المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الدراسات العليا المحلية والحاجة إلى التطوير


هناء
05-13-2004, 12:58 AM
هناك توجه لدى الجامعات والكليات السعودية نحو التوسع في برامج الدراسات العليا، لأجل تحقيق أهداف عدة تشير إليها لائحة الدراسات العليا الموحدة بالجامعات السعودية كالتالي:

1- العناية بالدراسات الإسلامية والعربية والتوسع في بحوثها والعمل على نشرها.

2- الإسهام في إثراء المعرفة الإنسانية بكافة فروعها عن طريق الدراسات المتخصصة والبحث الجاد للوصول إلى إضافات علمية وتطبيقية مبتكرة والكشف عن حقائق جديدة.

3- تمكين الطلاب المتميزين من حملة الشهادات الجامعية من مواصلة دراساتهم العليا محلياً.

4- إعداد الكفايات العلمية والمهنية المتخصصة وتأهيلهم تأهيلا عالياً في مجالات المعرفة المختلفة.

5- تشجيع الكفايات العلمية على مسايرة التقدم السريع للعلم والتقنية ودفعهم إلى الإبداع والابتكار وتطوير البحث العلمي وتوجيهه لمعالجة المجتمع السعودي.

6- الإسهام في تحسين مستوى برامج المرحلة الجامعية لتتفاعل مع برامج الدراسات العليا.

المقصود بالدراسات العليا هي تلك التاليةللمرحلة الجامعية الأساسية، وفي جامعاتنا لم تخرج الدراسات العليا كثيراً عن الدرجات المتعارف عليها: ماجستير العلوم أو التربية، دكتوراه الفلسفة، وقليل من البرامج تقدم ما يعرف بالدبلوم العالي (او ما بعد الجامعي) يضاف إليها لدواعي التوظيف تصنيف برامج الزملات الطبية التدريبية أو معادلتها بشهادات الدراسات العليا، مع غياب شبه تام لبرامج ما بعد الدكتوراه أو لبرامج الدراسات العليا التطبيقيه.

غالبية جامعاتنا تتبع من ناحية الهيكل نموذج الدراسات العليا بشمال أمريكا، حيث تشمل مرحلة الدراسات العليا مزيجاً من المواد الدراسية والبحث، وهو نموذج يختلف عن بعض النماذج الأوربية التي تركز على البحث ولا تقدم أية مادة دراسية خلال مرحلة الدراسة العليا. نموذج المواد الدراسية مع البحث هو النموذج الذي بدأت تتحول إليه حتى بعض الجامعات الأوروبية. بالتأكيد لا يتوقع مني الوصف الدقيق لجميع برامج الدراسات العليا بالجامعات السعودية، ولا أحبذ الدخول في تفاصيل التباين فيما بينها من ناحية التخصصات والجوده والشهره، وإنما أطرح بشكل عام بعض الإشكاليات والتصورات التي تعاني منها برامج الدراسات العليا بجامعاتنا المحلية.

أولى الإشكاليات المتعلقة ببحث التعليم العالي بصفة عامة والدراسات العليا بصفة محدده، محلياً، هي غياب المعلومة البحثية التقويمية والتحليلية الدقيقة، وعليه يصبح لزاماً علينا الاعتماد على الانطباعات المتولدة لدينا عن طريق الاحتكاك والحوار والتجربة الشخصية مع الأطراف المعنية بهذا الموضوع، ومحاولة صياغة هذه الانطباعات في شكل مقالي لاندعي حصره ووفاءه بجميع الجوانب المتعلقة بالدراسات العليا بجامعاتنا السعودية، وإنما كالمعتاد نحاول لفت الانتباه إلى قضية جوهرية في مستقبل التعليم العالي ببلادنا، وفتح نافذة الحوار حول موضوع الدراسات العليا بالجامعات السعودية.

سأبدأ بالشكوى التي يبثها طلاب الدراسات العليا، وهم المستفيد الأول من برامج الدراسات العليا، ويمكن اختصارها في ما يلي:

(1) يشتكي بعض طلاب الدراسات العليا بأن ما يقدم لهم من مواد دراسية بمرحلة الدراسات العليا ما هو إلا مجرد تكرار وإعادة لبعض مواد البكالوريوس ولا تختلف عنها في طرق التقديم، الطرح، والتقييم، وبالتالي يرونها إضاعة وقت ليس فيها الجديد من الناحية المعرفية والمهنية.

(2) يشتكي بعض طلاب الدراسات العليا من عدم وضوح متطلبات القائمين على الدراسات العليا بما في ذلك المشرف الدراسي والقسم في مجال المواد الدراسية أو البحث، الرسالة، ونوعيته وحجمه..إلخ، حتى أن البعض يقضي فصولاً دراسية كاملة وهو في شد وجذب مع مشرفه الدراسي حول تبني فكرة بحثية مناسبة، بسبب عدم الوضوح لدى عضو هيئة التدريس حول ماذا يريد من طالب الدراسات العليا أو ما هو المطلوب من طالب الدراسات العليا.. طبعاً هذه وجهة نظر الطالب، وهو ليس طالبا إبتدائيا وإنما طالب دراسات عليا.

(3) يشتكي بعض طلاب الدراسات العليا من عدم تعاون المشرفين الدراسيين بشكل كاف، وضعف التعاون كما عبر عنه أكثر من طالب دراسات عليا يبرز في عدم مساعدة الطالب في تبني خطة بحثية مناسبة، عدم مساعدته في إنجاز مهامه البحثية، عدم تعاونه في الالتزام بالساعات المكتبية أو بالتواجد وقت الاحتياح من قبل الطالب، عدم بذله الجهد المناسب لاحتياجات طالب الدراسات العليا.

تلك شكوى العديد من طلاب الدراسات العليا، ويقابلها شكوى من الطرف الاخر، من أعضاء هيئة التدريس المشرفين على طلاب الدراسات العليا، حيث يشتكي البعض منهم بما يلي:

(1) ضعف طالب الدراسات العليا وعدم وضوح أهدافه من الدراسات العليا والبحث العلمي بصفة عامة، وبأنه، اي طالب الدراسات العليا، أتى للحصول على الشهادة دون هدف أو معنى اخر واضح في ذهنه حول معنى الدراسات العليا وحول معنى البحث وحول مخرجات برنامج الدراسات العليا، وكأن الدراسات العليا مجرد الالتحاق بالجامعة لفترة محددة، لا تقتضي حتى التفرغ ذهنياً وعملياً واجتماعياً لهذه المهمة.

(2) عدم أو ضعف الحوافز التي تدفع عضو هيئة التدريس لتنبي الإشراف على طلاب الدراسات العليا وعدم مرونة اللوائح في بعض الحالات، بحيث ان أعباء الإشراف على طالب الدراسات العليا تفوق بمراحل ما يقابلها من تقدير في توزيع العبء العملي أو الإنتاجي الذي على ضوئه يتم تقييم أداء أو ترقي عضو هيئة تدريس.

(3) ضعف الإمكانيات البحثية والمعملية وقلة المصادر العلمية، التي تساهم في تبني برامج دراسات عليا طموحه، ويرى أكثر من عضو هيئة تدريس بأن الضغوطات نحو قبول مزيد من طلاب الدراسات العليا لا يوازيها توفير مصادر بحث وتعلم تتناسب مع الرغبة في تقديم برامج وابحاث متطورة علميا.

لا أريد محاكمة الأطراف المعنية بالشكوى هنا، ولكنني أميل إلى جديتها بدليل توفر الانطباع العام بتميز برامج الدراسات العليا في كثير من كلياتنا بالطول وضعف أو عدم وضوح المخرجات النهائية لها، ووجود نسب تسرب غير معلنة ببرامج الدراسات العليا، كان من ضمن أسبابها الرئيسية توتر العلاقة بين عضو هيئة التدريس وطالب الدراسات العليا كنتيجة طبيعية لضعف الثقة وعدم وضوح العلاقة بينهما، أو عدم وضوح وجدية المنتسبين إلى برامج الدراسات العليا.

لاشك بأن حدة الشكوى ومعاناة برامج الدراسات العليا تختلف من قسم أو تخصص إلى اخر، ومن جامعة إلى أخرى، ولكن الملاحظات أعلاه لا يمكن تجاهلها وتستحق النقاش، ليس فقط لذاتها ولكن لأجل تطوير برامج الدراسات العليا بصفة عامة وإعادة تحديد أهدافها وطرق تقديمها، فهل فعلاً ليس هناك تقدير لعضو هيئة التدريس المشرف على طالب الدراسات العليا؟ وهل فعلاً يكاد أن يستوي عضو هيئة التدريس المجتهد في الإشراف على طلابه وابحاثه وذاك التاجر المتفرغ لتجارته أو عمله خارج الجامعة؟ وهل فعلاً عضو هيئة التدريس لدينا يعتقد بأن المادة التي يقدمها لطلاب الدراسات العليا هي مجرد إعادة لما قدمه لطلاب مرحلة البكالوريوس؟ هل طالب الدراسات العليا غير مؤهل ذهنياً وفكرياً وعملياً للالتحاق ببرامج الدراسات العليا المحلية؟ أعتقد أن الأسئله الحيوية تلك يجب أن يسبقها السؤال عن فلسفة ونظم الدراسات العليا ومفهومها لدينا؛ ماذا نتوقع ونريد ونسعى إلى الحصول عليه من برنامج الماجستير أو برنامج الدكتوراه؟ هل نحن نبحث عن إضافة معرفيه في كمية المعلومات التي يحفظها الطالب، نبحث عن تخريج الملم بأساسيات البحث العلمي، نبحث عن تخريج المهني المتمكن من مهنته أو تخصصه العملي، نبحث عن تخريج العالم أم تخريج طالب العلم العارف بمفاتيح المعرفة في مجال تخصصه، نبحث عن الشهاده، أم عن ماذا نبحث كمخرجات لبرنامج الدراسات العليا؟

كليات وعمادات البحث والدراسات العليا بكل أسف يمكن وصف أدوارها بأنها مجرد الحارس الأمين لتنفيذ نصوص لوائح الدراسات العليا في جوانبها الإدارية البحتة، فهي لا تقدم حلقات نقاش لتطوير برامجها ولا تتبنى مبادرات جدية لتطوير البرامج ولا تبتكر أطرا إبداعيه عملية وعلمية لإضفاء التفاعل بين أعضاء هيئة التدريس وطلاب الدراسات العليا، وليس لديها قنوات واضحة للجميع تسمع من خلالها شكوى أو تذمر طلاب الدراسات العليا ومثلهم الأقسام الأكاديمية وأعضاء هيئة التدريس المعنيين، وهي أي كليات وعمادات الدراسات العليا والبحث العلمي، وافضل ربط البحث العلمي بالدراسات العليا بالرغم من كون بعض جامعاتنا تفصل بينهما إدارياً، لا تناقش حالات التأخير والانسحاب والانقطاع التي تحدث في أوساط الدراسات العليا بجدية كافية، بل ولا تناقش مسببات عدم الإقبال على بعض برامج الدراسات العليا بالجامعات والكليات المحلية.

برامج الدراسات العليا تبدأ عادة وفق محددات تمر عبر الدائرة الاكاديمية البيروقراطية المعروفة، من مجلس القسم، فمجلس الكلية، فالعمادات المتخصصة ثم المجالس الأكاديمية الأعلى وهكذا، لا يهمني هذا، ولكن الواضح هو أن المعايير في هذا الشأن لازالت ضبابية وغير واضحة وتعتمد على الحماس الفردي لدى القسم المعني، وحتى على إفتراض وضوح لائحة اشتراطات البدء ببرنامج دراسات عليا، فإن التقييم الدوري والمراجعة لما تحقق من أهداف وخطط في برامج الدراسات العليا التي تم إقرارها وما تحقق من مخرجات متوقعة يكاد أن يكون غائباً بشكل تام لدى غالبية جامعاتنا. نعم كثيرمن جامعاتنا وكلياتـــنــا تجربتــهــا قصيرة، إلى حـــد مـا، فـي بــرامــــج الــدراســـات العلــيـــا وهــنــاك مــن يرى بأن التجـربــة سيتم صقلها وستتطور للأفضل بفــعــل التراكـــم المعرفي والتطبيقي، ولكن ما يقلقــني هو انعدام الفضاء المفتوح الذي تناقش فيه مثل هذه القضايا بسلبياتها وإيجابياتها وبالتــالــي أخــشـى أن تــكــون التجربة هنا مجرد تكـرار ليس لــه جـــدوى تراكميـة أو تصحيحية وتطويرية، وهناك فرق بين أن تكـرر الفوضى أعوام عديدة دون التـعلم من الأخــطــاء وبيـــن أن تتعــلــم بشـكـل مستمر وتتطور للأفضل خلال سنوات قليلة.