذلك التقدم في تطوير هذه المعارف (يوسف السلطان, 1998).
وكلما تقدمت العلوم وتعاقبت أنشطة البحث العلمي لاكتشاف الجديد والمجهول, ولاختراع وسائل أفضل لمعيشة الإنسان, تتضح أهمية هذه الأنشطة في حياة الشعوب, فالتقدم العلمي جعل حياة الإنسان أكثر راحة وإثارة, كما منحنا صحة أفضل, وسفرا أسرع وأريح, وساهم في تحسين اتصالاتنا, ووضع بين أيدينا العديد من البضائع والمنتجات والخدمات والتسالي (عالم الفكر, أكتوبر 2000).
يلعب العلم والبحث العلمي وتطبيقاته التكنولوجية دورا مهما في تطور ورفاهية المجتمع في أي دولة. ويمكن اعتبار إجراء البحوث العلمية مقياسا لتقدم هذه الدول ونموها الاجتماعي والاقتصادي. فالدول التي تعرف كيف تطبق مخرجات البحث العلمي, نجدها دائما تحتل مكان الصدارة في مجالات عديدة, مثل تصنيع الآلات والأجهزة الحربية, وهذا يجعلها تتفوق عسكريا وتكثر مساهماتها الثقافية والعلمية في الحضارة الإنسانية, أو في مجال تقديم الخدمات المتنوعة لمواطنيها وفق أحدث الأساليب. أو كمثال آخر وليس أخرا, في نموها الاقتصادي وبناء المصانع وزيادة الإنتاج وحسن استغلال الموارد الطبيعية.
يرتبط البحث العلمي وتطبيقاته التكنولوجية بالتنمية الوطنية والأعمار ارتباطا عضويا لا يمكن فصله, والدول المتقدمة صناعيا بارعة في ترسيخ هذا الارتباط والاستفادة منه لأقصى الحدود. حيث يعود التحسن في مستوى معيشة أفرادها بنسبة
60ـ80% إلى التقدم العلمي والتقني, بينما يعزى هذا التحسن بنسبة 20ـ40% إلى وجود رأس المال.
ولقد نهجت الدول المتقدمة نهجا بحيث لا تخطو خطوة في أي مجال إلا بعد دراسة مستفيضة, وهذا ما يجعلها مستقرة اجتماعيا واقتصاديا وعلميا, أو بمعنى آخر أن البحث العلمي يشكل جزءا لا يتجزأ من تنميتها القومية. وعلى العكس من ذلك نجد أن أغلب الدول النامية ترتجل الحلول للمشاكل التي تواجهها والتي تكون بعيدة جدا عن الأسلوب العلمي الموضوعي (يوسف السلطان, 1994).
أضف إلى ذلك أن المشكلة أو التحدي في توجيه البحث العلمي إلى أغراض التنمية في الدول النامية تنبع من أن التنمية وحتى مفهوم التنمية في هذه المجموعة مازالت تحبو أو أن التخطيط لها يتم بطرق ووسائل عشوائية أو ارتجالية أو مقلدة لنموذج من الدول الصناعية المتقدمة. لذا تنعكس أنشطة البحث العلمي في هذه المجتمعات نتيجة لهذا التخبط أو غياب التخطيط لتغدو ممارسات ونتائج لجهود لا تمس أو تتبع أو تتواكب مع احتياجات المجتمع. وقد لا ينظر إليها كأبحاث علمية ذات مردود اجتماعي واقتصادي. وقد يعزى ذلك إلى أن مثل هذا التجافي والتباعد بين البحث العلمي والتنمية في البلدان النامية تنتج عنه أبحاث بعيدة الصلة بالتنمية الداخلية, إذ يسعى من خلالها الباحثون النشر في دوريات علمية عالمية بغرض الترقية أو بغرض حضور محافل علمية عالمية.
ومن نافلة القول الإدراك بأن لأنشطة البحث والدراسات العلمية دورا هاما ومشاركة ضليعة في تحقيق أهداف التنمية الوطنية الشاملة لأي مجتمع, إذ تلعب هذه الأنشطة دورا بارزا في إعداد وتنمية الكوادر الوطنية وفي استغلال المصادر الطبيعية الوطنية المتاحة وفي زيادة استقلالية المجتمعات المتمثلة في استيراد أو تطوير معارف علمية وتقنيات متعددة للوفاء باحتياجات المجتمع. وتزداد مساهمة أنشطة البحث العلمي في تطوير المجتمع وتتناسب طرديا مع كيفية الاستفادة من نتائج الأبحاث العلمية وتطبيقها في قطاعات المجتمع المختلفة. ويتطلب ذلك, تفاعلا اجتماعيا وعلميا بين العاملين في هذه المؤسسات وبين القطاعات أو المؤسسات المستفيدة. ولا جدال أن غياب مثل هذا التفاعل أو عدم وجود تنسيق بين هذه الجهات يؤدي إلى تشتيت الجهود والتأخير في مرحلة التوصل إلى الحلول والاقتراحات والبدائل في المؤسسات العلمية ومن ثم تبنيها وتطبيقها في القطاعات والمؤسسات ذات العلاقة.
إن الاستفادة من نتائج الأبحاث والدراسات العلمية تبدأ من مؤسسات الأبحاث العلمية والتطوير (إما باستجابتها لطلب قطاع ما في المجتمع أو بمبادرتها لوضع حلول ودراسات تهدف إلى تعزيز هذا القطاع), حيث تبدأ حينها هذه المؤسسات بتشخيص المشكلة ودراستها ثم وضع المقترحات الوافية والكفيلة بمعالجتها للتوصل إلى الحلول ومن ثم التوصيات اللازمة بها على أن تطابق هذه الحلول واقع الحال لدى هذه المؤسسات ويتم اختبارها والتأكد من فاعليتها قبل إعدادها بصورة نهائية وتقديمها إلى القطاع أو المؤسسة المستفيدة.
يلعب البحث العلمي وتطبيقاته التكنولوجية دورا هاما في تطور ورفاهية المجتمع في أي دولة. ويمكن اعتبار إجراء البحوث العلمية مقياسا لتقدم هذه الدول ونموها الاجتماعي والاقتصادي. فالدول التي تتميز بكفاءة تطبيق مخرجات البحث العلمي, نجدها دائما تحتل مكان الصدارة في مجالات عديدة, مثل تصنيع الآلات والأجهزة الحربية, وهذا يجعلها تتفوق عسكريا وتكثر مساهماتها الثقافية والعلمية في الحضارة الإنسانية, أو في مجال تقديم الخدمات المتنوعة لمواطنيها وفق أحدث الأساليب. أو كمثال آخر وليس أخرا , في نموها الاقتصادي وبناء المصانع وزيادة الإنتاج وحسن استغلال الموارد الطبيعية. وتسمى هذه الدول بالدول المتقدمة أو الصناعية (أو دول الشمال). بينما نجد دولا أخرى تسمى بالدول النامية (أو دول الجنوب) نرى أن قدرتها على استخدام العلم والبحث العلمي وتطبيقاته التكنولوجية متخلفة (يوسف السلطان, 2000).
إن العلم أفضل فعاليات الإنسان وأكثر أشكال الحضارة البشرية حضورا وتمثلا وأشدها إيجابية, وإن هذه الحقب المتعاقبة من تاريخ الإنسان وأنشطته, ما كان يمكن اقتحامها ومحاولة دراستها إلا بواسطة مناهج للبحث العلمي. فالمضادات الحيوية والحاسبات الإلكترونية والطاقة النووية والسفر عبر الفضاء, الخ كمكتشفات بالغة التطور والتي تثير الدهشة والإعجاب تمتد بجذورها إلى الجهد الإنساني وكانت سببا ونتيجة لتطور فكر ونمو تفكير الإنسان. فالعلم والبحث العلمي ينتجان من العقل ويمثلان خيرا عميما متاحا للجميع, وليس حكرا على فئة ما.
كما أن العلم شريان تاجي من شرايين الحضارة الإنسانية ونبضه مؤشر دال على حيوية الحضارة والتقدم ورقي الأمم. والحضارة, لامراء, ليست مراحل منفصلة متمايزة بقدر ما هي عملية متصلة وسيرورة متنامية, تسلم كل مرحلة فيها إلى الأخرى. أما البحث العلمي فهو منشط ذو حدود مهنية قاطعة وآليات متعينة ووسائل نافذة تحكم عملية إنتاج منتظمة وراهنة للمعرفة, لكونه يرتكز على منهج محدد عماده التجربة. والمنهج هو الطريق الواضح الذي يفضي إلى غاية مقصورة, لذا, يغدو المنهج طريقا محددا لتنظيم النشاط من أجل تحقيق الهدف المنشود.
فالمنهج العلمي إذن هو طريقة تنظيم عملية اكتساب المعرفة العلمية, إنه المبادئ التنظيمية الكامنة في الممارسات الفعلية للعلماء الذين انخرطوا بنجاح, وعلى مر العصور, في إنتاج المعرفة العلمية والإضافة إلى نسق العلم.
وجدير بالذكر الإفادة بأن المجتمع العلمي التجريبي يعتمد على الاستقراء (تبرير المعرفة العلمية), وهو تتبع الأمر لمعرفة أحواله, والحكم على الكلي لثبوت ذلك الحكم في الجزئي. والاستقراء عبارة عن قواعد تنظم عملية إنتاج المعرفة العلمية وفق الخطوات التالية:
الخطوة الأولى: الملاحظة التجريبية.
الخطوة الثانية: التعميم الاستقرائي للوقائع.
الخطوة الثالثة: افتراض فروض تعلل أو تفسر التعميم الاستقرائي.
الخطوة الرابعة: التحقق من صحة هذه الفروض.
أما العلماء بهيئاتهم وخبراتهم ومجالات عملهم وموضوعاته وأهدافه, فهم يمثلون أهم مؤسسات الحضارة المعاصرة, إذ لا تقتصر المؤسسات العلمية على إيجاد نوع من الانسجام بين أفراد المجتمع أو الجماعات, بل يتسم المجتمع العلمي والعشيرة العلمية بدرجة من التآزر والتضافر والتكاتف يميزه عن أي نشاط آخر في المجتمع (يمنى الخولي, ديسمبر 2000).
وقد شكل الإسلام منذ بداياته الأولى إطارا مميزا , فهو يشمل كل مجالات الحياة الدنيوية والأخروية, حيث يرتبط عضويا بالدولة والسياسة والقانون والمجتمع ويكتنف الحياة العامة والخاصة وهو لم يفرق بأي حال من الأحوال بين ما هو ديني وما هو دنيوي وما هو روحي وما هو بدني زمني. وعلى ذلك فإن الدين في المنظور الإسلامي هو منهاج شامل, الأمر الذي يجعله إطارا ملائما لدفع التنمية الشاملة والمتواصلة, ذلك لأن التقدم في ميدان ما لا يمكن أن يتم إلا إذا صحبه وتوافق معه تقدم في باقي الميادين من الحياة الاجتماعية (محمد إسماعيل, الوعي الإسلامي 1997).
أن أول آية قرآنية لامست قلب الرسول صلى الله عليه وسلم كانت تحثه على العلم وأهمية طلبه:
اقرأ باسم ربك الذي خلق. خلق الإنسان من علق. اقرأ وربك الأكرم. الذي علم بالقلم. علم الإنسان ما لم يعلم . العلق 1ـ5.
فالإسلام, لا مراء, يدعو إلى العلم والتقدم الذي تستفيد منه الحضارة الإنسانية, وما كانت البشرية لتصل إلى ما وصلت إليه لولا إنتاج العقل المبنى على العلم والبحث العلمي. ذلك العقل الذي يعرف أن له خالقا, خلق فسوى, وقدر فهدى يتطلع إلى الكون بنظرة إيمانية تعينه على تحقيق النتاج العلمي (أحمد هاشم, القبس 19/12/2000).
الإسلام وتطوير العلم والبحث العلمي وتفضيل العلماء
أرسل الله سبحانه وتعالى إلى البشرية رسلا وأنبياء عددين منهم من حمل كتبا سماوية تدعو إلى الإيمان والتوحيد وتبين بعض المواعظ والحكم. إلا أن البشرية لم تشهد ومنذ أن خلق الله الأرض ومن عليها وإلى أن يرثها كتابا فيه من الإعجاز والبلاغة والفلسفة والعلم والعظة والحكمة والعبرة الخ, مثل القرآن الكريم. فلقد تميز هذا الكتاب العزيز عن الكتب المقدسة الأخرى بمجموعة من الإعجازات جعلت منه الكتاب الشامل والحاوي لكل ما يحتاجه الإنسان في حياته وعلاقته مع الآخرين ومع ربه وحتى مع كونه وما يحيط به من مخلوقات.
ولا غرو أن هذا الكتاب المكنون بآياته الجليلة, وبمرامي غاياته السامية المتميزة, إنما هو تهذيب وترصين للنفس الإنسانية, وتطمين لروح بني آدم, ليستقيم لها الصلاح, ولتستوي لها سبل المعيشة الرغدة, وليستقر لها الفلاح, فتضحى بذلك وتمسى راسخة الإيمان, وطيدة البنيان, إزاء خالق الخلق وباتجاه ذاتها ومتناسقة مع الآخرين فرادى أو جماعات. ولا تثريب أن القرآن الكريم سيظل مرشدا وهاديا للبشرية جيلا تلو الآخر تتعاقب على معينه الديمومي لتنهل من عطائه وتدفقه المتجدد أبدا . بل إن ما سنذكره أدناه إضافة إلى تعليمات وهدى السنة المطهرة والأحاديث النبوية الشريفة لسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم في هذا المضمون سيعكس لا تتريب, دور الإسلام في رقى العقل البشري وسمو التفكر والتدبر لدى الإنسان.
حين يأتي إنسان ويقول إنه رسول من عند الله جاء ليبلغ منهجه أفنصدقه أم أننا نطالبه بإثبات ما يقول. إذن كان لا بد أن يجيء مع كل رسول معجزة تثبت صدقه في رسالته وفي بلاغه من الله وأن تكون المعجزة مما لا يستطيع أحد أن يأتي به وأن تكون أيضا مما نبغ فيه قومه حتى لا يقال أن رسولا قد تحدى قومه بأمر لا يعرفونه ولا موهبة لهم فيه فالتحدي يجب أن يكون في أمر نبغ فيه القوم حتى يكون للتحدي قيمة ولذلك نلاحظ في معجزة كل رسول أنها جاءت فيما نبغ فيه قومه وأنها جاءت لتهدم ما يتخذونه إلها من دون الله (محمد الشعراوي, غير مؤرخ).
فمثلا معجزة سيدنا إبراهيم عليه السلام جاءت في قوم يعبدون الأصنام ويسجدون لها ويقدسونها ولذلك عندما أرادوا إحراق إبراهيم عليه السلام جاءوا به أمام آلهتهم ليقتلونه في النار وكان المفروض أن هذه الآلهة تنتقم لنفسها ممن حطمها إذا كانت تستطيع لنفسها نفعا أو ضرا ولكنهم حين ألقوا بسيدنا إبراهيم عليه السلام الذي سفه معتقداتهم في النار لم تحرقه النار وخذلتهم آلهتهم ولكن معجزة سيدنا إبراهيم عليه السلام ليست أن ينجو من النار فلو أراد الله أن ينجيه من النار ما مكنهم من إلقاء القبض عليه أو نزلت الأمطار لتطفيء النار ولكن الله شاء أن تظل النار نارا متأججة محرقة مدمرة وأن يؤخذ سيدنا إبراهيم عليه السلام عيانا أمام الناس ويرمى في النار وهنا يعطل ناموس أو قانون إحراقها قلنا يا نار كوني بردا وسلاما على إبراهيم . الأنبياء . 69.
ولو أن سيدنا إبراهيم عليه السلام نجا بأن هرب مثلا لقالوا لو أمسكناه لأحرقناه ولو نزلت الأمطار لقالوا لو لم تنزل الأمطار لأحرقناه, بيد أن سيدنا إبراهيم عليه السلام لم يهرب والأمطار لم تنزل والنار متأججة ولكنها لم تحرق سيدنا إبراهيم عليه السلام فكأن آلهتهم التي كانوا يزعمون أنهم ينتقمون لها ليست بآلهة كما يزعمون وإنما هي أصنام لا تضر ولا تنفع وكل شيء في هذا الكون خاضع لمشيئة الله. وإرادة الله فعندما يقول جلت قدرته (يا نار كوني بردا وسلاما ) تتعطل خاصية الاحتراق وتقف قوانين الكون عاجزة أمام قدرة الله وتقف آلهتهم عاجزة أمام قدرة الله وتقف آلهتهم عاجزة على أن تقول: يا نار أحرقي من حطمني.
وسيدنا عيسى عليه السلام جاء وقومه يمارسون الطب فجاء لهم بمعجزة من جنس ما نبغوا فيه فأبرأ الأكمة والأبرص وتسامى إلى شيء آخر لم يصلوا هم إليه فأحيا الموتى. إذن فمعجزات الرسل هي خرق نواميس أو قوانين الكون.
على أنه يلاحظ أن معجزة القرآن تختلف عن معجزات الرسل السابقين عليهم السلام. معجزات الرسل عليهم السلام خرقت النواميس وتحدت وأثبتت أن الذي جاءت على يديه رسول صادق من الله سبحانه وتعالى, ولكنها معجزات كونية من رآها فقد آمن بها ومن لم يرها صارت عنده خبرا إن شاء صدقه وإن شاء لم يصدقه. ولو لم ترد في القرآن لكان من الممكن أن يقال إنها لم تحدث إذن. فالمعجزة الكونية المحسة أي التي يحس بها الإنسان ويراها تقع مرة واحدة من رآها فقد آمن بها ومن لم يرها تصبح خبرا بعد ذلك. ولكن معجزة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم معجزة عقلية باقية خالدة شيء آخر. فإذا نظرنا إلى المعجزات السابقة وجدنا هذه المعجزة فعلا من أفعال الله وفعلا من الممكن أن ينتهي بعد أن يفعله الله, البحر انشق لسيدنا موسى عليه السلام ثم عاد إلى طبيعته. النار لم تحرق سيدنا إبراهيم عليه السلام ولكنها عادت إلى خاصيتها بعد ذلك ولكن معجزة النبي صلى الله عليه وسلم صفة من صفات الله وهي كلامه والفعل باق بإبقاء الفاعل له والصفة باقية ببقاء الفاعل نفسه.
ويلاحظ أيضا في معجزة القرآن أنها اختلفت عن معجزات الرسل عليهم السلام اختلافا آخر. كل رسول كانت له معجزة وله كتاب منهج. معجزة سيدنا موسى عليه السلام العصا ومنهجه التوراة ومعجزة عيسى عليه السلام الطب ومنهجه الإنجيل. ولكن رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم معجزته هي عين منهجه ليظل المنهج محروسا بالمعجزة وتظل المعجزة في المنهج. ومن هنا فقد كانت الكتب السابقة للقرآن داخلة في نطاق التكليف بمعنى أن الله سبحانه وتعالى كان يكلف عباده بالمحافظة على الكتاب. أما القرآن الكريم فقد قال الله سبحانه وتعالى عنه: "إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون . (الحجر ـ 9) لماذا?
أولا : لأن القرآن معجزة وكونه معجزة لا بد أن يبقى بهذا النص وإلا ضاع الإعجاز.
ثانيا : لأن الله جرب عباده في الحفاظ على الكتب السماوية فنسوا حظا مما ذكروا به والذي لم ينسوه كتموا بعضه والذي لم يكتموه يلوون ألسنتهم به ويحرفونه عن موضعه وهكذا نرى أنه كان هناك أكثر من نوع المسخ والنسيان والتحريف ثم جاءوا بأشياء من عندهم وقالوا إنها من عند الله ليشتروا بها ثمنا قليلا .
وجدير أن نذكر, أن القرآن المجيد لم يأت ككتاب علم, ولم يأت ليبين لنا الجغرافيا والكيمياء والطبيعة وغيرها من العلوم, بل أنه نزل ليعلم البشرية الأحكام, والقرآن وإن لم ينزل ليعلم الناس العلوم الطبية أو أي علوم أخرى إلا أنه قد يمس قضية طبية بالتفاصيل الدقيقة, توصل إلى كينونتها الأطباء والعلماء بعد مئات السنين من نزول القرآن العظيم. فهذه الحقائق التي انتهت إليها آيات القرآن العزيز, هي قضايا الكون الأساسية, وهي الدعائم والركائز التي خلق الباري جلت قدرته على أساسها الكون, على أنها حقائق علمية ثابتة وراسخة وديمومية سواء توصلت إليها الاكتشافات العلمية أم لم تصل. فالقرآن الحكيم كتاب هداية وعقيدة وهو يخاطب ضمير الإنسان ويحيي فيه عوامل النمو والارتقاء, والصلاح والخير, والطيبة والفضيلة. لقد أحاطت جوامع الكلم بهذا السر الإلهي الذي جمع بين ما جمع قصص الأنبياء عليهم السلام, وبيان الحكم, وأساس الموعظة الحسنة. كما أشار إلى كثير من الحقائق العلمية والكونية التي تشهد بأنه لم يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها, ولم ينزل القرآن الكريم تطبيقا لنظرياتنا العلمية أو تحقيقا لأفكارنا, وعلى هذا فنحن لا نستطيع أن نطبق أية نظرية بالافتراض مع القرآن لأن هذه النظريات قد تكون صحيحة مطابقة ليومنا الحاضر, ولكنها تختلف في المستقبل القريب أو البعيد نظرا لما يحدث من تطورات مستمرة في مجال العلم والمعرفة. أما القرآن الحكيم فبنعمة من الله وفضل محكم في آياته, مسلسل في حوادثه, عظيم في معناه, سام في تراكيبه, لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه, تنزيل من حكيم حميد. والذين يفسرون القرآن الحكيم بما يطابق مسائل العلم ويستخرجون منه كل مسألة تظهر في عالم العلم, يسيئون إلى القرآن الكريم من حيث يظنون أنهم يحسنون صنعا لأن هذه المسائل التي تخضع لسنة التقدم تتبدل, وقد تتقوض من أساسها وتبطل, فإذا فسرنا القرآن بها تعرضنا في تفسيره للنقائض كلما تبدلت القواعد العلمية, أو تتابعت الكشوف بجديد ينقض القديم, أو يقين يبطل التخمين.
إن من أبرز سمات عصرنا الحاضر التقدم العلمي والتكنولوجي الذي أحرزه العالم خلال القرن المنصرم, وتأثير هذا التقدم على نشاطات المجتمع بشكل مباشر أو غير مباشر في تحقيق خطط وبرامج التنمية الاقتصادية والاجتماعية الشاملة. وعليه, فإن قاعدة البحث العلمي وتطويرها تشكل القاعدة الركيزة الأساسية لقدرات الدول على الاختراع والابتكار وتطوير التكنولوجيا واستخداماتها في مختلف قطاعات الدولة. إن ما توصل إليه العالم المعاصر من معارف وتقنيات هي امتداد لتراكمات المعارف والخبرات التي توصلت إليها الإنسانية عبر الأزمنة المتعاقبة, بما في ذلك التقدم في تطوير هذه المعارف (يوسف السلطان, 1998).
وكلما تقدمت العلوم وتعاقبت أنشطة البحث العلمي لاكتشاف الجديد والمجهول, ولاختراع وسائل أفضل لمعيشة الإنسان, تتضح أهمية هذه الأنشطة في حياة الشعوب, فالتقدم العلمي جعل حياة الإنسان أكثر راحة وإثارة, كما منحنا صحة أفضل, وسفرا أسرع وأريح, وساهم في تحسين اتصالاتنا, ووضع بين أيدينا العديد من البضائع والمنتجات والخدمات والتسالي (عالم الفكر, أكتوبر 2000).
يلعب العلم والبحث العلمي وتطبيقاته التكنولوجية دورا مهما في تطور ورفاهية المجتمع في أي دولة. ويمكن اعتبار إجراء البحوث العلمية مقياسا لتقدم هذه الدول ونموها الاجتماعي والاقتصادي. فالدول التي تعرف كيف تطبق مخرجات البحث العلمي, نجدها دائما تحتل مكان الصدارة في مجالات عديدة, مثل تصنيع الآلات والأجهزة الحربية, وهذا يجعلها تتفوق عسكريا وتكثر مساهماتها الثقافية والعلمية في الحضارة الإنسانية, أو في مجال تقديم الخدمات المتنوعة لمواطنيها وفق أحدث الأساليب. أو كمثال آخر وليس أخرا, في نموها الاقتصادي وبناء المصانع وزيادة الإنتاج وحسن استغلال الموارد الطبيعية.
يرتبط البحث العلمي وتطبيقاته التكنولوجية بالتنمية الوطنية والأعمار ارتباطا عضويا لا يمكن فصله, والدول المتقدمة صناعيا بارعة في ترسيخ هذا الارتباط والاستفادة منه لأقصى الحدود. حيث يعود التحسن في مستوى معيشة أفرادها بنسبة
60ـ80% إلى التقدم العلمي والتقني, بينما يعزى هذا التحسن بنسبة 20ـ40% إلى وجود رأس المال.
ولقد نهجت الدول المتقدمة نهجا بحيث لا تخطو خطوة في أي مجال إلا بعد دراسة مستفيضة, وهذا ما يجعلها مستقرة اجتماعيا واقتصاديا وعلميا, أو بمعنى آخر أن البحث العلمي يشكل جزءا لا يتجزأ من تنميتها القومية. وعلى العكس من ذلك نجد أن أغلب الدول النامية ترتجل الحلول للمشاكل التي تواجهها والتي تكون بعيدة جدا عن الأسلوب العلمي الموضوعي (يوسف السلطان, 1994).
أضف إلى ذلك أن المشكلة أو التحدي في توجيه البحث العلمي إلى أغراض التنمية في الدول النامية تنبع من أن التنمية وحتى مفهوم التنمية في هذه المجموعة مازالت تحبو أو أن التخطيط لها يتم بطرق ووسائل عشوائية أو ارتجالية أو مقلدة لنموذج من الدول الصناعية المتقدمة. لذا تنعكس أنشطة البحث العلمي في هذه المجتمعات نتيجة لهذا التخبط أو غياب التخطيط لتغدو ممارسات ونتائج لجهود لا تمس أو تتبع أو تتواكب مع احتياجات المجتمع. وقد لا ينظر إليها كأبحاث علمية ذات مردود اجتماعي واقتصادي. وقد يعزى ذلك إلى أن مثل هذا التجافي والتباعد بين البحث العلمي والتنمية في البلدان النامية تنتج عنه أبحاث بعيدة الصلة بالتنمية الداخلية, إذ يسعى من خلالها الباحثون النشر في دوريات علمية عالمية بغرض الترقية أو بغرض حضور محافل علمية عالمية.
ومن نافلة القول الإدراك بأن لأنشطة البحث والدراسات العلمية دورا هاما ومشاركة ضليعة في تحقيق أهداف التنمية الوطنية الشاملة لأي مجتمع, إذ تلعب هذه الأنشطة دورا بارزا في إعداد وتنمية الكوادر الوطنية وفي استغلال المصادر الطبيعية الوطنية المتاحة وفي زيادة استقلالية المجتمعات المتمثلة في استيراد أو تطوير معارف علمية وتقنيات متعددة للوفاء باحتياجات المجتمع. وتزداد مساهمة أنشطة البحث العلمي في تطوير المجتمع وتتناسب طرديا مع كيفية الاستفادة من نتائج الأبحاث العلمية وتطبيقها في قطاعات المجتمع المختلفة. ويتطلب ذلك, تفاعلا اجتماعيا وعلميا بين العاملين في هذه المؤسسات وبين القطاعات أو المؤسسات المستفيدة. ولا جدال أن غياب مثل هذا التفاعل أو عدم وجود تنسيق بين هذه الجهات يؤدي إلى تشتيت الجهود والتأخير في مرحلة التوصل إلى الحلول والاقتراحات والبدائل في المؤسسات العلمية ومن ثم تبنيها وتطبيقها في القطاعات والمؤسسات ذات العلاقة.
إن الاستفادة من نتائج الأبحاث والدراسات العلمية تبدأ من مؤسسات الأبحاث العلمية والتطوير (إما باستجابتها لطلب قطاع ما في المجتمع أو بمبادرتها لوضع حلول ودراسات تهدف إلى تعزيز هذا القطاع), حيث تبدأ حينها هذه المؤسسات بتشخيص المشكلة ودراستها ثم وضع المقترحات الوافية والكفيلة بمعالجتها للتوصل إلى الحلول ومن ثم التوصيات اللازمة بها على أن تطابق هذه الحلول واقع الحال لدى هذه المؤسسات ويتم اختبارها والتأكد من فاعليتها قبل إعدادها بصورة نهائية وتقديمها إلى القطاع أو المؤسسة المستفيدة.
يلعب البحث العلمي وتطبيقاته التكنولوجية دورا هاما في تطور ورفاهية المجتمع في أي دولة. ويمكن اعتبار إجراء البحوث العلمية مقياسا لتقدم هذه الدول ونموها الاجتماعي والاقتصادي. فالدول التي تتميز بكفاءة تطبيق مخرجات البحث العلمي, نجدها دائما تحتل مكان الصدارة في مجالات عديدة, مثل تصنيع الآلات والأجهزة الحربية, وهذا يجعلها تتفوق عسكريا وتكثر مساهماتها الثقافية والعلمية في الحضارة الإنسانية, أو في مجال تقديم الخدمات المتنوعة لمواطنيها وفق أحدث الأساليب. أو كمثال آخر وليس أخرا , في نموها الاقتصادي وبناء المصانع وزيادة الإنتاج وحسن استغلال الموارد الطبيعية. وتسمى هذه الدول بالدول المتقدمة أو الصناعية (أو دول الشمال). بينما نجد دولا أخرى تسمى بالدول النامية (أو دول الجنوب) نرى أن قدرتها على استخدام العلم والبحث العلمي وتطبيقاته التكنولوجية متخلفة (يوسف السلطان, 2000).
إن العلم أفضل فعاليات الإنسان وأكثر أشكال الحضارة البشرية حضورا وتمثلا وأشدها إيجابية, وإن هذه الحقب المتعاقبة من تاريخ الإنسان وأنشطته, ما كان يمكن اقتحامها ومحاولة دراستها إلا بواسطة مناهج للبحث العلمي. فالمضادات الحيوية والحاسبات الإلكترونية والطاقة النووية والسفر عبر الفضاء, الخ كمكتشفات بالغة التطور والتي تثير الدهشة والإعجاب تمتد بجذورها إلى الجهد الإنساني وكانت سببا ونتيجة لتطور فكر ونمو تفكير الإنسان. فالعلم والبحث العلمي ينتجان من العقل ويمثلان خيرا عميما متاحا للجميع, وليس حكرا على فئة ما.
كما أن العلم شريان تاجي من شرايين الحضارة الإنسانية ونبضه مؤشر دال على حيوية الحضارة والتقدم ورقي الأمم. والحضارة, لامراء, ليست مراحل منفصلة متمايزة بقدر ما هي عملية متصلة وسيرورة متنامية, تسلم كل مرحلة فيها إلى الأخرى. أما البحث العلمي فهو منشط ذو حدود مهنية قاطعة وآليات متعينة ووسائل نافذة تحكم عملية إنتاج منتظمة وراهنة للمعرفة, لكونه يرتكز على منهج محدد عماده التجربة. والمنهج هو الطريق الواضح الذي يفضي إلى غاية مقصورة, لذا, يغدو المنهج طريقا محددا لتنظيم النشاط من أجل تحقيق الهدف المنشود.
فالمنهج العلمي إذن هو طريقة تنظيم عملية اكتساب المعرفة العلمية, إنه المبادئ التنظيمية الكامنة في الممارسات الفعلية للعلماء الذين انخرطوا بنجاح, وعلى مر العصور, في إنتاج المعرفة العلمية والإضافة إلى نسق العلم.
وجدير بالذكر الإفادة بأن المجتمع العلمي التجريبي يعتمد على الاستقراء (تبرير المعرفة العلمية), وهو تتبع الأمر لمعرفة أحواله, والحكم على الكلي لثبوت ذلك الحكم في الجزئي. والاستقراء عبارة عن قواعد تنظم عملية إنتاج المعرفة العلمية وفق الخطوات التالية:
الخطوة الأولى: الملاحظة التجريبية.
الخطوة الثانية: التعميم الاستقرائي للوقائع.
الخطوة الثالثة: افتراض فروض تعلل أو تفسر التعميم الاستقرائي.
الخطوة الرابعة: التحقق من صحة هذه الفروض.
أما العلماء بهيئاتهم وخبراتهم ومجالات عملهم وموضوعاته وأهدافه, فهم يمثلون أهم مؤسسات الحضارة المعاصرة, إذ لا تقتصر المؤسسات العلمية على إيجاد نوع من الانسجام بين أفراد المجتمع أو الجماعات, بل يتسم المجتمع العلمي والعشيرة العلمية بدرجة من التآزر والتضافر والتكاتف يميزه عن أي نشاط آخر في المجتمع (يمنى الخولي, ديسمبر 2000).
وقد شكل الإسلام منذ بداياته الأولى إطارا مميزا , فهو يشمل كل مجالات الحياة الدنيوية والأخروية, حيث يرتبط عضويا بالدولة والسياسة والقانون والمجتمع ويكتنف الحياة العامة والخاصة وهو لم يفرق بأي حال من الأحوال بين ما هو ديني وما هو دنيوي وما هو روحي وما هو بدني زمني. وعلى ذلك فإن الدين في المنظور الإسلامي هو منهاج شامل, الأمر الذي يجعله إطارا ملائما لدفع التنمية الشاملة والمتواصلة, ذلك لأن التقدم في ميدان ما لا يمكن أن يتم إلا إذا صحبه وتوافق معه تقدم في باقي الميادين من الحياة الاجتماعية (محمد إسماعيل, الوعي الإسلامي 1997).
أن أول آية قرآنية لامست قلب الرسول صلى الله عليه وسلم كانت تحثه على العلم وأهمية طلبه:
اقرأ باسم ربك الذي خلق. خلق الإنسان من علق. اقرأ وربك الأكرم. الذي علم بالقلم. علم الإنسان ما لم يعلم . العلق 1ـ5.
فالإسلام, لا مراء, يدعو إلى العلم والتقدم الذي تستفيد منه الحضارة الإنسانية, وما كانت البشرية لتصل إلى ما وصلت إليه لولا إنتاج العقل المبنى على العلم والبحث العلمي. ذلك العقل الذي يعرف أن له خالقا, خلق فسوى, وقدر فهدى يتطلع إلى الكون بنظرة إيمانية تعينه على تحقيق النتاج العلمي (أحمد هاشم, القبس 19/12/2000).
الإسلام وتطوير العلم والبحث العلمي وتفضيل العلماء
أرسل الله سبحانه وتعالى إلى البشرية رسلا وأنبياء عددين منهم من حمل كتبا سماوية تدعو إلى الإيمان والتوحيد وتبين بعض المواعظ والحكم. إلا أن البشرية لم تشهد ومنذ أن خلق الله الأرض ومن عليها وإلى أن يرثها كتابا فيه من الإعجاز والبلاغة والفلسفة والعلم والعظة والحكمة والعبرة الخ, مثل القرآن الكريم. فلقد تميز هذا الكتاب العزيز عن الكتب المقدسة الأخرى بمجموعة من الإعجازات جعلت منه الكتاب الشامل والحاوي لكل ما يحتاجه الإنسان في حياته وعلاقته مع الآخرين ومع ربه وحتى مع كونه وما يحيط به من مخلوقات.
ولا غرو أن هذا الكتاب المكنون بآياته الجليلة, وبمرامي غاياته السامية المتميزة, إنما هو تهذيب وترصين للنفس الإنسانية, وتطمين لروح بني آدم, ليستقيم لها الصلاح, ولتستوي لها سبل المعيشة الرغدة, وليستقر لها الفلاح, فتضحى بذلك وتمسى راسخة الإيمان, وطيدة البنيان, إزاء خالق الخلق وباتجاه ذاتها ومتناسقة مع الآخرين فرادى أو جماعات. ولا تثريب أن القرآن الكريم سيظل مرشدا وهاديا للبشرية جيلا تلو الآخر تتعاقب على معينه الديمومي لتنهل من عطائه وتدفقه المتجدد أبدا . بل إن ما سنذكره أدناه إضافة إلى تعليمات وهدى السنة المطهرة والأحاديث النبوية الشريفة لسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم في هذا المضمون سيعكس لا تتريب, دور الإسلام في رقى العقل البشري وسمو التفكر والتدبر لدى الإنسان.
حين يأتي إنسان ويقول إنه رسول من عند الله جاء ليبلغ منهجه أفنصدقه أم أننا نطالبه بإثبات ما يقول. إذن كان لا بد أن يجيء مع كل رسول معجزة تثبت صدقه في رسالته وفي بلاغه من الله وأن تكون المعجزة مما لا يستطيع أحد أن يأتي به وأن تكون أيضا مما نبغ فيه قومه حتى لا يقال أن رسولا قد تحدى قومه بأمر لا يعرفونه ولا موهبة لهم فيه فالتحدي يجب أن يكون في أمر نبغ فيه القوم حتى يكون للتحدي قيمة ولذلك نلاحظ في معجزة كل رسول أنها جاءت فيما نبغ فيه قومه وأنها جاءت لتهدم ما يتخذونه إلها من دون الله (محمد الشعراوي, غير مؤرخ).
فمثلا معجزة سيدنا إبراهيم عليه السلام جاءت في قوم يعبدون الأصنام ويسجدون لها ويقدسونها ولذلك عندما أرادوا إحراق إبراهيم عليه السلام جاءوا به أمام آلهتهم ليقتلونه في النار وكان المفروض أن هذه الآلهة تنتقم لنفسها ممن حطمها إذا كانت تستطيع لنفسها نفعا أو ضرا ولكنهم حين ألقوا بسيدنا إبراهيم عليه السلام الذي سفه معتقداتهم في النار لم تحرقه النار وخذلتهم آلهتهم ولكن معجزة سيدنا إبراهيم عليه السلام ليست أن ينجو من النار فلو أراد الله أن ينجيه من النار ما مكنهم من إلقاء القبض عليه أو نزلت الأمطار لتطفيء النار ولكن الله شاء أن تظل النار نارا متأججة محرقة مدمرة وأن يؤخذ سيدنا إبراهيم عليه السلام عيانا أمام الناس ويرمى في النار وهنا يعطل ناموس أو قانون إحراقها قلنا يا نار كوني بردا وسلاما على إبراهيم . الأنبياء . 69.
ولو أن سيدنا إبراهيم عليه السلام نجا بأن هرب مثلا لقالوا لو أمسكناه لأحرقناه ولو نزلت الأمطار لقالوا لو لم تنزل الأمطار لأحرقناه, بيد أن سيدنا إبراهيم عليه السلام لم يهرب والأمطار لم تنزل والنار متأججة ولكنها لم تحرق سيدنا إبراهيم عليه السلام فكأن آلهتهم التي كانوا يزعمون أنهم ينتقمون لها ليست بآلهة كما يزعمون وإنما هي أصنام لا تضر ولا تنفع وكل شيء في هذا الكون خاضع لمشيئة الله. وإرادة الله فعندما يقول جلت قدرته (يا نار كوني بردا وسلاما ) تتعطل خاصية الاحتراق وتقف قوانين الكون عاجزة أمام قدرة الله وتقف آلهتهم عاجزة أمام قدرة الله وتقف آلهتهم عاجزة على أن تقول: يا نار أحرقي من حطمني.
وسيدنا عيسى عليه السلام جاء وقومه يمارسون الطب فجاء لهم بمعجزة من جنس ما نبغوا فيه فأبرأ الأكمة والأبرص وتسامى إلى شيء آخر لم يصلوا هم إليه فأحيا الموتى. إذن فمعجزات الرسل هي خرق نواميس أو قوانين الكون.
على أنه يلاحظ أن معجزة القرآن تختلف عن معجزات الرسل السابقين عليهم السلام. معجزات الرسل عليهم السلام خرقت النواميس وتحدت وأثبتت أن الذي جاءت على يديه رسول صادق من الله سبحانه وتعالى, ولكنها معجزات كونية من رآها فقد آمن بها ومن لم يرها صارت عنده خبرا إن شاء صدقه وإن شاء لم يصدقه. ولو لم ترد في القرآن لكان من الممكن أن يقال إنها لم تحدث إذن. فالمعجزة الكونية المحسة أي التي يحس بها الإنسان ويراها تقع مرة واحدة من رآها فقد آمن بها ومن لم يرها تصبح خبرا بعد ذلك. ولكن معجزة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم معجزة عقلية باقية خالدة شيء آخر. فإذا نظرنا إلى المعجزات السابقة وجدنا هذه المعجزة فعلا من أفعال الله وفعلا من الممكن أن ينتهي بعد أن يفعله الله, البحر انشق لسيدنا موسى عليه السلام ثم عاد إلى طبيعته. النار لم تحرق سيدنا إبراهيم عليه السلام ولكنها عادت إلى خاصيتها بعد ذلك ولكن معجزة النبي صلى الله عليه وسلم صفة من صفات الله وهي كلامه والفعل باق بإبقاء الفاعل له والصفة باقية ببقاء الفاعل نفسه.
ويلاحظ أيضا في معجزة القرآن أنها اختلفت عن معجزات الرسل عليهم السلام اختلافا آخر. كل رسول كانت له معجزة وله كتاب منهج. معجزة سيدنا موسى عليه السلام العصا ومنهجه التوراة ومعجزة عيسى عليه السلام الطب ومنهجه الإنجيل. ولكن رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم معجزته هي عين منهجه ليظل المنهج محروسا بالمعجزة وتظل المعجزة في المنهج. ومن هنا فقد كانت الكتب السابقة للقرآن داخلة في نطاق التكليف بمعنى أن الله سبحانه وتعالى كان يكلف عباده بالمحافظة على الكتاب. أما القرآن الكريم فقد قال الله سبحانه وتعالى عنه: "إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون . (الحجر ـ 9) لماذا?
أولا : لأن القرآن معجزة وكونه معجزة لا بد أن يبقى بهذا النص وإلا ضاع الإعجاز.
ثانيا : لأن الله جرب عباده في الحفاظ على الكتب السماوية فنسوا حظا مما ذكروا به والذي لم ينسوه كتموا بعضه والذي لم يكتموه يلوون ألسنتهم به ويحرفونه عن موضعه وهكذا نرى أنه كان هناك أكثر من نوع المسخ والنسيان والتحريف ثم جاءوا بأشياء من عندهم وقالوا إنها من عند الله ليشتروا بها ثمنا قليلا .
وجدير أن نذكر, أن القرآن المجيد لم يأت ككتاب علم, ولم يأت ليبين لنا الجغرافيا والكيمياء والطبيعة وغيرها من العلوم, بل أنه نزل ليعلم البشرية الأحكام, والقرآن وإن لم ينزل ليعلم الناس العلوم الطبية أو أي علوم أخرى إلا أنه قد يمس قضية طبية بالتفاصيل الدقيقة, توصل إلى كينونتها الأطباء والعلماء بعد مئات السنين من نزول القرآن العظيم. فهذه الحقائق التي انتهت إليها آيات القرآن العزيز, هي قضايا الكون الأساسية, وهي الدعائم والركائز التي خلق الباري جلت قدرته على أساسها الكون, على أنها حقائق علمية ثابتة وراسخة وديمومية سواء توصلت إليها الاكتشافات العلمية أم لم تصل. فالقرآن الحكيم كتاب هداية وعقيدة وهو يخاطب ضمير الإنسان ويحيي فيه عوامل النمو والارتقاء, والصلاح والخير, والطيبة والفضيلة. لقد أحاطت جوامع الكلم بهذا السر الإلهي الذي جمع بين ما جمع قصص الأنبياء عليهم السلام, وبيان الحكم, وأساس الموعظة الحسنة. كما أشار إلى كثير من الحقائق العلمية والكونية التي تشهد بأنه لم يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها, ولم ينزل القرآن الكريم تطبيقا لنظرياتنا العلمية أو تحقيقا لأفكارنا, وعلى هذا فنحن لا نستطيع أن نطبق أية نظرية بالافتراض مع القرآن لأن هذه النظريات قد تكون صحيحة مطابقة ليومنا الحاضر, ولكنها تختلف في المستقبل القريب أو البعيد نظرا لما يحدث من تطورات مستمرة في مجال العلم والمعرفة. أما القرآن الحكيم فبنعمة من الله وفضل محكم في آياته, مسلسل في حوادثه, عظيم في معناه, سام في تراكيبه, لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه, تنزيل من حكيم حميد. والذين يفسرون القرآن الحكيم بما يطابق مسائل العلم ويستخرجون منه كل مسألة تظهر في عالم العلم, يسيئون إلى القرآن الكريم من حيث يظنون أنهم يحسنون صنعا لأن هذه المسائل التي تخضع لسنة التقدم تتبدل, وقد تتقوض من أساسها وتبطل, فإذا فسرنا القرآن بها تعرضنا في تفسيره للنقائض كلما تبدلت القواعد العلمية, أو تتابعت الكشوف بجديد ينقض القديم, أو يقين يبطل التخمين.