المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : فضل شهر الله المحرم وصيام عاشوراء


صدى الكلمة
02-28-2004, 12:57 AM
فضل شهر الله المحرم وصيام عاشوراء



الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمد خاتم الأنبياء وسيد المرسلين وعلى آله وصحبه أجمعين وبعد :
فإن شهر الله المحرم شهر عظيم مبارك وهو أول شهور السنة الهجرية وأحد الأشهر الحرم التي قال الله فيها : (( إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا في كتاب الله يوم خلق السماوات والأرض منها أربعة حرم ذلك الدين القيم فلا تظلموا فيهن أنفسكم .. )) الآية [ 36 سورة التوبة ] . وعن أبي بكرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم : (( .. السنة اثنا عشر شهرا منها أربعة حرم ثلاثة متواليات : ذو القعدة وذو الحجة والمحرم ، ورجب مضر الذي بين جمادى وشعبان )) [ رواه البخاري 2958 ] .
والمحرم سمي بذلك لكونه شهرا محرما وتأكيدا لتحريمه .

فضل الإكثار من صيام النافلة في شهر محرم
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( أفضل الصيام بعد رمضان شهر الله المحرم )) [ رواه مسلم 1982 ] . قوله : (( شهر الله )) إضافة الشهر إلى الله إضافة تعظيم ، قال القاري : الظاهر أن المراد جميع شهر المحرم . ولكن قد ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يصم شهرا كاملا قط غير رمضان فيحمل هذا الحديث على الترغيب في الإكثار من الصيام في شهر محرم لا صومه كله .

عاشوراء في التاريخ
عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : (( قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة فرأى اليهود تصوم يوم عاشوراء فقال ما هذا قالوا هذا يوم صالح هذا يوم نجى الله بني إسرائيل من عدوهم فصامه موسى ، قال فأنا أحق بموسى منكم فصامه وأمر بصيامه )) [ رواه البخاري 1865 ] . وصيام عاشوراء كان معروفا حتى على أيام الجاهلية قبل البعثة النبوية فقد ثبت عن عائشة رضي الله عنها قالت : (( إن أهل الجاهلية كانوا يصومونه )) .. قال القرطبي : لعل قريشا كانوا يستندون في صومه إلى شرع من مضى كإبراهيم عليه السلام . وقد ثبت أيضا أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصومه بمكة قبل أن يهاجر إلى المدينة فلما هاجر إلى المدينة وجد اليهود يحتفلون به فسألهم عن السبب فأجابوه كما تقدم في الحديث وأمر بمخالفتهم في اتخاذه عيدا كما جاء في حديث أبي موسى رضي الله عنه قال كان يوم عاشوراء تعده اليهود عيدا [ وفي رواية مسلم (( كان يوم عاشوراء تعظمه اليهود تتخذه عيدا )) ، وفي رواية له أيضا : (( كان أهل خيبر ( اليهود ) .. يتخذونه عيدا ويلبسون نساءهم فيه حليهم وشارتهم )) ] قال النبي صلى الله عليه وسلم : (( فصوموه أنتم )) [ رواه البخاري ] . وظاهر هذا أن الباعث على الأمر بصومه محبة مخالفة اليهود حتى يصام ما يفطرون فيه لأن يوم العيد لا يصام . [ انتهى ملخصا من كلام الحافظ ابن حجر رحمه الله في فتح الباري شرح صحيح البخاري ] .
وكان صيام عاشوراء من التدرج الحكيم في تشريع الصيام وفرضه فقد أحيل الصيام ثلاثة أحوال ، فقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة فجعل الصوم كل شهر ثلاثة أيام ويوم عاشوراء ، ثم إن الله تعالى فرض الصيام بقوله : (( كتب عليكم الصيام )) ، فانتقل الفرض من صيام عاشوراء إلى صيام رمضان وهذا من الأدلة في أصول الفقه على جواز النسخ من الأخف إلى الأثقل .

يتبع

صدى الكلمة
02-28-2004, 12:59 AM
فضل صيام عاشوراء
عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : (( ما رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يتحرى صيام يوم فضله على غيره إلا هذا اليوم يوم عاشوراء وهذا الشهر يعني شهر رمضان )) [ رواه البخاري 1867 ] . ومعنى (( يتحرى )) أي يقصد صومه لتحصيل ثوابه والرغبة فيه . وقال النبي صلى الله عليه وسلم : (( صيام يوم
عاشوراء إني أحتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله )) [ رواه مسلم ] .
وهذا من فضل الله علينا أن أعطانا بصيام يوم واحد تكفير ذنوب سنة كاملة والله ذو الفضل العظيم .

أي يوم هو عاشوراء ؟
قال النووي رحمه الله : عاشوراء وتاسوعاء اسمان ممدودان ، هذا هو المشهور في كتب اللغة قال أصحابنا : عاشوراء هو اليوم العاشر من المحرم ، وتاسوعاء هو التاسع منه هذا مذهبنا ، وبه قال جمهور العلماء ، .. وهو ظاهر الأحاديث ومقتضى إطلاق اللفظ ، وهو المعروف عند أهل اللغة . [ المجموع ]
يتبين من هذا أن : عاشوراء هو اليوم العاشر من المحرم ، وتاسوعاء هو التاسع منه

استحباب صيام تاسوعاء مع عاشوراء
روى عبد الله بن عباس رضي الله عنهما قال : حين صام رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم عاشوراء وأمر بصيامه قالوا يا رسول الله إنه يوم تعظمه اليهود والنصارى فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( فإذا كان العام المقبل إن شاء الله صمنا اليوم التاسع )) قال فلم يأت العام المقبل حتى توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم [ رواه مسلم 1916 ] . قال الشافعي وأصحابه وأحمد وإسحاق وآخرون : يستحب صوم التاسع والعاشر جميعا ؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم صام العاشر ، ونوى صيام التاسع . وعلى هذا فصيام عاشوراء على مراتب أدناها أن يصام وحده وفوقه أن يصام التاسع معه وكلما كثر الصيام في محرم كان أفضل وأطيب .

الحكمة من استحباب صيام تاسوعاء
قال النووي رحمه الله : ذكر العلماء من أصحابنا وغيرهم في حكمة استحباب صوم تاسوعاء أوجها : أحدها : أن المراد منه مخالفة اليهود في اقتصارهم على العاشر ، وهو مروي عن ابن عباس .. الثاني : أن المراد به وصل يوم عاشوراء بصوم ، كما نهى أن يصام يوم الجمعة وحده ، ذكرهما الخطابي وآخرون . الثالث : الاحتياط في صوم العاشر خشية نقص الهلال ، ووقوع غلط فيكون التاسع في العدد هو العاشر في نفس الأمر . انتهى
وأقوى هذه الأوجه هو مخالفة أهل الكتاب ، قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله : نهى صلى الله عليه وسلم عن التشبه بأهل الكتاب في أحاديث كثيرة مثل قوله .. في عاشوراء : (( لئن عشت إلى قابل لأصومن التاسع )) [ الفتاوى الكبرى ج6 : سد الذرائع المفضية إلى المحارم ] . وقال ابن حجر رحمه الله في تعليقه على حديث : (( لئن بقيت إلى قابل لأصومن التاسع )) : ما هم به من صوم التاسع يحتمل معناه أن لا يقتصر عليه بل يضيفه إلى اليوم العاشر إما احتياطا له وإما مخالفة لليهود والنصارى وهو الأرجح وبه يشعر بعض روايات مسلم [ فتح 4/245 ] .

صيام عاشوراء ماذا يكفر ؟
قال الإمام النووي رحمه الله : يكفر كل الذنوب الصغائر ، وتقديره يغفر ذنوبه كلها إلا الكبائر . ثم قال رحمه الله : صوم يوم عرفة كفارة سنتين ، ويوم عاشوراء كفارة سنة ، وإذا وافق تأمينه تأمين الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه .. كل واحد من هذه المذكورات صالح للتكفير فإن وجد ما يكفره من الصغائر كفره ، وإن لم يصادف صغيرة ولا كبيرة كتبت به حسنات ورفعت له به درجات ، .. وإن صادف كبيرة أو كبائر ولم يصادف صغائر ، رجونا أن تخفف من الكبائر [ المجموع شرح المهذب ج6 صوم يوم عرفة ] .

عدم الاغترار بثواب الصيام
يغتر بعض المغرورين بالاعتماد على مثل صوم يوم عاشوراء أو يوم عرفة ، حتى يقول بعضهم : صوم يوم عاشوراء يكفر ذنوب العام كلها ويبقى صوم عرفة زيادة في الأجر . قال ابن القيم : لم يدر هذا المغتر أن صوم رمضان والصلوات الخمس أعظم وأجل من صيام يوم عرفة ويوم عاشوراء ، وهي إنما تكفر ما بينهما إذا اجتنبت الكبائر ، فرمضان إلى رمضان ، والجمعة إلى الجمعة لا يقويان على تكفير الصغائر إلا مع انضمام ترك الكبائر إليها ، فيقوى مجموع الأمرين على تكفير الصغائر . ومن المغرورين من يظن أن طاعاته أكثر من معاصيه ، لانه لا يحاسب نفسه على سيئاته ولا يتفقد ذنوبه ، وإذا عمل طاعة حفظها واعتد بها ، كالذي يستغفر الله بلسانه أو يسبح الله في اليوم مائة مرة ، ثم يغتاب المسلمين ويمزق أعراضهم ، ويتكلم بما لا يرضاه الله طول نهاره ، فهذا أبدا يتأمل في فضائل التسبيحات والتهليلات ولا يلتفت إلى ما ورد من عقوبة المغتابين والكذابين والنمامين ، إلى غير ذلك من آفات اللسان ، وذلك محض غرور [ الموسوعة الفقهية ج31 : غرور


يتبع

صدى الكلمة
02-28-2004, 01:00 AM
صيام عاشوراء وعليه قضاء من رمضان
اختلف الفقهاء في حكم التطوع بالصوم قبل قضاء رمضان . فذهب الحنفية إلى جواز التطوع بالصوم قبل قضاء رمضان من غير كراهة ، لكون القضاء لا يجب على الفور. وذهب المالكية والشافعية إلى الجواز مع الكراهة ، لما يلزم من تأخير الواجب ، قال الدسوقي : يكره التطوع بالصوم لمن عليه صوم واجب كالمنذور والقضاء والكفارة . سواء كان صوم التطوع الذي قدمه على الصوم الواجب غير مؤكد ، أو كان مؤكدا ، كعاشوراء وتاسع ذي الحجة على الراجح . وذهب الحنابلة إلى حرمة التطوع بالصوم قبل قضاء رمضان ، وعدم صحة التطوع حينئذ ولو اتسع الوقت للقضاء ، ولا بد من أن يبدأ بالفرض حتى يقضيه [ الموسوعة الفقهية ج28 : صوم التطوع ] .
فعلى المسلم أن يبادر إلى القضاء بعد رمضان ليتمكن من صيام عرفة وعاشوراء دون حرج ، ولو صام عرفة وعاشوراء بنية القضاء من الليل أجزأه ذلك في قضاء الفريضة ، وفضل الله عظيم .

بدع عاشوراء
سئل شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله عما يفعله الناس في يوم عاشوراء من الكحل ، والاغتسال ، والحناء والمصافحة ، وطبخ الحبوب وإظهار السرور ، وغير ذلك .. فهل ورد في ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم حديث صحيح ؟ أم لا ؟ وإذا لم يرد حديث صحيح في شيء من ذلك فهل يكون فعل ذلك بدعة أم لا ؟ وما تفعله الطائفة الأخرى من المأتم والحزن والعطش ، وغير ذلك من الندب والنياحة ، وقراءة المصروع ، وشق الجيوب . هل لذلك أصل ؟ أم لا ؟
الجواب : الحمد لله رب العالمين . لم يرد في شيء من ذلك حديث صحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا عن أصحابه ، ولا استحب ذلك أحد من أئمة المسلمين لا الأئمة الأربعة ، ولا غيرهم . ولا روى أهل الكتب المعتمدة في ذلك شيئا ، لا عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا الصحابة ، ولا التابعين ، لا صحيحا ولا ضعيفا ، لا في كتب الصحيح ، ولا في السنن ، ولا المسانيد ، ولا يعرف شيء من هذه الأحاديث على عهد القرون الفاضلة . ولكن روى بعض المتأخرين في ذلك أحاديث مثل ما رووا أن من اكتحل يوم عاشوراء لم يرمد
من ذلك العام ، ومن اغتسل يوم عاشوراء لم يمرض ذلك العام ، وأمثال ذلك .. ورووا في حديث موضوع مكذوب على النبي صلى الله عليه وسلم : (( أنه من وسع على أهله يوم عاشوراء وسع الله عليه سائر السنة )) . ورواية هذا كله عن النبي صلى الله عليه وسلم كذب . ثم ذكر رحمه الله ملخصا لما مر بأول هذه الأمة من الفتن والأحداث ومقتل الحسين رضي الله عنه وماذا فعلت الطوائف بسبب ذلك فقال : فصارت طائفة جاهلة ظالمة : إما ملحدة منافقة ، وإما ضالة غاوية ، تظهر موالاته ، وموالاة أهل بيته تتخذ يوم عاشوراء يوم مأتم وحزن ونياحة ، وتظهر فيه شعار الجاهلية من لطم الخدود ، وشق الجيوب ، والتعزي بعزاء الجاهلية .. فكان ما زينه الشيطان لأهل الضلال والغي من اتخاذ يوم عاشوراء مأتما ، وما يصنعون فيه من الندب والنياحة ، وإنشاد قصائد الحزن ، ورواية الأخبار التي فيها كذب كثير والصدق فيها ليس فيه إلا تجديد الحزن ، والتعصب ، وإثارة الشحناء والحرب ، وإلقاء الفتن بين أهل الإسلام ، والتوسل بذلك إلى
سب السابقين الأولين .. وشر هؤلاء وضررهم على أهل الإسلام ، لا يحصيه الرجل الفصيح في الكلام . فعارض هؤلاء قوم إما من النواصب المتعصبين على الحسين وأهل بيته ، وإما من الجهال الذين قابلوا الفاسد بالفاسد ، والكذب بالكذب ، والشر بالشر ، والبدعة بالبدعة ، فوضعوا الأثار في شعائر الفرح والسرور يوم عاشوراء كالاكتحال والاختضاب ، وتوسيع النفقات على العيال ، وطبخ الأطعمة الخارجة عن العادة ، ونحو ذلك مما يفعل في الأعياد والمواسم فصار هؤلاء يتخذون يوم عاشوراء موسما كمواسم الأعياد والأفراح . وأولئك يتخذونه مأتما يقيمون فيه الأحزان والأتراح وكلا الطائفتين مخطئة خارجة عن
السنة ، وإن كان أولئك أسوأ قصدا وأعظم جهلا ، وأظهر ظلما .. ولم يسن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا خلفاؤه الراشدون في يوم عاشوراء شيئا من هذه الأمور ، لا شعائر الحزن والترح ، ولا شعائر السرور والفرح .. وأما سائر الأمور : مثل اتخاذ طعام خارج عن العادة ، إما حبوب وإما غير حبوب أو تجديد لباس وتوسيع نفقة ، أو اشتراء حوائج العام ذلك اليوم ، أو فعل عبادة مختصة . كصلاة مختصة به ، أو قصد الذبح ، أو ادخار لحوم الأضاحي ليطبخ بها الحبوب ، أو الاكتحال والاختضاب ، أو الاغتسال أو التصافح ، أو التزاور أو زيارة المساجد والمشاهد ، ونحو ذلك ، فهذا من البدع المنكرة التي لم يسنها رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا خلفاؤه الراشدون ، ولا استحبها أحد من أئمة المسلمين لا مالك ولا الثوري ، ولا الليث بن سعد ، ولا أبو حنيفة ، ولا الأوزاعي ، ولا الشافعي ، ولا أحمد بن حنبل ، ولا إسحاق بن راهويه ، ولا أمثال هؤلاء من أئمة المسلمين ، وعلماء المسلمين .. [ الفتاوى الكبرى لابن تيمية ] .
وذكر ابن الحاج رحمه الله من بدع عاشوراء تعمد إخراج الزكاة فيه تأخيرا أو تقديما وتخصيصه بذبح الدجاج واستعمال الحناء للنساء [ المدخل ج1 يوم عاشوراء ] .

نسأل الله أن يجعلنا من أهل سنة نبيه الكريم وأن يحيينا على الإسلام ويميتنا على الإيمان وأن يوفقنا لما يحب ويرضى ونسأله أن يعيننا على ذكره وشكره وحسن عبادته وأن يتقبل منا ويجعلنا من المتقين ، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .


المصدر : طريق الإسلام