موده
10-22-2007, 05:04 AM
إنك لست بحاجة إلى مزيد جدل وحوار أو استعراض للأدلة والنصوص لإقناع أحد بأهمية العلم والحاجة إليه، فالجميع يدرك ذلك، والدليل على هذا أنه لا ينسب أحد للجهل إلا اعتبر ذلك ذماً ونقصاً ولو كان هو جاهلاً فعلاً، ولا ينسب أحد للعلم إلا اعتبر ذلك محمدة وثناءً، بل إن العلم أفاد الحيوان البهيم؛ فصيد الكلب المعلم يحل وصيد غير المعلم لا يحل، فإذا كان هذا الشأن في الحيوان، فكيف بالإنسان الذي كرمه الله وأعلى منـزلته؟
وحيث كان العلم بهذه المنـزلة التي جعلته يفضل على نوافل العبادات، وجعلت فضل العالم على العابد كفضل القمر على سائر الكواكب، فقد كان لنساء الصحابة القدح المعلى وقصب السبق في ذلك، ومن صور عنايتهن بالتعلم ما يلي:
1 - حفظ القرآن: في وقت لم تكن الوسائل المتاحة أمام الناس تيسر لهم أسباب التعلم، فالقارئ والمتعلم للكتابة فيهم قليل، والمصحف ليس مهيأً مجموعاً للناس يحفظون ويقرؤون منه كما أرادوا، ناهيك عن أجهزة التسجيل التي كسرت حاجز الأمية وأتاحت استماع القرآن لكل الفئات والأعمار، وفي أي وقت يشاء المستمع. لكن حين تعلو الهمة وترتفع العزيمة تهوي كل تلك الصعاب، وتزول كل تلك العقبات وغيرها، فلنر نموذجاً من عناية فتيات الصحابة بحفظ القرآن الكريم، وكيف يغتنمن الفرصة ويستثمرنها. فعن بنت لحارثة بن النعمان قالت: ما حفظت (ق) إلا من في رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب بها كل جمعة قالت: وكان تنورنا وتنور رسول صلى الله عليه وسلم واحداً. فأين فتياتنا اليوم من الاعتناء بحفظ القرآن الكريم وتعلمه، لاسيما وقد تيسرت السبل، وتعددت الوسائل ولم يبق لأحد عذر في التخلف؟
2 - السؤال عن العلم: كانت بعض فتيات أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يستثمرن فرصة قربهن من النبي صلى الله عليه وسلم فيسألن عما يشكل عليهن من أمور الدين، وحين ترى إحداهن أمرًا لا تدرك وجهه ومأخذه تسأله صلى الله عليه وسلم عنه، وقد نُقلت لنا من عنايتهن -رضوان الله عليهن- بالسؤال أخبار عدة يضيق المقام عن استيعابها، وهذه طائفة منها: عن فاطمة -رضي الله عنها- قالت دخل عليَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم فأكل عرقاً، فجاء بلال بالأذان، فقام ليصلي فأخذت بثوبه فقلت: يا أبه، ألا تتوضأ؟ فقال:«مم أتوضأ يا بنية؟» فقلت: مما مست النار، فقال لي:«أو ليس أطيب طعامكم ما مسته النار؟». وحين رأت حفصة -رضي الله عنها- الناس في الحج أحلوا ولم يحل صلى الله عليه وسلم تشوفت إلى معرفة الحكم في ذلك فتوجهت له صلى الله عليه وسلم بالسؤال، فعن ابن عمر عن حفصة زوج النبي- صلى الله عليه وسلم ورضي الله عنها- أنها قالت: يا رسول الله، ما شأن الناس حلوا بعمرة ولم تحلل أنت من عمرتك؟ قال:«إني لبدت رأسي وقلدت هديي فلا أحل حتى أنحر». ولإدراكهن -رضوان الله عليهن- أن تلاوة كتاب الله تبارك وتعالى لا يسوغ أن تقف عند مجرد ترداد ألفاظه بل لا بد من التدبر وإدراك المعاني، فقد حفظت لنا السنة مواقف عدة من سؤالهن للنبي صلى الله عليه وسلم عن معاني ما قد يشكل عليهن من كتاب الله تبارك وتعالى. فأم المؤمنين عائشة -رضي الله عنها- تحكي عن نفسها أنها أول الناس سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن معنى آية من كتاب الله تبارك وتعالى. فعن مسروق قال كنت متكئاً عند عائشة -رضي الله عنها- فقالت: يا أبا عائشة، ثلاث من تكلم بواحدة منهن فقد أعظم على الله الفرية، قلت: ما هن؟ قالت: من زعم أن محمداً صلى الله عليه وسلم رأى ربه فقد أعظم على الله الفرية، قال: وكنت متكئاً فجلست فقلت: يا أم المؤمنين، ولا تعجليني، ألم يقل الله عز وجل ((وَلَقَدْ رَآهُ بِالأفُقِ الْمُبِينِ))، ((وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى))؟ فقالت: أنا أول هذه الأمة سأل عن ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال:«إنما هو جبريل، لم أره على صورته التي خلق عليها غير هاتين المرتين، رأيته منهبطاً من السماء ساداً عظم خلقه ما بين السماء إلى الأرض». ثم استدلت -رضي الله عنها- على ما تقول بآيات من كتاب الله تدل على علمها وفقهها، فقالت: أو لم تسمع أن الله يقول ((لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ))؟ أو لم تسمع أن الله يقول ((وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ))؟ قالت: ومن زعم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كتم شيئاً من كتاب الله فقد أعظم على الله الفرية والله يقول ((يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ)) قالت: ومن زعم أنه يخبر بما يكون في غد فقد أعظم على الله الفرية والله يقول ((قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ الْغَيْبَ إِلا اللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ)). ومع الأهمية الملحة للسؤال وضرورته نرى أن بعض فتيات المسلمين اليوم يُفَوِّتن على أنفسهن فرصاً نادرة للتعلم والاستزادة؛ إذ قد يوفق الله بعض الفتيات أن تكون بنتاً أو أختاً لأحد طلبة العلم فتكون أقل الناس استفادة منه، ورحم الله عكرمة إذ يقول :«إن أزهد الناس في عالم أهله». وقد أمر الله تبارك وتعالى من لا يعلم بالسؤال فقال ((وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلا رِجَالا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ)) [النحل: 43]. وها هو حبر الأمة ابن عباس -رضي الله عنهما- يقول: إن كنت لأسأل عن الأمر الواحد ثلاثين من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، ووصفه عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- بقوله:»ذاكم فتى الكهول، إن له لساناً سؤولاً، وقلباً عقولاً«
3 - المراجعة والمناقشة: والعلم عندهن - رضوان الله عليهن- لم يكن قاصراً على مجرد الحفظ للأخبار والروايات، بل كان مقروناً بالفهم والفقه، ولهذا حين يرد على إحداهن نص تعيه وتفهمه ثم تقوم بربطه بسائر النصوص الشرعية، وحين يبدو لديها لبس أو لا تفهم التوفيق بين هذه النصوص تراجع النبي صلى الله عليه وسلم وتناقشه في ذلك. فعن حفصة -رضي الله عنها- قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :«إني لأرجو أن لا يدخل النار إن شاء الله أحد شهد بدراً والحديبية» قالت: فقلت: أليس الله عز وجل يقول ((وَإِنْ مِنْكُمْ إِلا وَارِدُهَا)) قال: فسمعته يقول ((ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا)). وتحفظ لنا السنة أيضاً موقفاً آخر لأم المؤمنين حفصة -رضي الله عنها- ترى أن ماسمعته منه صلى الله عليه وسلم قد يتعارض مع قاعدة شرعية مستقرة لديها فتسأله صلى الله عليه وسلم تجلية هذا الإشكال. فعنها -رضي الله عنها- قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:«يأتي جيش من قبل المشرق يريدون رجلاً من أهل مكة، حتى إذا كانوا بالبيداء خسف بهم فرجع من كان أمامهم لينظر ما فعل القوم فيصيبهم مثل ما أصابهم» فقلت: يا رسول الله، فكيف بمن كان منهم مستكرهاً؟ قال:«يصيبهم كلهم ذلك ثم يبعث الله كل امرئ على نيته». وهذا الفقه منها -رضي الله عنها- لم يكن قاصراً على ما تسمعه من نصوص قولية؛ بل يتجاوز ذلك إلى أن ترقب أفعاله صلى الله عليه وسلم ثم تسأل عما أشكل عليها. فعنها -رضي الله عنها- قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم قد وضع ثوبه بين فخذيه، فجاء أبو بكر فاستأذن فأذن له وهو على هيئته، ثم عمر بمثل هذه القصة، ثم علي، ثم ناس من أصحابه والنبي صلى الله عليه وسلم على هيئته، ثم جاء عثمان فاستأذن فأذن له فأخذ ثوبه فتجلله، فتحدثوا ثم خرجوا، قلت: يا رسول الله، جاء أبو بكر وعمر وعلي وسائر أصحابك وأنت على هيئتك، فلما جاء عثمان تجللت بثوبك؟ فقال:« ألا أستحيي ممن تستحيي منه الملائكة؟». ولقد كان هذا الفقه لديها -رضي الله عنها- يعطيها زاداً يدفعها إلى أن تصحح ما تراه من أفعال أصحابه صلى الله عليه وسلم يخالف نصاً ربما لم يبلغهم، أو كان لهم عذر آخر في مخالفته. فعن نافع قال: لقي ابن عمر -رضي الله عنهما- ابن صائد في بعض طرق المدينة فقال له قولاً أغضبه، فانتفخ حتى ملأ السكة، فدخل ابن عمر على حفصة وقد بلغها، فقالت له:رحمك الله ما أردت من ابن صائد؟ أما علمت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:«إنما يخرج من غضبة يغضبها»؟. وتحدثنا صهيرة بنت جعفر عن شيء من علم صفية أم المؤمنين -رضي الله عنها- فعنها قالت: حججنا ثم انصرفنا إلى المدينة فدخلنا على صفية بنت حيي -رضي الله عنها- فوافقنا عندها نسوة من أهل الكوفة فقلن لها: إن شئتن سألتن وسمعنا، وإن شئتن سألنا وسمعتن، فقلنا: سلن فسألن عن أشياء من أمر المرأة وزوجها ومن أمر المحيض، ثم سألن عن نبيذ الجر فقالت: أكثرتم علينا يا أهل العراق في نبيذ الجر، وما على إحداكن أن تطبخ تمرها ثم تدلكه ثم تصفيه فتجعله في سقائها وتوكئ عليه، فإذا طاب شربت وسقت زوجها». ويستشهد ابن عباس -رضي الله عنهما- في مسألة من مسائل الحج بقول أسماء بنت أبي بكر -رضي الله عنهما- مما يعطي شهادة بسعة علمها وحفظها -رضي الله عنها-. فعن مجاهد قال قال عبد الله بن الزبير -رضي الله عنهما-:أفردوا بالحج، ودعوا قول هذا -يعني ابن عباس- فقال ابن العباس -رضي الله عنهما-:ألا تسأل أمك عن هذا؟، فأرسل إليها فقالت: صدق ابن عباس، خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حجاجاً فأمرنا فجعلناها عمرة، فحل لنا الحلال حتى سطعت المجامر بين النساء والرجال.
وحيث كان العلم بهذه المنـزلة التي جعلته يفضل على نوافل العبادات، وجعلت فضل العالم على العابد كفضل القمر على سائر الكواكب، فقد كان لنساء الصحابة القدح المعلى وقصب السبق في ذلك، ومن صور عنايتهن بالتعلم ما يلي:
1 - حفظ القرآن: في وقت لم تكن الوسائل المتاحة أمام الناس تيسر لهم أسباب التعلم، فالقارئ والمتعلم للكتابة فيهم قليل، والمصحف ليس مهيأً مجموعاً للناس يحفظون ويقرؤون منه كما أرادوا، ناهيك عن أجهزة التسجيل التي كسرت حاجز الأمية وأتاحت استماع القرآن لكل الفئات والأعمار، وفي أي وقت يشاء المستمع. لكن حين تعلو الهمة وترتفع العزيمة تهوي كل تلك الصعاب، وتزول كل تلك العقبات وغيرها، فلنر نموذجاً من عناية فتيات الصحابة بحفظ القرآن الكريم، وكيف يغتنمن الفرصة ويستثمرنها. فعن بنت لحارثة بن النعمان قالت: ما حفظت (ق) إلا من في رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب بها كل جمعة قالت: وكان تنورنا وتنور رسول صلى الله عليه وسلم واحداً. فأين فتياتنا اليوم من الاعتناء بحفظ القرآن الكريم وتعلمه، لاسيما وقد تيسرت السبل، وتعددت الوسائل ولم يبق لأحد عذر في التخلف؟
2 - السؤال عن العلم: كانت بعض فتيات أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يستثمرن فرصة قربهن من النبي صلى الله عليه وسلم فيسألن عما يشكل عليهن من أمور الدين، وحين ترى إحداهن أمرًا لا تدرك وجهه ومأخذه تسأله صلى الله عليه وسلم عنه، وقد نُقلت لنا من عنايتهن -رضوان الله عليهن- بالسؤال أخبار عدة يضيق المقام عن استيعابها، وهذه طائفة منها: عن فاطمة -رضي الله عنها- قالت دخل عليَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم فأكل عرقاً، فجاء بلال بالأذان، فقام ليصلي فأخذت بثوبه فقلت: يا أبه، ألا تتوضأ؟ فقال:«مم أتوضأ يا بنية؟» فقلت: مما مست النار، فقال لي:«أو ليس أطيب طعامكم ما مسته النار؟». وحين رأت حفصة -رضي الله عنها- الناس في الحج أحلوا ولم يحل صلى الله عليه وسلم تشوفت إلى معرفة الحكم في ذلك فتوجهت له صلى الله عليه وسلم بالسؤال، فعن ابن عمر عن حفصة زوج النبي- صلى الله عليه وسلم ورضي الله عنها- أنها قالت: يا رسول الله، ما شأن الناس حلوا بعمرة ولم تحلل أنت من عمرتك؟ قال:«إني لبدت رأسي وقلدت هديي فلا أحل حتى أنحر». ولإدراكهن -رضوان الله عليهن- أن تلاوة كتاب الله تبارك وتعالى لا يسوغ أن تقف عند مجرد ترداد ألفاظه بل لا بد من التدبر وإدراك المعاني، فقد حفظت لنا السنة مواقف عدة من سؤالهن للنبي صلى الله عليه وسلم عن معاني ما قد يشكل عليهن من كتاب الله تبارك وتعالى. فأم المؤمنين عائشة -رضي الله عنها- تحكي عن نفسها أنها أول الناس سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن معنى آية من كتاب الله تبارك وتعالى. فعن مسروق قال كنت متكئاً عند عائشة -رضي الله عنها- فقالت: يا أبا عائشة، ثلاث من تكلم بواحدة منهن فقد أعظم على الله الفرية، قلت: ما هن؟ قالت: من زعم أن محمداً صلى الله عليه وسلم رأى ربه فقد أعظم على الله الفرية، قال: وكنت متكئاً فجلست فقلت: يا أم المؤمنين، ولا تعجليني، ألم يقل الله عز وجل ((وَلَقَدْ رَآهُ بِالأفُقِ الْمُبِينِ))، ((وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى))؟ فقالت: أنا أول هذه الأمة سأل عن ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال:«إنما هو جبريل، لم أره على صورته التي خلق عليها غير هاتين المرتين، رأيته منهبطاً من السماء ساداً عظم خلقه ما بين السماء إلى الأرض». ثم استدلت -رضي الله عنها- على ما تقول بآيات من كتاب الله تدل على علمها وفقهها، فقالت: أو لم تسمع أن الله يقول ((لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ))؟ أو لم تسمع أن الله يقول ((وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ))؟ قالت: ومن زعم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كتم شيئاً من كتاب الله فقد أعظم على الله الفرية والله يقول ((يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ)) قالت: ومن زعم أنه يخبر بما يكون في غد فقد أعظم على الله الفرية والله يقول ((قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ الْغَيْبَ إِلا اللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ)). ومع الأهمية الملحة للسؤال وضرورته نرى أن بعض فتيات المسلمين اليوم يُفَوِّتن على أنفسهن فرصاً نادرة للتعلم والاستزادة؛ إذ قد يوفق الله بعض الفتيات أن تكون بنتاً أو أختاً لأحد طلبة العلم فتكون أقل الناس استفادة منه، ورحم الله عكرمة إذ يقول :«إن أزهد الناس في عالم أهله». وقد أمر الله تبارك وتعالى من لا يعلم بالسؤال فقال ((وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلا رِجَالا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ)) [النحل: 43]. وها هو حبر الأمة ابن عباس -رضي الله عنهما- يقول: إن كنت لأسأل عن الأمر الواحد ثلاثين من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، ووصفه عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- بقوله:»ذاكم فتى الكهول، إن له لساناً سؤولاً، وقلباً عقولاً«
3 - المراجعة والمناقشة: والعلم عندهن - رضوان الله عليهن- لم يكن قاصراً على مجرد الحفظ للأخبار والروايات، بل كان مقروناً بالفهم والفقه، ولهذا حين يرد على إحداهن نص تعيه وتفهمه ثم تقوم بربطه بسائر النصوص الشرعية، وحين يبدو لديها لبس أو لا تفهم التوفيق بين هذه النصوص تراجع النبي صلى الله عليه وسلم وتناقشه في ذلك. فعن حفصة -رضي الله عنها- قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :«إني لأرجو أن لا يدخل النار إن شاء الله أحد شهد بدراً والحديبية» قالت: فقلت: أليس الله عز وجل يقول ((وَإِنْ مِنْكُمْ إِلا وَارِدُهَا)) قال: فسمعته يقول ((ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا)). وتحفظ لنا السنة أيضاً موقفاً آخر لأم المؤمنين حفصة -رضي الله عنها- ترى أن ماسمعته منه صلى الله عليه وسلم قد يتعارض مع قاعدة شرعية مستقرة لديها فتسأله صلى الله عليه وسلم تجلية هذا الإشكال. فعنها -رضي الله عنها- قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:«يأتي جيش من قبل المشرق يريدون رجلاً من أهل مكة، حتى إذا كانوا بالبيداء خسف بهم فرجع من كان أمامهم لينظر ما فعل القوم فيصيبهم مثل ما أصابهم» فقلت: يا رسول الله، فكيف بمن كان منهم مستكرهاً؟ قال:«يصيبهم كلهم ذلك ثم يبعث الله كل امرئ على نيته». وهذا الفقه منها -رضي الله عنها- لم يكن قاصراً على ما تسمعه من نصوص قولية؛ بل يتجاوز ذلك إلى أن ترقب أفعاله صلى الله عليه وسلم ثم تسأل عما أشكل عليها. فعنها -رضي الله عنها- قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم قد وضع ثوبه بين فخذيه، فجاء أبو بكر فاستأذن فأذن له وهو على هيئته، ثم عمر بمثل هذه القصة، ثم علي، ثم ناس من أصحابه والنبي صلى الله عليه وسلم على هيئته، ثم جاء عثمان فاستأذن فأذن له فأخذ ثوبه فتجلله، فتحدثوا ثم خرجوا، قلت: يا رسول الله، جاء أبو بكر وعمر وعلي وسائر أصحابك وأنت على هيئتك، فلما جاء عثمان تجللت بثوبك؟ فقال:« ألا أستحيي ممن تستحيي منه الملائكة؟». ولقد كان هذا الفقه لديها -رضي الله عنها- يعطيها زاداً يدفعها إلى أن تصحح ما تراه من أفعال أصحابه صلى الله عليه وسلم يخالف نصاً ربما لم يبلغهم، أو كان لهم عذر آخر في مخالفته. فعن نافع قال: لقي ابن عمر -رضي الله عنهما- ابن صائد في بعض طرق المدينة فقال له قولاً أغضبه، فانتفخ حتى ملأ السكة، فدخل ابن عمر على حفصة وقد بلغها، فقالت له:رحمك الله ما أردت من ابن صائد؟ أما علمت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:«إنما يخرج من غضبة يغضبها»؟. وتحدثنا صهيرة بنت جعفر عن شيء من علم صفية أم المؤمنين -رضي الله عنها- فعنها قالت: حججنا ثم انصرفنا إلى المدينة فدخلنا على صفية بنت حيي -رضي الله عنها- فوافقنا عندها نسوة من أهل الكوفة فقلن لها: إن شئتن سألتن وسمعنا، وإن شئتن سألنا وسمعتن، فقلنا: سلن فسألن عن أشياء من أمر المرأة وزوجها ومن أمر المحيض، ثم سألن عن نبيذ الجر فقالت: أكثرتم علينا يا أهل العراق في نبيذ الجر، وما على إحداكن أن تطبخ تمرها ثم تدلكه ثم تصفيه فتجعله في سقائها وتوكئ عليه، فإذا طاب شربت وسقت زوجها». ويستشهد ابن عباس -رضي الله عنهما- في مسألة من مسائل الحج بقول أسماء بنت أبي بكر -رضي الله عنهما- مما يعطي شهادة بسعة علمها وحفظها -رضي الله عنها-. فعن مجاهد قال قال عبد الله بن الزبير -رضي الله عنهما-:أفردوا بالحج، ودعوا قول هذا -يعني ابن عباس- فقال ابن العباس -رضي الله عنهما-:ألا تسأل أمك عن هذا؟، فأرسل إليها فقالت: صدق ابن عباس، خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حجاجاً فأمرنا فجعلناها عمرة، فحل لنا الحلال حتى سطعت المجامر بين النساء والرجال.