المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : خواطر حول العلم والإيمان


أبوعبدالله
11-09-2007, 07:18 PM
توطئة: الناظر لهذا الكون لديه احتمالان لا ثالث لهما أولها أن يكون هذا الكون مدبر بواسطة خالق حكيم قيوم خلق هذا الكون لسبب ما قد يعرفه الفرد أو قد يغيب عنه. وثانيهما أن يكون هذا الكون نتيجة لحراك ذاتي بمحض الصدفة فتطور إلى الحد الذي نراه الآن.

خلق الكون:
الكون حقيقة قائمة لا يمكن إنكارها. فهاهي سماوات تظل وأرض تقل وجبال توطد ( ألم نجعل الأرض مهادا * و الجبال أوتادا)[1]. حيوانات ونباتات تتنوع وإنسان يعلو ويتفوق على كل هذه المخلوقات. فلا يمكن لأي فرد أن ينافي الواقع الملموس. فهذا الكون حقيقة واقعة ماثلة للعيان.

العلم :
العلم كلمة جامعة حسبما ورد تعريفه في قاموس ويبستر Webster’s”"[2] على أنه أي حقل نظامي من الدراسة أو المعرفة هدفه الأساسي تفسير معتمد للظواهر الطبيعية خلال الملاحظة والتجريب والاستنتاج. فالحواس تلعب دورا أساسيا في تأسيس نظام علمي، لكنها وحدها لا تكفي، فلابد من إعمال العقل للوصول لنتائج ملموسة أو تفسيرات مقنعة.

ولديك أمثلة سريعة، فالنبات الأخضر يحتاج لضوء الشمس حتى يصنع غذاءه. هذه الحقيقة العلمية يمكن إثباتها بكل بساطة بوضع نباتين أحدهما في الشمس والآخر في الظلام وبتوفير ما يحتاجاه من ماء وهواء وأملاح ووسط مناسب للعيش، يمكن ملاحظة أن النبات الذي يوضع في الظلام يموت بعد فترة من الزمن بينما يزدهر الآخر.

أيضا الضوء الأبيض يتكون من سبعة أطياف تمتد من الأحمر إلى البنفسجي. يمكن إثبات ذلك الأمر بتحليل الضوء الأبيض إلى سبعة أطياف بواسطة المنشور الثلاثي أو بإجراء العكس وذلك بإدارة الأطياف السبعة بواسطة قرص نيوتن ليتكون لنا الضوء الأبيض، وهكذا دواليك فمعظم الحقائق العلمية تنبني على مشاهدات وملاحظات يومية يمكن بعدها أن نصل إلى استنتاجات محددة. المشكلة هنا تكمن في المعرفة الإنسانية إذ كلما زادت المعرفة كلما استطعنا أن نستنبط حقائق جديدة كما أن امتلاك أدوات جديدة قد يطور المعرفة بشكل عام وقد يغير من المفاهيم التي كنا نجزم بأنها حقائق غير قابلة للنقاش فيما مضى.

فمثلا قبل أيام نيوتن لم يكن معروفا بأن أشعة الشمس تحوي أشعة غير مرئية. فأتى كل من هرشل (Herschel) ورثر( Ruther) في العامين 1800 م و 1801 م [3] على التوالي فاستطاع هذان العالمان أن يثبتا وجود أشعة غير مرئية في الإشعاع الشمسي فقام هرشل باكتشاف الأشعة تحت الحمراء اعتمادا على أثرها الحراري على الترمومترات الحساسة كما قام رثر باكتشاف ا لأشعة فوق البنفسجية اعتمادا على ما يعرف بالألواح الضوئية الحساسة(أفلام التصوير).

ينطبق هذا الأمر على علماء الأرض (الجيولوجيا)؛ فعندما قال جاليليو أن الأرض مستديرة أو غير مسطحة قامت الدنيا ولم تقعد واعتقد الناس بأنه يأتي بمعلومات تتنافي واعتقاداتهم، رغم أن هذا الاكتشاف أول من لاحظه هو الفيلسوف أرسطو في العام 300 ق. م بملاحظته اختفاء أو ظهور أشرعة السفن قبل أن تختفي أو تظهر السفن بالكامل مما يدل على أن الأرض لو كانت مسطحة لاختفت هذه السفن أو ظهرت كوحدات كاملة دون أن تظهر بعض أجزائها.

والناظر للأرض لا يبدو له أن الأرض كروية على أية حال، إلا إذا كان لهذا الشخص معرفة ودراية بجسم الكرة وكيف يمكن أن تبدو الأشياء عليها. فعلى العموم الأرض تبدو مسطحة تقريبا في حدود 10 كيلومترات مربعة أما في المساحات التي تكبر هذه المساحة لا تبدو الأرض مسطحة أبدا. هذه الحقيقة أصبحت الآن أكثر وضوحا بعد امتلاك الإنسان لأدوات الاستشعار عن بعد كالتصوير الجوي من الطائرات والأقمار الصناعية والبرامج الذكية المصاحبة لهذه الأدوات.

فحاول مثلا أن تنظر للأرض من نافذة طائرة على ارتفاع مناسب تجد تماما أن الأرض منحنية إذا استطعت أن تنظر إلى أقصى حد ممكن أن تراه فيها بهذا الشكل. بل استشكل على كثير من العلماء قول العالم الألماني فيقنر WEGNER عندما قال بأن الأرض تتكون من ألواح [4] كانت في بادئ الأمر ملتصقة ببعضها ثم بدأت في الانفصال، وهذا الكلام يبدو جليا لكل من نظر إلى خارطة العالم، يجد أنه يمكن تركيب أجزائها لتكون جسما واحدا، هذا الافتراض قوبل بالرفض ربما لأن فيقنر لم يكن لديه الأدوات المناسبة لإثباته إلى أن تم في سبعينا ت القرن الماضي التأسيس لنظرية علمية متكاملة عن حركة هذه الألواح وتم مقارنة المستحثات(الأحافير) في الجوانب المتقابلة من القارات المتشابهة في التركيب والشكل وكذلك الشذوذ المغناطيسي وترتيب الطبقات وغيرها من الأدلة التي أثبتت صحة كلام فيقنر بعد وقت طويل من افتراضه. بل امتلاك وسائل حديثة من صور بالأقمار الصناعية و معلومات عن ارتفاعات الأرض وانخفاضاتها وأشكال المجاري المائية (drainage patterns)[5] دلت على صحة كلامه.

الحليب واللبن الرائب يحتويان على كائنات دقيقة، هذه المعلومة إن قيلت قبل ألف سنة من الآن لربما ضُرب قائلها أو على أقل تقدير وصف بالجنون. والسبب بسيط وهو أن الناس في ذلك الوقت لم يمتلكوا الأدوات المناسبة لتقرير هذه الحقيقة أو نفيها وبما أنها ليست في مخزونهم المعرفي فنفيها أسهل من أثباتها. لكن امتلاك مجهر بسيط أو أي عدسة مكبرة يمكن أن يثبت وجود هذه الحقيقة.

إلى وقت قريب كان علم الناس بالذرة محدودا وصعبت رؤية هذه الذرة على العلماء؛ لعدم امتلاك الأدوات المناسبة لذلك ولكن بعد رذرفورد(Rutherford) بدأت فرق علمية في اليابان والولايات المتحدة بإعمال الجهد لرؤية هذه الذرة ذلك الجسم المتناهي في الصغر واستطاع بعض العلماء أخيرا من رؤية هذه الذرة رغم أن الرؤية كانت باهتة وغير واضحة[6] واحتاجت إلى جهد مضن.

رغم ذلك يستطيع العلماء وصف الإلكترون وكيف يتصرف رغم أنه أصغر بكثير من الذرة بل كتلته تكاد أن تكون شيئا لا يذكر. وبناءا على ظواهر محددة يستطيع العلماء وصف كتلة وشحنة هذا الجسيم. ويستطيع أي طفل صغير أن يولد كمية من الالكترونات بدلكه لشعره بواسطة مشط جاف ومن ثم يمكن له أن يجذب قصاصات ورق خفيفة أو يلعب بخيط ماء رفيع يمنة ويسرة اعتمادا على هذه الشحنة المتولدة. فالالكترونات حقيقة لا يمكن تجاوزها على الأقل في المخزون المعرفي الآني. لكن هل لنا أن نراها؟ طبعا هذا لا يمكن الآن وتعليل ذلك أننا لا نملك الأدوات المناسبة لذلك.

فالسؤال كيف يمكن أن نتحدث عن وجود شئ دون أن نلاحظه! والملاحظة هنا ممتنة لعمل الحواس الخمس، بل تجاوزنا الأمر إلى وصفه!

لكن هذا السؤال يمكن أن يطرق بطريقة أخرى وهي كيف يمكن أن ننفي وجود ما لا نلاحظه إذا كنا فعلا لا نمتلك الأدوات المناسبة لذلك؟ وهل يمكن أن تتوفر هذه الأدوات يوما ما؟ و إذا لم تتوفر هل نستطيع أن نجزم بعدم وجود ما لا نلاحظه بحواسنا الخمس؟ الإجابة بالطبع لا.

إن وجود الله أمر أكبر من أن يدخل في نطاق حواسنا، لكن آياته ودلائل وجوده مبثوثة في كل شيء فقط انظر حولك وتأمل خلقك.

أنور الطيب المهل

----------------------
[1] قرآن كريم، سورة النبأ، الآيات 6 و 7
[2] Webster’s handy dictionary
[3] Basic texts of physics
[4] Earth science، Tarbuck and Lutgens، fourth edition
[5] Principles of geomorphology، William D. Thornbury، second edition
[6] الفضاء النانومتري ؛ من البرامج العلمية التي تبث في بعض القنوات الفضائية العربية.

موده
11-11-2007, 12:16 PM
جزاك الله خير

الوافي
11-12-2007, 11:58 AM
شكرا أبوعبدالله على النقل

طيبة الطيبة
03-17-2010, 05:02 AM
الله يجازيك بالخير ابو عبد الله

peace
03-25-2010, 04:41 AM
نفع الله بما كتبت وجزاك خيرا