وسام السيد
01-20-2007, 04:59 PM
محاضرة ألقيت بالجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا. وأسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعل كل كلامنا طيبا وأن يجعل كل عملنا صالحا ، وأن يجعله كله لوجهه خالصا ، وألا يجعل لأحد فيه شركا .
أيها الإخوة الأعزاء
إنني بعد شكر الله سبحانه وتعالى على أن أتاح لي هذه الفرصة الثمينة لآتي إلى هذا البلد الحبيب إلى قلب كل مسلم ولأتحدث في هذه الجامعة[1] العظيمة المنتمية إلى هذا البلد الكريم بعد شكر الله سبحانه وتعالى ، أشكر القائمين على أمر هذه الجامعة الذين تفضلوا فدعوني للتشرف بالحديث إليكم وأسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعلني وإياكم من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه وأرجو أن أستفيد من تعليقات وتوجيهات إخواني الأساتذة وأبنائي الطلاب .
أيها الإخوة الأعزاء
إن الموضوع الذي نريد أن نتحدث عن بعض جوانبه اليوم هو موضوع خطير وهو قضية كبيرة لها في تاريخ الإسلام تاريخ طويل انشغلت بها عقول إسلامية كبيرة وتحدثت فيها شخصيات إسلامية فاضلة ولكن هذه القضية وهي قضية العلاقة بين العلم أو بين العلوم التجريبية أو الحسية والعلوم العقلية من ناحية والدين من ناحية أخرى . هذه القضية - كما قلت - شغلت عقول كثير من علمائنا في الماضي ولكنها تعود فتطل علينا مرة أخرى في هذا العصر ربما لنفس الأسباب التي جعلت المسلمين يشتغلون بها في ذلك العصر. الذي جعل المسلمين يهتمون بقضية العلاقة بين العقل والدين هو - من بين الأسباب - ترجمة الفلسفة اليونانية من ناحية ، ثم عندما اتصل المسلمون بأصحاب الأفكار والفلسفات الأخرى حتى من غير الفلسفة اليونانية وأرادوا أن يردوا على الكفار ولا سيما الدهريين منهم نشأت هذه القضية ونحن اليوم نتصل بالفكر الغربي ، والفكر الغربي فكر أيضاً يقوم في مجمله على المادية وعلى الإلحاد . فالقضية تطل علينا مرة أخرى ولكن في ثوب جديد هذا الثوب وهو ثوب جذاب جداً. فحوى القضية اليوم أن كثيراً من المشتغلين أو كثيراً من المفكرين الغربيين ومن تأثر بهم من المسلمين يقولون: إن العلم قد نجح نجاحاً باهراً لا يشك فيه إلا مكابر –أعني العلم التجريبي -، فها هو قد اكتشف كثيراً من الحقائق وقامت على هذه الكشوف تقنية دقيقة شملت كل أنواع الحياة . هذه التقنية ساعدت في تيسير الحياة على الناس في كل جانبٍ من جوانبها. وهذا العلم لم يقم إلا على الحس وعلى العقل. وإذن يستنتج بعض أصحاب هذه الفكرة يستنتجون من هذا أن الدين إذاً لا مجال له . نحن قد استطعنا أن ننجح هذا النجاح الباهر من غير أن نعتمد على وحي ومن غير أن نهتدي بهدى الأنبياء . وإذا كان نجاحنا اليوم محصوراً في النطاق المادي فإننا غداً نستطيع أن نتوسع فتشمل علومنا هذه كل نواحي الحياة وكل ما يحتاج إليه الإنسان وبذلك لا يكون بحاجة إلى الدين. هذا التصور فيه كما ترون كثير من الغرور . وهذا التصور كان سائداً إلى أواخر القرن الماضي وربما بدايات القرن العشرين ولم يخفف من حدته وغلوائه إلا الحروب الحربان العالميتان الأولى والثانية . شعر كثير من المفكرين الغربيين أن العلم التجريبي وحده لن يحل كل المشاكل.
لكن المهم هذا التحدي ما زال قائماً في صورة أو أخرى يواجه به المنتسبون إلى الملل سواءٌ كانت الإسلامية أو النصرانية أو اليهودية . ثم من مظاهر أو من أشكال هذا الإدعاء أن يقال أو أن يقول أصحاب هذه الفكرة يقولون إذا كنا قد وصلنا إلى هذه النتائج الباهرة بهذا المنهج الذي سلكناه وهو الذي يسمى الآن بالمنهج العلمي المعتمد على الحس والعقل . يقولون إذاً كل دعوى لا تأتي عن هذا الطريق فليست علماً ، لأن هذا هو المنهج العلمي . كل دعوى لا تأتي عن هذا الطريق ليست علماً. كل دعوى لا يقام عليها دليل من النوع الذي يرتضيه العلماء التجريبيون فليست علماً ، وإنما هي مجرد دعاوى لا سند لها ولا دليل عليها ، ولذلك فإنهم يضعون ما يسمَّى بالعلم في جانب ويضعون في الجانب الآخر الدين والخرافة والسحر والكهانة . كل هذه يضعونها في حزمة واحدة ، لأنها كلها في رأيهم ليست علمية ولا يقوم عليها دليل.
كيف نرد على هذا التحدي ؟
قبل أن أجيب على هذا السؤال أريد أن تعرض لمسألتين :
1- هل الانشغال بالرد على مثل هذه الدعاوى أمر مشروع أم أنه تضييع للوقت وانشغال بما لا يفيد؟
كثير من المنتسبين إلى الأديان سواءً كانوا مسلمين أو غير مسلمين يرون رأياً كهذا . يقولون ينبغي ألا ننشغل بالرد على مثل هذه الدعاوى وأن الدين ماضٍ في طريقه ، وأن حجج الدين واضحة لمن أراد أن يطلع عليها فلا ننشغل بالرد عليها .
لكننا نقول ونحن معشر المسلمين دعاة إلى الخير ، والخير أحياناً تحول بينه وبين الإنسان عوائق فكرية شبهات ، يصعب أن يصل الخير إلى قلب إنسان قامت في ذهنه شبهات ، خصوصاً إذا كانت هذه الشبهات متعلقة بالعلم ومتعلقة بالعقل ومتعلقة بالحس ، يعني إذا وقر في صدره أن الدين يخالف العقل يخالف الحس يخالف العلم. فإذن هو لن يهتدي لن يستمع حتى تزول الشبهات، فلذلك لا بد من إزالة الشبهات هذه حتى نستطيع أن نوصل الخير هذا إلى الناس. ولذلك فإن الله سبحانه وتعالى عندما أمرنا بالدعوة فقال: (( أدع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة …)) قال بعد هذا: (( وجادلهم بالتي هي أحسن)) فنحن مأمورون بالدعوة ومأمورون أيضاً بالمجادلة حين يستدعي الأمر هذه المجادلة . وعلماؤنا كانوا يقولون إن المجادلة من قبيل الجهاد والدفع عن الإسلام . لماذا؟ لأن صاحب الشبهة أو صاحب البدعة قد يستطيل بها على الناس ، وقد يقول إنه صاحب عقل وإنه صاحب علم وأن معارضيه – إن كان هو ملحداً – أن معارضيه من المؤمنين أصحاب خرافة أو قومٌ يتبعون عواطفهم وأهواءهم ، أما أنا فأتبع المنهج العلمي ، وأبحث عن الحقائق ، وكذلك إن كان صاحب بدعة اعتبر مخالفيه من أهل السنة أيضاً أصحاب عقولٍ ضعيفةٍ وأناسٌ نصيون ، لا يفكرون، يحفظون فقط ، وهكذا . فإن لم تجادله ، إذا لم تبين ضعف حجته ، إذا لم تقهره ، استطال على الناس ، وهذه الاستطالة تكون حاجزاً ليس بينه هو وبين الدين فقط (بين الدين الصحيح) ، ولكن بين كثيرٍ من الناس من غير العلماء ، ومن الضعفاء الذين قد يتأثرون بمثل هذه الشبهات ، فتكون حائلاً بينهم وبين معرفة الحقيقة . فكما أنك تدافع عن ضعفة المسلمين وتصد عنهم عوادي المعتدين بالقوة المادية ، فكذلك يجب أن تدافع عن ضعفة المسلمين وتصد عنهم عوادي الفكر والشبهات المخالفة للدين ، ولا تدافع فقط عن المسلمين ، وإنما تدافع أيضاً عن كل إنسان يريد أو في قلبه ميلٌ إلى الحق ؛ إذا كانت هذه الشبهات تحول بينه وبين الوصول إلى ذلك الحق . إذن لا بد من الرد على أصحاب الشبهات.
2- المسألة الثانية: (التي قلت أريد أن أتعرض لها قبل أن أجيب على السؤال) هي أننا ينبغي أن نحذر في مجادلتنا لأهل الباطل من أن نأخذ عنهم بعض باطلهم أو أن نرد بعض حقهم فيضعف موقفنا أمامهم ليس هذا فحسب ، بل إن أخذ ذلك الباطل ورد ذلك الحق يعود فيؤثر في فهمنا للدين أثراً سلبياً جداً. وكلا الأمرين حدثا في تاريخ الإسلام.
أكرر هذه المسألة مرة أخرى
إنك حين تحاول أن ترد على الكفار والمنحرفين تقرأ حججهم لأنك تريد أن ترد عليها فاحذر من أن تتأثر ببعض القواعد والأصول التي يؤصلونها ، فهذا يكون انحرافاً . واحذر أيضاً من أن ترد بعض الحق الذي يقولون به فيسبب لك هذا أيضاً انحرافاً .
كيف يحدث هذا الانحراف؟
الانحراف (الأول) الثاني :
يقول الإنسان لنفسه ويعتقد وهو محق في اعتقاده : أن هؤلاء ما داموا كفاراً فهم على باطل. لكنه يستنتج من هذا نتيجة ليست بصحيحة ، فيظن أن كل ما قالوا هو إما من أسس باطلهم أو من لوازم باطلهم . وهذا ليس بصحيح ، فالإنسان قد يلتزم مذهباً باطلاً ولكنه في داخل هذا المذهب يقول بعض الحق ويقرر بعض الحقائق. فلا تذهب في ردك لباطله وتبالغ حتى ترد بعض الحق الذي قال به.
قلت لكم إن هذا حدث في تاريخ الإسلام ، كلا الانحرافين حدث . مثلاً: الجهمية ، يقول الإمام أحمد في كتابه المشهور الرد على الجهمية - مع الأسف نص الحديث ليس معي ولكنه يقول كلاماً فحواه - أن سبب ضلال الجهم أنه التقى جماعة من الملحدين الذين ينكرون وجود الخالق ، أظن اسمهم السمنية ، فقالوا له: ما هذا الرب الذي تعبده ،
- هل رأيته بعينك؟ قال: لا.
- سمعته بأذنك؟ قال: لا.
- شممت رائحته؟ قال: لا.
- ذقته؟ قال: لا.
- لمسته؟ قال: لا.
قال إذاً أنت تتحدث عن لا شيء.
إذا كان الشيء لا يعرف بهذه الحواس الخمس ، فإذن هو ليس موجود ، لا وجود له ، فتحير مدة من الزمان ثم جاءهم وقال لهم وجدت الرد عليكم. قالوا له: ماذا؟
قال: هل لكم عقول؟ قالوا نعم.
قال لهم: رأيتموها بأعينكم؟ قالوا: لا.
- شممتموها؟ لا.
- سمعتموها؟ لا.
وهكذا كل الأسئلة التي سألوه إياها عن الله سألهم إياها عن العقول فأفحمهم ، لكنَّ هذا كان بداية شر عظيم عليه وعلى المسلمين . كيف؟
تلاحظون أنه هنا مثل الله سبحانه وتعالى بالعقل ، والعقل عرض ، العقل ليس شيئاً موجوداً في الخارج ، وإنما هو عرض . فالتزم إذن أن الله سبحانه وتعالى هو شيء كالعقل فالتزم لوازم كل هذا التصور ، ما دام هو شيء كالعقل ، إذن لا يمكن أن يكون في جهة ، إذن لا بد أن تأول الآيات التي تقول الرحمن على العرش استوى وكذا وكذا. ما دام هو كالعقل لا يمكن أن يوصف بأنه سميعٌ وبصيرٌ وعالمٌ وكذا وكذا وكذا. لأن لا يوصف به. أما أن يوصف بأن له يد ووجه وكذا فهذا من باب أولى.
ألم تسمعوا كثيراً هذه الحجة تتردد الآن . كثير من الناس إذا أرادوا أن يردوا على الماديين ، يقولون لهم كلاماً كهذا الذي كان يقوله الجهم. فالله سبحانه وتعالى ليس كالعقل . الله سبحانه وتعالى ذات موجودة في الخارج. ليس فكرة . ليس شيئاً ذاتياً كما يقال في التعبير اليوم ، وإنما هو شيء - كما يقال في التعبير اليوم أيضاً- موضوعي هو موجود في الخارج ، وإذا كان موجوداً في الخارج فلا بد له من صفات. لا بد له من كذا .. كل الكلام الذي قاله أهل السنة.
لكن هذا كان سبب ضلالهم . وأخَذَ هذا الكلام ، تأثرت بهذا الكلام عقول كبيرة كما تعرفون ، أبو حامد الغزالي ، الفخر الرازي ، وقادهم هذا إلى أن يقولوا إن الله ليس داخل العالم ولا خارج العالم ولا كذا وكذا . فقال لهم العلماء من أهل السنة : ليس هناك إلا العالم وخارج العالم ، فإذا لم يكن الشيء داخل العالم ولا خارج العالم فإذن لا وجود له. هذه مسألة عقلية فينبغي إذن أن نحذر من هذا.
نعود إلى سؤالنا مرة أخرى كيف نرد على هؤلاء؟
من الأخطاء التي وقعنا فيها نحن أيضاً في الرد على الملحدين والماديين: أننا رددنا بعض الحق الذي يقولونه ، وسلمنا لهم ببعض الدعاوى التي يدعونها.
هم يظهرون بأنهم يعظمون العقل جداً ، فجنح كثير منا إلى التهوين من شأن العقل . يعني كأن الدين لا يقوم إلا إذا هوَّنا من شأن العقل. فإذا كانوا هم قد استطالوا بعقولهم فنحن سلمنا ( لا أقول نحن جميعاً ؛ بعضنا سلم لهم بذلك). ولذلك يوصف بعض الناس على سبيل الذم بأنهم عقلانيون أو أنهم يعتمدون على العقل . وأنتم تعرفون أن أهل السنة لم يكونوا يصفون إنساناً ضالاً بأنه صاحب عقل أو أنه عقلاني ، ولكن كانوا يسمونها الفرق الضالة أو أصحاب الأهواء ، لأن هنالك فرقاً كبيراً بين العقل وبين الهوى.
فهذه المسائل التي وقعنا فيها مع أننا نقرأ كتاب الله سبحانه وتعالى من أوله إلى آخره لا نجد فيه أبداً أنه ذم إنساناً لأنه استعمل عقله أو اعتمد على عقله أبداً. بل نجد فيه ذماً للذين لم يؤمنوا بأنهم لا يعقلون ، فهذا خطأ.
والخطأ الثاني (الذي وقعنا فيه أيضاً):
أنهم قالوا إن علمهم كله مبني على الحس والعقل . فأيضاً أردنا أن نهوِّن من شأن الحس . قالوا إن الموجود لا بد أن يكون محسوساً ، فقلنا نحن كلاماً [ أو قال بعضنا] كلاماً قريباً من كلام الجهمية.
لا. ليس من شرط الموجود أن يكون محسوساً – وأنا واحدٌ من الذين كانوا يقولون هذا الكلام إلى أن تبين لي أنه خطأ من قراءاتي لعلماء المسلمين ولا سيما شيخ الإسلام ابن تيمية - . نعم ، إن الموجود لا بد أن يكون محسوساً ؛ محسوساً بمعنى يمكن أن يُحس ، ليس معناه أنه يحسه كل إنسان في كل وقت . هذا لا يقوله عاقل حتى عن الأشياء الدنيوية ، فنحن كما قلت لكي نرد على الماديين أنكر بعضنا هذه القاعدة مع أن علماءنا كانوا يقررونها . شيخ الإسلام ابن تيمية يقول في كتابه نقض التأسيس إن الموجود لا بد أن يكون محسوساً ، وعلماء أهل السنة كانوا في ردهم على الجهمية والمعتزلة الذين ينكرون رؤية الله سبحانه وتعالى هم لا ينكرونها على أساس أنه ليست هنالك نصوص أو كذا ولكن يعتبرونها مبدأً يعتبرونها مسألة عقلية أن الله لا يمكن أن يُرى ، فقالوا لهم إذا كان لا يمكن أن يرى فهو ليس بموجود ، لأن الشيء إذا كان موجوداً فيمكن أن يرى ، أما ألا يراه بعض الناس في بعض الأحوال أو لا تراه بعض المخلوقات في بعض الأحوال. نعم هذا ممكن ، وهذا أيضاً يصدق على كل موجودٍ غير الله سبحانه وتعالى . فإذن ينبغي أن نحذر أيضاً من هذا الشطط.
فهذا عن الحس، أيضاً عن العلم:
ادعوا هم أن العلم يؤيدهم وفسروا العلم تفسيراً خاصاً ، فبدلاً من أن نرد على فهمهم للعلم ونقول إن هذا التصور للعلم تصورٌ ليس بصحيح. وقع بعضنا أيضاً في الفخ ، وبدؤوا يقللون من شأن العلم ويجعلون كما يجعل الكفار العلم في ناحية والدين في الناحية الأخرى وهكذا .
ما هي الإجابة الصحيحة؟
الإجابة الصحيحة:
أن نقول لهم نحن متفقون معكم على أن طرق العلم هي الحس والعقل. هذه طرق العلم ونحن معكم في هذا . قال الله سبحانه وتعالى: (( والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئاً ، وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة لعلكم تشكرون )). فإذن الله أخرجنا من بطون أمهاتنا لا نعلم شيئاً إطلاقاً ، فكل علم عندنا جاءنا عن طريق الحس أو عن طريق الفؤاد الذي نسميه الآن العقل.
وإذا كانت هذه الآية الكريمة قد ذكرت السمع والبصر وآيات كثيرة تذكر السمع والبصر لأن السمع والبصر هما أهم الحواس ، وإلا فالحواس الأخرى أيضاً ذكرت في آيات أخرى مثلاً : (( ولو نزلنا عليك كتاباً في قرطاس فلمسوه بأيديهم …)). ربنا سبحانه وتعالى هنا أنكر عليهم ، أنكر عليهم أنهم يلمسون شيئاً بأيديهم ثم ينكرونه أو يقولون هذا سحر أو كذا أو كذا. وأيضاً الذوق جاء في القرآن الكريم وكذلك الشم : (( ولما فصلت العير قال أبوهم إني لأجد ريح يوسف …)) (( فلما ذاقا الشجرة بدت لما سوأتهما… )) وهكذا فكل الحواس مذكورة في القرآن الكريم لكن الحواس المهمة هي السمع والبصر ؛ ولذلك يكون التركيز عليها في القرآن الكريم.
إذن نقول لهم:
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا. وأسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعل كل كلامنا طيبا وأن يجعل كل عملنا صالحا ، وأن يجعله كله لوجهه خالصا ، وألا يجعل لأحد فيه شركا .
أيها الإخوة الأعزاء
إنني بعد شكر الله سبحانه وتعالى على أن أتاح لي هذه الفرصة الثمينة لآتي إلى هذا البلد الحبيب إلى قلب كل مسلم ولأتحدث في هذه الجامعة[1] العظيمة المنتمية إلى هذا البلد الكريم بعد شكر الله سبحانه وتعالى ، أشكر القائمين على أمر هذه الجامعة الذين تفضلوا فدعوني للتشرف بالحديث إليكم وأسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعلني وإياكم من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه وأرجو أن أستفيد من تعليقات وتوجيهات إخواني الأساتذة وأبنائي الطلاب .
أيها الإخوة الأعزاء
إن الموضوع الذي نريد أن نتحدث عن بعض جوانبه اليوم هو موضوع خطير وهو قضية كبيرة لها في تاريخ الإسلام تاريخ طويل انشغلت بها عقول إسلامية كبيرة وتحدثت فيها شخصيات إسلامية فاضلة ولكن هذه القضية وهي قضية العلاقة بين العلم أو بين العلوم التجريبية أو الحسية والعلوم العقلية من ناحية والدين من ناحية أخرى . هذه القضية - كما قلت - شغلت عقول كثير من علمائنا في الماضي ولكنها تعود فتطل علينا مرة أخرى في هذا العصر ربما لنفس الأسباب التي جعلت المسلمين يشتغلون بها في ذلك العصر. الذي جعل المسلمين يهتمون بقضية العلاقة بين العقل والدين هو - من بين الأسباب - ترجمة الفلسفة اليونانية من ناحية ، ثم عندما اتصل المسلمون بأصحاب الأفكار والفلسفات الأخرى حتى من غير الفلسفة اليونانية وأرادوا أن يردوا على الكفار ولا سيما الدهريين منهم نشأت هذه القضية ونحن اليوم نتصل بالفكر الغربي ، والفكر الغربي فكر أيضاً يقوم في مجمله على المادية وعلى الإلحاد . فالقضية تطل علينا مرة أخرى ولكن في ثوب جديد هذا الثوب وهو ثوب جذاب جداً. فحوى القضية اليوم أن كثيراً من المشتغلين أو كثيراً من المفكرين الغربيين ومن تأثر بهم من المسلمين يقولون: إن العلم قد نجح نجاحاً باهراً لا يشك فيه إلا مكابر –أعني العلم التجريبي -، فها هو قد اكتشف كثيراً من الحقائق وقامت على هذه الكشوف تقنية دقيقة شملت كل أنواع الحياة . هذه التقنية ساعدت في تيسير الحياة على الناس في كل جانبٍ من جوانبها. وهذا العلم لم يقم إلا على الحس وعلى العقل. وإذن يستنتج بعض أصحاب هذه الفكرة يستنتجون من هذا أن الدين إذاً لا مجال له . نحن قد استطعنا أن ننجح هذا النجاح الباهر من غير أن نعتمد على وحي ومن غير أن نهتدي بهدى الأنبياء . وإذا كان نجاحنا اليوم محصوراً في النطاق المادي فإننا غداً نستطيع أن نتوسع فتشمل علومنا هذه كل نواحي الحياة وكل ما يحتاج إليه الإنسان وبذلك لا يكون بحاجة إلى الدين. هذا التصور فيه كما ترون كثير من الغرور . وهذا التصور كان سائداً إلى أواخر القرن الماضي وربما بدايات القرن العشرين ولم يخفف من حدته وغلوائه إلا الحروب الحربان العالميتان الأولى والثانية . شعر كثير من المفكرين الغربيين أن العلم التجريبي وحده لن يحل كل المشاكل.
لكن المهم هذا التحدي ما زال قائماً في صورة أو أخرى يواجه به المنتسبون إلى الملل سواءٌ كانت الإسلامية أو النصرانية أو اليهودية . ثم من مظاهر أو من أشكال هذا الإدعاء أن يقال أو أن يقول أصحاب هذه الفكرة يقولون إذا كنا قد وصلنا إلى هذه النتائج الباهرة بهذا المنهج الذي سلكناه وهو الذي يسمى الآن بالمنهج العلمي المعتمد على الحس والعقل . يقولون إذاً كل دعوى لا تأتي عن هذا الطريق فليست علماً ، لأن هذا هو المنهج العلمي . كل دعوى لا تأتي عن هذا الطريق ليست علماً. كل دعوى لا يقام عليها دليل من النوع الذي يرتضيه العلماء التجريبيون فليست علماً ، وإنما هي مجرد دعاوى لا سند لها ولا دليل عليها ، ولذلك فإنهم يضعون ما يسمَّى بالعلم في جانب ويضعون في الجانب الآخر الدين والخرافة والسحر والكهانة . كل هذه يضعونها في حزمة واحدة ، لأنها كلها في رأيهم ليست علمية ولا يقوم عليها دليل.
كيف نرد على هذا التحدي ؟
قبل أن أجيب على هذا السؤال أريد أن تعرض لمسألتين :
1- هل الانشغال بالرد على مثل هذه الدعاوى أمر مشروع أم أنه تضييع للوقت وانشغال بما لا يفيد؟
كثير من المنتسبين إلى الأديان سواءً كانوا مسلمين أو غير مسلمين يرون رأياً كهذا . يقولون ينبغي ألا ننشغل بالرد على مثل هذه الدعاوى وأن الدين ماضٍ في طريقه ، وأن حجج الدين واضحة لمن أراد أن يطلع عليها فلا ننشغل بالرد عليها .
لكننا نقول ونحن معشر المسلمين دعاة إلى الخير ، والخير أحياناً تحول بينه وبين الإنسان عوائق فكرية شبهات ، يصعب أن يصل الخير إلى قلب إنسان قامت في ذهنه شبهات ، خصوصاً إذا كانت هذه الشبهات متعلقة بالعلم ومتعلقة بالعقل ومتعلقة بالحس ، يعني إذا وقر في صدره أن الدين يخالف العقل يخالف الحس يخالف العلم. فإذن هو لن يهتدي لن يستمع حتى تزول الشبهات، فلذلك لا بد من إزالة الشبهات هذه حتى نستطيع أن نوصل الخير هذا إلى الناس. ولذلك فإن الله سبحانه وتعالى عندما أمرنا بالدعوة فقال: (( أدع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة …)) قال بعد هذا: (( وجادلهم بالتي هي أحسن)) فنحن مأمورون بالدعوة ومأمورون أيضاً بالمجادلة حين يستدعي الأمر هذه المجادلة . وعلماؤنا كانوا يقولون إن المجادلة من قبيل الجهاد والدفع عن الإسلام . لماذا؟ لأن صاحب الشبهة أو صاحب البدعة قد يستطيل بها على الناس ، وقد يقول إنه صاحب عقل وإنه صاحب علم وأن معارضيه – إن كان هو ملحداً – أن معارضيه من المؤمنين أصحاب خرافة أو قومٌ يتبعون عواطفهم وأهواءهم ، أما أنا فأتبع المنهج العلمي ، وأبحث عن الحقائق ، وكذلك إن كان صاحب بدعة اعتبر مخالفيه من أهل السنة أيضاً أصحاب عقولٍ ضعيفةٍ وأناسٌ نصيون ، لا يفكرون، يحفظون فقط ، وهكذا . فإن لم تجادله ، إذا لم تبين ضعف حجته ، إذا لم تقهره ، استطال على الناس ، وهذه الاستطالة تكون حاجزاً ليس بينه هو وبين الدين فقط (بين الدين الصحيح) ، ولكن بين كثيرٍ من الناس من غير العلماء ، ومن الضعفاء الذين قد يتأثرون بمثل هذه الشبهات ، فتكون حائلاً بينهم وبين معرفة الحقيقة . فكما أنك تدافع عن ضعفة المسلمين وتصد عنهم عوادي المعتدين بالقوة المادية ، فكذلك يجب أن تدافع عن ضعفة المسلمين وتصد عنهم عوادي الفكر والشبهات المخالفة للدين ، ولا تدافع فقط عن المسلمين ، وإنما تدافع أيضاً عن كل إنسان يريد أو في قلبه ميلٌ إلى الحق ؛ إذا كانت هذه الشبهات تحول بينه وبين الوصول إلى ذلك الحق . إذن لا بد من الرد على أصحاب الشبهات.
2- المسألة الثانية: (التي قلت أريد أن أتعرض لها قبل أن أجيب على السؤال) هي أننا ينبغي أن نحذر في مجادلتنا لأهل الباطل من أن نأخذ عنهم بعض باطلهم أو أن نرد بعض حقهم فيضعف موقفنا أمامهم ليس هذا فحسب ، بل إن أخذ ذلك الباطل ورد ذلك الحق يعود فيؤثر في فهمنا للدين أثراً سلبياً جداً. وكلا الأمرين حدثا في تاريخ الإسلام.
أكرر هذه المسألة مرة أخرى
إنك حين تحاول أن ترد على الكفار والمنحرفين تقرأ حججهم لأنك تريد أن ترد عليها فاحذر من أن تتأثر ببعض القواعد والأصول التي يؤصلونها ، فهذا يكون انحرافاً . واحذر أيضاً من أن ترد بعض الحق الذي يقولون به فيسبب لك هذا أيضاً انحرافاً .
كيف يحدث هذا الانحراف؟
الانحراف (الأول) الثاني :
يقول الإنسان لنفسه ويعتقد وهو محق في اعتقاده : أن هؤلاء ما داموا كفاراً فهم على باطل. لكنه يستنتج من هذا نتيجة ليست بصحيحة ، فيظن أن كل ما قالوا هو إما من أسس باطلهم أو من لوازم باطلهم . وهذا ليس بصحيح ، فالإنسان قد يلتزم مذهباً باطلاً ولكنه في داخل هذا المذهب يقول بعض الحق ويقرر بعض الحقائق. فلا تذهب في ردك لباطله وتبالغ حتى ترد بعض الحق الذي قال به.
قلت لكم إن هذا حدث في تاريخ الإسلام ، كلا الانحرافين حدث . مثلاً: الجهمية ، يقول الإمام أحمد في كتابه المشهور الرد على الجهمية - مع الأسف نص الحديث ليس معي ولكنه يقول كلاماً فحواه - أن سبب ضلال الجهم أنه التقى جماعة من الملحدين الذين ينكرون وجود الخالق ، أظن اسمهم السمنية ، فقالوا له: ما هذا الرب الذي تعبده ،
- هل رأيته بعينك؟ قال: لا.
- سمعته بأذنك؟ قال: لا.
- شممت رائحته؟ قال: لا.
- ذقته؟ قال: لا.
- لمسته؟ قال: لا.
قال إذاً أنت تتحدث عن لا شيء.
إذا كان الشيء لا يعرف بهذه الحواس الخمس ، فإذن هو ليس موجود ، لا وجود له ، فتحير مدة من الزمان ثم جاءهم وقال لهم وجدت الرد عليكم. قالوا له: ماذا؟
قال: هل لكم عقول؟ قالوا نعم.
قال لهم: رأيتموها بأعينكم؟ قالوا: لا.
- شممتموها؟ لا.
- سمعتموها؟ لا.
وهكذا كل الأسئلة التي سألوه إياها عن الله سألهم إياها عن العقول فأفحمهم ، لكنَّ هذا كان بداية شر عظيم عليه وعلى المسلمين . كيف؟
تلاحظون أنه هنا مثل الله سبحانه وتعالى بالعقل ، والعقل عرض ، العقل ليس شيئاً موجوداً في الخارج ، وإنما هو عرض . فالتزم إذن أن الله سبحانه وتعالى هو شيء كالعقل فالتزم لوازم كل هذا التصور ، ما دام هو شيء كالعقل ، إذن لا يمكن أن يكون في جهة ، إذن لا بد أن تأول الآيات التي تقول الرحمن على العرش استوى وكذا وكذا. ما دام هو كالعقل لا يمكن أن يوصف بأنه سميعٌ وبصيرٌ وعالمٌ وكذا وكذا وكذا. لأن لا يوصف به. أما أن يوصف بأن له يد ووجه وكذا فهذا من باب أولى.
ألم تسمعوا كثيراً هذه الحجة تتردد الآن . كثير من الناس إذا أرادوا أن يردوا على الماديين ، يقولون لهم كلاماً كهذا الذي كان يقوله الجهم. فالله سبحانه وتعالى ليس كالعقل . الله سبحانه وتعالى ذات موجودة في الخارج. ليس فكرة . ليس شيئاً ذاتياً كما يقال في التعبير اليوم ، وإنما هو شيء - كما يقال في التعبير اليوم أيضاً- موضوعي هو موجود في الخارج ، وإذا كان موجوداً في الخارج فلا بد له من صفات. لا بد له من كذا .. كل الكلام الذي قاله أهل السنة.
لكن هذا كان سبب ضلالهم . وأخَذَ هذا الكلام ، تأثرت بهذا الكلام عقول كبيرة كما تعرفون ، أبو حامد الغزالي ، الفخر الرازي ، وقادهم هذا إلى أن يقولوا إن الله ليس داخل العالم ولا خارج العالم ولا كذا وكذا . فقال لهم العلماء من أهل السنة : ليس هناك إلا العالم وخارج العالم ، فإذا لم يكن الشيء داخل العالم ولا خارج العالم فإذن لا وجود له. هذه مسألة عقلية فينبغي إذن أن نحذر من هذا.
نعود إلى سؤالنا مرة أخرى كيف نرد على هؤلاء؟
من الأخطاء التي وقعنا فيها نحن أيضاً في الرد على الملحدين والماديين: أننا رددنا بعض الحق الذي يقولونه ، وسلمنا لهم ببعض الدعاوى التي يدعونها.
هم يظهرون بأنهم يعظمون العقل جداً ، فجنح كثير منا إلى التهوين من شأن العقل . يعني كأن الدين لا يقوم إلا إذا هوَّنا من شأن العقل. فإذا كانوا هم قد استطالوا بعقولهم فنحن سلمنا ( لا أقول نحن جميعاً ؛ بعضنا سلم لهم بذلك). ولذلك يوصف بعض الناس على سبيل الذم بأنهم عقلانيون أو أنهم يعتمدون على العقل . وأنتم تعرفون أن أهل السنة لم يكونوا يصفون إنساناً ضالاً بأنه صاحب عقل أو أنه عقلاني ، ولكن كانوا يسمونها الفرق الضالة أو أصحاب الأهواء ، لأن هنالك فرقاً كبيراً بين العقل وبين الهوى.
فهذه المسائل التي وقعنا فيها مع أننا نقرأ كتاب الله سبحانه وتعالى من أوله إلى آخره لا نجد فيه أبداً أنه ذم إنساناً لأنه استعمل عقله أو اعتمد على عقله أبداً. بل نجد فيه ذماً للذين لم يؤمنوا بأنهم لا يعقلون ، فهذا خطأ.
والخطأ الثاني (الذي وقعنا فيه أيضاً):
أنهم قالوا إن علمهم كله مبني على الحس والعقل . فأيضاً أردنا أن نهوِّن من شأن الحس . قالوا إن الموجود لا بد أن يكون محسوساً ، فقلنا نحن كلاماً [ أو قال بعضنا] كلاماً قريباً من كلام الجهمية.
لا. ليس من شرط الموجود أن يكون محسوساً – وأنا واحدٌ من الذين كانوا يقولون هذا الكلام إلى أن تبين لي أنه خطأ من قراءاتي لعلماء المسلمين ولا سيما شيخ الإسلام ابن تيمية - . نعم ، إن الموجود لا بد أن يكون محسوساً ؛ محسوساً بمعنى يمكن أن يُحس ، ليس معناه أنه يحسه كل إنسان في كل وقت . هذا لا يقوله عاقل حتى عن الأشياء الدنيوية ، فنحن كما قلت لكي نرد على الماديين أنكر بعضنا هذه القاعدة مع أن علماءنا كانوا يقررونها . شيخ الإسلام ابن تيمية يقول في كتابه نقض التأسيس إن الموجود لا بد أن يكون محسوساً ، وعلماء أهل السنة كانوا في ردهم على الجهمية والمعتزلة الذين ينكرون رؤية الله سبحانه وتعالى هم لا ينكرونها على أساس أنه ليست هنالك نصوص أو كذا ولكن يعتبرونها مبدأً يعتبرونها مسألة عقلية أن الله لا يمكن أن يُرى ، فقالوا لهم إذا كان لا يمكن أن يرى فهو ليس بموجود ، لأن الشيء إذا كان موجوداً فيمكن أن يرى ، أما ألا يراه بعض الناس في بعض الأحوال أو لا تراه بعض المخلوقات في بعض الأحوال. نعم هذا ممكن ، وهذا أيضاً يصدق على كل موجودٍ غير الله سبحانه وتعالى . فإذن ينبغي أن نحذر أيضاً من هذا الشطط.
فهذا عن الحس، أيضاً عن العلم:
ادعوا هم أن العلم يؤيدهم وفسروا العلم تفسيراً خاصاً ، فبدلاً من أن نرد على فهمهم للعلم ونقول إن هذا التصور للعلم تصورٌ ليس بصحيح. وقع بعضنا أيضاً في الفخ ، وبدؤوا يقللون من شأن العلم ويجعلون كما يجعل الكفار العلم في ناحية والدين في الناحية الأخرى وهكذا .
ما هي الإجابة الصحيحة؟
الإجابة الصحيحة:
أن نقول لهم نحن متفقون معكم على أن طرق العلم هي الحس والعقل. هذه طرق العلم ونحن معكم في هذا . قال الله سبحانه وتعالى: (( والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئاً ، وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة لعلكم تشكرون )). فإذن الله أخرجنا من بطون أمهاتنا لا نعلم شيئاً إطلاقاً ، فكل علم عندنا جاءنا عن طريق الحس أو عن طريق الفؤاد الذي نسميه الآن العقل.
وإذا كانت هذه الآية الكريمة قد ذكرت السمع والبصر وآيات كثيرة تذكر السمع والبصر لأن السمع والبصر هما أهم الحواس ، وإلا فالحواس الأخرى أيضاً ذكرت في آيات أخرى مثلاً : (( ولو نزلنا عليك كتاباً في قرطاس فلمسوه بأيديهم …)). ربنا سبحانه وتعالى هنا أنكر عليهم ، أنكر عليهم أنهم يلمسون شيئاً بأيديهم ثم ينكرونه أو يقولون هذا سحر أو كذا أو كذا. وأيضاً الذوق جاء في القرآن الكريم وكذلك الشم : (( ولما فصلت العير قال أبوهم إني لأجد ريح يوسف …)) (( فلما ذاقا الشجرة بدت لما سوأتهما… )) وهكذا فكل الحواس مذكورة في القرآن الكريم لكن الحواس المهمة هي السمع والبصر ؛ ولذلك يكون التركيز عليها في القرآن الكريم.
إذن نقول لهم: