قبل أن تبدأ بالتسجيل أو المشاركة إطلع أولاً على سياسة وقوانين المنتدى تعرف أكثر على طاقم إدارة المنتدى لـ مقترحاتك - ملاحظاتك - شكواك يمكنك الإتصال بنا مباشرة

العودة   الموقع الرسمي للأستاذ الدكتور إبراهيم المحيسن > منتديات الحوار > منتدى الرؤية الإسلامية للتعليم

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 03-21-2004, 10:01 PM   #1
سُهيلة
عـضـو
 
الصورة الرمزية سُهيلة
 
تاريخ التسجيل: Mar 2004
المشاركات: 26
سُهيلة is on a distinguished road
افتراضي

منهج تربوي فريد في القرآن

بقلم الدكتور محمد سعيد رمضان البوطي
الحمد لله حمداً يوافي نعمه ويكافئ مزيده ، سبحانك اللهم لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك . والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .
* * *
وبعد : فان مناهجنا التربوية التي يؤخذ بها أطفال المدارس عندنا ، لا تزال مزقاً من نظريات أجنبية نقلت إلينا كما هي بعد أن صيغت بلسان عربي مبين أو غير مبين ، دون أن يراعى أثناء نقلها الاختلاف الكبير بين طبيعة النفوس الأجنبية التي صيغت هذه النظريات على قدرها وطبق مزاجها ، وطبيعة النفوس المسلمة التي أشربت فطرة الإسلام ونشأت في كتفه ورعايته ، مهما بلغ تأثيره في المجتمع قوة وضعفاً !.
ومعلوم أن المناهج التربوية كما تؤثر في طريقة التعلم والسلوك ، فإنها تتأثر هي الأخرى ـ عند نشأتها ـ بما هو راسخ في المجتمع من سلوك وفلسفة وطريقة في العلم والفهم . فلا ريب أن هذه المناهج لا تتناسق إلا مع المجتمع الذي نشأت فيه وتفاعلت معه ، ومن الغباء أن نتصور اتساقها مع العقلية أو النفسية التي نشأت تحت إشرافها ، مقياساً صحيحاً لاتساقها مع أي عقلية أو نفسية أخرى غير التي ولدت في ظلها واستمدت منها ضوابطها ومعالمها المنطقية والفكرية .
فالدين ـ مثلاً ـ في المجتمع الأوروبي ، لا ينهض في أسسه وتعاليمه على أكثر من حوافز عاطفية ووجدانية ، ولذلك كانت مناهج التربية الدينية فيه قائمة على أثارات وجدانية مجردة كثيراً ما تكون مجنحة ، أو بعيدة ، عن سلطان الفكر والعقل . ولذلك كان الدين نفسه عند الأوروبيين ظاهرة اجتماعية .
والدين عندنا ـ وهو الإسلام ـ أنما ينهض في جملة عقائده ومبادئه على أسس ومقتضيات عقلية ثابتة ، يستنهض لفهمها المنطق والفكر . فلو استعرت للتربية الدينية عندنا تلك المناهج العاطفية والاجتماعية المجردة ، لباءت بفشل ذريعة ، ولما أورثت أي نتيجة تربوية سليمة . ومعلوم أن البنية العامة ، لمناهج التربية الدينية عندنا ، مأخوذة من تلك الأسس والطرق التربوية المتبعة في الغرب !..
والعقيدة ـ فيما تقضي بة أحدث النظريات الفلسفية والتربوية في الغرب ـ يجب أن تنشأ في ظل الإرادة وتبعاً للرغبة . فالرغبة في شيء ما ( ولا تكون هذه الرغبة الا تبعاً لغرض ) هي التي توجد في العقل حوافز الاعتقاد أو الوجد حسب مقتضيات تلك الرغبة . وعلى المناهج التربوية هناك أن تيسر إلى العقل سبيل هذه الحوافز [1] .
والعقيدة عندنا ، وفيما تمليه علينا حقائق الإسلام نفسه ، يجب أن تكون الأساس المطلق للإرادة والرغبات الإنسانية على اختلافها ، فلا تسير الإرادة ولا تتجه الرغبة إلا تبعاً لما تخطه العقيدة الحرة المطلقة . ولذلك كان عليها أن تنطلق في وجودها من نقطة الصفر أو اللاشيء ـ كما يقرر الغزالي ـ ليس معها إلا عدة من العقل والمنطق المجردين ، شريطة أن تتوفر فيهما مقومات السلامة والكمال . وعلى المناهج التربوية عندنا أن تيسر إلى العقيدة سبيل هذا التحرر المطلق والانعتاق الكلي .
ولكننا على الرغم إن هذا ، إنما نستعير ، لتربية هذه العقيدة السليمة في صدور أطفالنا ، تلك المناهج التربوية التي تتعارض معها بشكل حاد ، والتي أقيمت على أساس يناقضها مناقضة كلية غير قابلة لأي جمع أو توفيق .
والغريب أن أحداً من الذين يهتمون بشؤون التربية عندنا ، لم يلتفت ذات يوم بأي بحث جدي إلى خطورة هذا الاضطراب المشين . ويا ليته كان اضطراباً فقط !.. انه مظهر للفقر المدقع الشديد الذي يفرض على صاحبه أن يستجدي السروال ليجعله غطاء لرأسه ، ويلتقط ربطة العنق ليصوغ منها جورباً لقدميه .
انه مظهر لذل من نوع عجيب يثير في النفس مزيجاً من الاحتقار والإشفاق .
فما هو سره ومنبعه ؟!..
السر يتمثل في هاتين الظاهرتين :
الظاهرة الأولى : أن فن التربية وعلم النفس التربوي ، كلاهما ينهضان اليوم على تجارب ونظريات أجنبي ، لا يشترك معها التفكير الإسلامي ـ أو العربي إن شئت ـ بأي بحث أو نصيب ، اللهم إلا نصيب النقل والترجمة المجردين . فكان لا بد أن تكون عقلية المتخصص بهذا الفن صندوقاً أميناً لرعاية تلك النظريات والتجارب الأجنبية ، وليس هذا فقط ، بل أن تأثر عقليته بها وبقاءه المستمر تحت عبثها وثقلها ، يجعله لا يقنع أو يستشعر وجود أي أصول وأسس تربوية أخرى وراء الدائرة التي استقر فيها وجوده النفسي والعقلي . فهو لذلك لا يفتأ يحاول أن يخضع مجتمعه لمقتضياتها مهما رأى بينهما من التخالف والاضطراب .
الظاهرة الثانية : أن معظم المتخصصين عندنا في التربية وأصولها لم تتفتح عقولهم منذ ان تفتحت الا على نوافذ الثقاة الغربية ، فالدين ،مهما كان له من سلطان عقلي عندنا ، يظل في وهمهم مستنداً إلى تلك المقومات والموازين ذاتها التي يقوم بها الدين في المجتمعات الغربية . والقيم الأخلاقية مهما كانت تنتمي عندنا إلى جذور اعتقاديه أصيلة مرتبطة بحقيقة الكون والإيمان بالمكون ، فإنها تظل في اعتبارهم منبثقة عن تلك النظريات الفلسفية المتطاحنة التي تعود أخيرا إلى مقياس الاعتبار وحده ، وعندما يريدون أن يعبروا عن تلك القداسة التي تتسم بها أخلاقنا الإسلامية والتي تمنحها معنى ذاتياً يعيش في أعماقها ، لا يجدون لذلك تعبيراً أصدق عندهم ـ من كلمة " تقاليد " !.. حيث يحاولون خلق قداسة وهمية كاذبة لهذه الكلمة ، حتى يتم الانسجام بينها وبين تلك الأخلاق .
وهم لو أطالوا إطلالة سليمة كافية ، على الثقافة الإسلامية المتمثلة في كتاب الله تعالى وسنة رسوله ، وفي دراسة واعية للتاريخ الإسلامي ، وحركة الفكر والثقافة الإسلامية ـ لتنبهوا إلى الحاجز الكبير الذي يقوم فاصلاً بين فلسفة القيم عندنا وعند الغربيين ، لأدركوا أن ما فصل من النظريات التربوية هناك لا يمكن أن يصبح ثوباً تلبسه المناهج التربوية هنا ، ولعلموا أن بوسع الباحث التربوي أن يقع على أصول تربوية سليمة أخرى يستقيها من أصول الثقافة الإسلامية وينابيعها الغنية التي من منحت العالم حضارة أصيلة ، سعد بها خلال قرون طويلة من الزمن ، ولدفعهم هذا العلم إلى بحث وتنقيب متواصلين ، ينفذون من ورائهما إلى فن تربوي جديد ذي ذاتية مستقلة عن تلك النظريات والتجارب المستوردة الأخرى ، وذي خصائص وسمات تتفق مع فطرة هذه الأمة وخصائص تكوينها.
فهاتا الظاهرتان هما سر هذه المشكلة ، بل هما سر افتقار الأمة الإسلامية ـ أو حتى العربية أن شئت أن تقول ـ إلى مناهج تربوية أصيلة نابعة من نابعة من تربتها متفقة مع قيمها منسجمة مع أهدافها ومبادئها .
ولو لا هاتان الظاهرتان لكان علينا أن نتساءل باستغراب :
لماذا تفيض المكتبات الإسلامية اليوم بالمؤلفات الحديثة عن إعجاز القرآن وبلاغته وآدابه ، ولا تجد فيها كتاباً واحداً عن طرائفه التربوية ومنهجه في التعليم والإقناع [2] ؟!
ولكن الجواب معلوم . . فان علماء العربية والأدب لم تتهيأ لهم مادة علومهم إلا بفضل القرآن وأسلوبه وتاريخه . فكان لهم من هذه الصلة ما نبههم إلى المزيد من خصائصه اللغوية وسماته البلاغية . أما علماء التربية فإنما تهيأت لهم مادة علومهم في نظريات طائفة من الغربيين وتجاربهم ، ولم يكن دورهم في ذلك إلا دور الناقل والمترجم كما قلنا ، ولكنها في بعض الأحيان ترجمة دقيقة أمينة وفي أحيان أخرى ترجمة مشوهة تصطنع الإبداع وتتكلف إيهام الاختراع . فكان لهم من انقطاعهم عن القرآن وما يزخر بة من أعاجيب الفنون والعلوم ما أبقاهم على حالهم تلك : يستوردون ولا يبدعون ، ويضيئون الشموع الخافتة تحت أنوار الشمس الساطعة !.
* * *
ولقد كان من جليل فضل الله علي ، أن غرس حب كتابه العظيم في شغاف قلبي منذ نعومة أظفاري ، فلقد كنت أهتز طرباً وتأثراً بتلاوته حتى يوم كنت لا أتقن إلا تلاوة ألفاظه ، ولا أدرك من معانيه أو مقاصده إلا الشيء القليل . واليه يرجع الفضل فيما حملته من بضاعته العربية وآدابها أو تذوقته من بلاغتها وفنونها . بل إليه الفضل كله فيما انجذبت إليه نفسي من حب الإقبال على الشريعة وعلومها . ولقد انتهيت إلى يقين لا يطوله الشك بأن خير ما يثبت في النفس عقيدة الإيمان بالله واليوم الآخر إنما هو القرآن ، وخير ما يفسح أمام العقل آفاق العلوم والمعارف الإنسانية هو القرآن ، وخير ما يسكب في القلب برد الطمأنينة والرضا هو القرآن ، وخير لغة تناجي بها مولاك في هدأت الأسحار هي لغة القرآن.
ولما انتسبت إلى قسم التخصص في التربية من كلية اللغة العربية بجامعة الأزهر ، وأخذت أتلقى أصول التربية وعلم النفس التربوي ، رأيت في الطريقة التي كنا ندرس بة هذه العلوم ما يزري بالأزهر وشرفه وتاريخه !.. وتساءلت : أليس في وسع مدرسي جامعة الأزهر أن يعلموا تلاميذهم من مناهج التربية وأصولها إلا طرائق هربرت ، ودلتن ، وجون ديوي ؟!.. وهل ضاق كتاب الله العظيم ، وتاريخ الثقافة الإسلامية كله عن أن يتسع لاستخراج طرق ومناهج لتربية الناشئة المسلمة أكثر صلاحية وفضلاً من هذه التجارب الأجنبية التي نبتت في أرض غير أرضنا وطبقت على عقلية غير عقليتنا وألبست نفوساً لا تتفق مع ما جبلت عليه نفوسنا ؟!..
ومنذ ذلك الحين أخذت أتأمل كتاب الله تعالى بفكر الباحث التربوي ـ وأنا أعلم أن بضاعتي في ذلك مزجاة ـ فقد كنت أعتقد أن هذا الكتاب الذي ربى أجيالاً من البشر ذوي نفوس وعقليات وثقافات وطبائع مختلفة ، حتى صاغها جميعا في نفس إنسانية واحدة ـ هذا الكتاب ينبغي أن يكون مرتكزاً في أصول دعوته وطرائق تربيته على أسس من التربية الرائعة المثلى ، وهي ليست بحاجة في اكتشافها إلا لمن يدرس هذا الكتاب الجليل حق الدراسة التامة الصحيحة في إطار من الضبط والتقعيد .
لقد هداني هذا التأمل ـ على ضعف بضاعتي في التربية وعلومها كما قلت ـ إلى مناهج تربوية فريدة في كتاب الله عز وجل . ولقد رأيت في هذا الكتاب المعجز العجيب من وسائل الاستحواذ على النفس وإيصال الحقائق العلمية إلى العقل ، ما تعنو له جباه أولي الفكر والأبصار .
ولا شك أن ما اهتديت إليه من ذلك ، لا يبلغ أن يكون وشلاً من بحر . فالميدان ليس ميداناً لي ، ولكنه ميدان أولئك الذي انصرفوا باختصاصاتهم العلمية إلى التربية وأصولها . والكتاب الذي أحدث عنه ليس كتاباً كالكتب التي تعلم ، ولكنه بحر زاخر كلما وقفعت منه على بصيرة أو على ، هداك العلم إلى مكامن غزيرة لعلوم عجيبة أخرى !..
ومع ذلك فقد فضلت أن أحتفظ بهذا الوشل اليسير الذي عثرت عليه ، وأن أدونه في هذا الكتيب الصغير ، كي أجعل منه نموذجاً ألفت بة أنظار علماء التربية إلى حيث يكمن هذا المنجم الرائع العظيم !..
عسى أن يندفعوا بسائق الإخلاص لاختصاصهم العلمي ( اذ كانت أفئدتهم قد فرغت من الدوافع الاعتقادية . أو الدينية الأخرى ) فيقبلوا على هذا الكتاب العظيم تلاوة ثم دراسة وعلماء وعساهم يتوقفون بعد ذلك ع هذا اللحاق اللاهث وراء تلك التجارب والنظريات الأجنبية التي عاشوا لا يصوغون واسع اختصاصاتهم العلمية إلا منها أو من تمجيدها وتحليلها ، ليبدعوا لنا من مكنون كتاب الله تعالى أصولاً ومناهج جديدة في هذا الفن ، يكون لهم فيها شرف الإبداع بين شعوبهم ، ويتم لهم عليها الأجر العظيم عند ربهم .
وعسى أن يكون لي معهم بذلك شركة يسيرة في هذا الأجر فقد قال صلى الله عليه وسلم ، فيما رواه مسلم وغيره : " من دل على خير فله مثل أجر فاعله " .

أسس المنهج التربوي في القرآن

تمهيد :
في القرآن منهج تربوي فريد ، وفيه أيضاً مبادئ تربوية فريدة . وبينهما فارق كبير .
أما المنهج التربوي فهو الطريق الذي سلكه القرآن بالمسلم إلى إتباع مبادئه والتمسك بأحكامه . وأما المبادئ التربوية في تلك الأحكام والنظم والقيم التي أرساها ودعا إليها ، مما يقوم على تهذيب الفرد وترقيته في الخلق والسلوك ، كأحكام الحلال الحرام والقيم الأخلاقية المختلفة التي دعا إليها القرآن .
فعندما نقول : " المنهج التربوي " إنما نعني الأسلوب والطريقة ومظاهر الافتتان فيهما ، ولا نعني شيئاً من هذه القيم أو الأحكام بحال .
ثم إنا نقصد المنهج التربوي الذي تمتاز بة صياغة القرآن خاصة ، لا الذي يتسم بة الإسلام عموماً . اذ الإسلام ـ من حيث هو دين ـ يعتبر في مجموعة منهاجاً تربوياً للذات الإنسانية ، المتمثلة في كل من النفس والجسد والعقل ، لتصعيدها إلى مستواها الفطر الأصيل .
ثم إن المنهج القرآني الذي هو موضوع حديثنا في هذه الرسالة ، يتفرع إلى شعب وفروع وأقسام جزئية كثيرة ، يطول بنا الشرح لو دخلنا في تفصيلها وتحليل كل منها .
وإنما نأخذ بالاعتبار أسسه ودعائمه الكلية الكبرى ، وندرس كلا منها دراسة وافية ، تكشف عن مدى أهميتها في نطاق التربية العامة ، وعن مدى حاجة المربين في شتى ميادين التربية للاهتداء بها والاعتماد عليها .
وسيقودنا التنبه إلى هذه الأسس الهامة ، إلى متابعة الدراسة والبحث ، ثم إلى استخلاص قيم منهجية جديدة رائعة فيه ، كان ينبغي لعلماء التربية أن يتنبهوا إليها ، منذ أن نالت ما نالته من الأهمية على صعيد التربية والتعليم بشتى أنواعهما ومراحلهما .
فهذا هو الذي نقصده بدراسة " المنهج التربوي في القرآن " في هذه العجالة الصغيرة .
وبناء على ذلك ، فان الأسس التي يقوم عليها المنهج القرآني في التربية لا يتجاوز الأسس الثلاثة التالية :
1 ـ المحاكمة العقلية .
2 ـ العبرة والتاريخ .
3 ـ الإثارة الوجدانية .
وجميع ما قد تراه في القرآن من الأساليب التربوية ـ على اختلافها ـ إنما ينبثق عن واحد من هذه الأسس الثلاثة ، ويدور على محوره ، ويسير وفق مقتضياته .
وهي أسس منفصلة عن بعضها ، ولكنها تشكل في مجموعها السلم الذي لا بد منه لترقية النفس والعقل صعداً إلى المستوى العلوي الكريم الذي تظل الفطر الإنسانية الأصيلة نزاعة إليه.
فالعقل وحده لا يكتسب ثقة النفس ما لم يدعمه شاهد من الواقع الذي يصدقه وذلك هو التاريخ بأحداثه وعبره . وهو حتى بعد أن ينال من النفس هذه الثقة لا يستحوذ عليها بالقيادة والتوجيه ، ما لم يجند له جيش من العواطف والأشواق ، وتلك هي الإثارة الوجدانية .
فإذا تضافرت هذه العوامل الثلاثة في ذات الإنسان ، واتجهت بة إلى سبيل ما ، لم يقم أمامها أي عائق ، ولم يحجزها عن الوصول إلى الغاية أي حاجز .
وما تخلف إنسان عن الاصطباغ بحقيقة ما وحيل دون التشبث التام بها ، إلا لأن بعض هذه العوامل لم يعمل عمله المطلوب في خدمة هذه الحقيقة والكشف عنها وتيسير السبيل إليها .
فلننظر اذاً ، كيف يسخر القرآن كلا من هذه الأسس أو العوامل الثلاثة في سبيل تربية الإنسان وسوقه في طريق السعادة والرشاد .

المحاكمة العقلية

تتألف بنية " المحاكمة العقلية " في القرآن ، من ثلاثة جوانب :
الأول : تعريف الإنسان بذاته .
الثاني : اختيار أسلوب صالح لمدارك جميع الناس .
الثالث : الاعتماد على المناقشة والحوار .
فلنحلل كلا من هذه الجوانب الثلاثة على حدة .
* * *
الجانب الأول : تعريف الإنسان بذاته قبل كل شيء . فقد بدأ القرآن خطابه إلى الناس بتوجيههم إلى النظر والتأمل نشأته وتكاثره .
تجد ذلك واضحاً في أول الآيات القرآنية نزولاً ، كما تجده في أولى صفحات القرآن كتابة وترتيباً . فقد كانت أولى الآيات القرآنية نزولاً ، تعريفاً بالإنسان وجوهره ،وهي قوله تعالى : ( اقرأ باسم ربك الذي خلق ، خلق الإنسان من علق ، اقرأ وربك الأكرم الذي علم بالقلم ، علم الإنسان ما لم يعلم ) فأنت ثرى أن الله عز وجل لم ينبه الإنسان إلى ربوبية الله وحدانيته إلا من حيث أرشده إلى ذاته وأصل تكوينه ونشأته .
وكانت الصفحات الأولى من سورة البقرة ـ وهي أول القرآن ترتيباً ـ تعريفاً بأصناف الإنسان في هذه الحياة الدنيا ، من مؤمنين وجاحدين ومنافقين ، ثم تنبيهاً إلى قصة نشأته ، وتكاثره ، ومصيره .
ثم أنه يكرر التنبيه إلى هذه القصة ، كلما دعت الحاجة ، أي كلما اقتضى الأمر تنبيهه إلى شيء من دلائل الكون أو وقائع الأمم ، برهاناً على وجود الخالق عز وجل ، وعلى وحانيته ، وعلى اليوم الآخر وما يتعلق بة من أمور وأحداث .
ولهذه البداءة التمهيدية أهمية تربوية كبرى . ذلك لأن جميع المعارف التي يكتسبها الإنسان إنما هي فرغ لمعرفة سابقة ، هي معرفته لذاته . وبدون أن تتوفر هذه المعرفة الأولى لا يمكن أن يحرز الإنسان أي ميزان سليم للمعارف الفرعية الأخرى . فلو لا إيمانك بالقلب ووظيفته ، ما آمنت بشيء من مقولاته وأحكامه ، ولو لا معرفتك لتركيبك النفسي والجسمي ، لما عرفت شيئاً من حقائق الكون التي تطرف من حولك ، ولما أدركت أي علاقة مما بينك وبينها . وهكذا . . . فبمقدار ما تكون معرفتك لذاتك دقيقة وسليمة ، فان معرفتك لحقائق الكون ووظائفه تكون دقيقة وسليمة .
وبالمقابل ، فان الذي لم يتوفر بعد على معرفة دقيقة لذاته وحدود إمكاناته ، لا يمكنه أن يتوفر على معرفة إلوهية الله له ، ولا على عقيدة صحيحة عن قصة هذا الكون ومجراه ونهايته ، ذلك لأن ثقة الباحث بنفسه وذاته تعتبر ينبوع ثقته وإيمانه بما تقدم له هذه الذات من نظريات وأحكام . فإذا فقد الباحث هذه الثقة بنفسه وعقله ، أو كانت على وجه خادع غير سليم ، فقد الثقة أيضاً بكل ما قد توحي إليه بة نفسه من معارف ومعلومات ، أو تقبلها مغلوظة خادعة لا تعتمد على أساس صادق وسليم .
وانظرا ! . . فانه ما جحد الجاحدون بالله ، ولا أقاموا لأنفسهم عروش الربوبية الزائفة في الأرض ، إلا لأن أعينهم ظلت تزيغ فيما حولهم ، دون أن تصحو ساعة واحدة للتأمل والنظر ـ بصدق ـ في أنفسهم .
فمن أجل هذه الحقيقة ومدى أهميتها ، يبدأ القرآن في محاكمته العقلية للمنكرين بلفت أنظارهم إلى أنفسهم والى قصة وجودهم ، حتى إذا استرعى أذهانهم ذلك ، أخذ يحدثهم عن وجود الله ووحدانيته وعبودية الإنسان له .
تأمل هذه الظاهرة في الآيات التالية :
( فلينظر الإنسان مم خلق خلق من ماء دافق يخرج من الصلب والترائب ، انه على رجعه لقادر ) ( الطارق : 4 . 7 )
( يا أيها الناس إن كنتم في ريب من البعث فاناً خلقناكم من تراب ثم من نطفة ، ثم من علقة ، ثم من مضغة مخلقة وغير مخلقة لنبين لكم ، ونقر في الأرحام ما نشاء إلى أجل مسمى ، ثم نخرجكم طفلاً ، ثم لتبلغوا أشدكم ، ومنكم من يتوفى ومنكم من يرد إلى أرذل العمر ، لكي لا يعلم من بعد علم شيئاً . . ) ( الحج : 5 ) .
( ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين ، ثم جعلناه نطفة في قرار مكي ، ثم خلقنا النطفة علقة ، فخلقنا العلقة مضغة ، فخلقنا المضغة عظاماً ، فكسونا العظام لحماً ، ثم أنشأناه خلقاً آخر ، فتبارك الله أحسن الخالقين ) ( المؤمنون : 12 و 3 ).
فأنت اذا تأملت هذه الآيات وأمثالها ، وجدتها تأتي في معرض التنبيه إلى حقيقة هذا الكون ، وانسياقه في خضوع ونظام لتدبير آله واحد يعنو له العام كله بالدينونة والخضوع . فهي تأتي تمهيداً بين يدي كشف هذه الحقيقة أمام العقل الإنساني .
وأنت إذا تأملت ، وجدت أن القرآن لا يحفل بتحليل شيء من مظاهر الكون بتفصيل ودقة واهتمام ، ولا يتحدث بأساليب مختلفة عن نشأته وكيفية تطوره ـ كما يفعل ذلك عند حديثه عن الإنسان .
وحكمة ذلك أن تعريف الإنسان بحقيقته وأصل نشأته ، هو السبيل التربوي الذي لا بديل عنه ، لإقناع عقله بالحقيقة التي ترتكز عليها نشأة هذا الوجود من حيث هو .
* * *
الجانب الثاني : اختيار أسلوب صالح لجميع الناس على اختلاف بيئاتهم وثقافاتهم وأزمانهم . فليس من سبيل لشد الناس إلى المبدأ المطلوب ، إذا كان أسلوب الدعوة والتعليم صالحاً لفئة منهم دون أخرى .
وانه لأشق شرط من شرائط المنهج التربوي الذي يراد سلوكه مع جمهرة مختلطة من الناس ، وما يخفق أكثر الدعاة ـ من ناحية المنهج والأسلوب ـ إلا لعدم سيطرتهم على طريقة من القول والبيان تأتي على قدر إفهام جميع السامعين أو المتعلمين .
ولذلك فقد تمثل في هذا الجانب أعظم مظهر من مظاهر القرن !.. اذ جاءت صياغة هذا الكتاب العجيب على قدر الطاقة الإدراكية ، لدى كل طائفة منهم ، دون أن يتسبب عن ذلك أي خلل في الإفهام ولا أي تضارب بين المفاهيم .
ولسنا نعني بهذا أنهم جميعا يستطيعون ـ إذا أرادوا ـ فهمه بدون تبصير ولا تعليم ، بل القدر المشترك من معرفة القواعد اللغوية والأساليب العربية شيء لا بد منه . ولكن الناس جميعا يتساوون في فهم ما يفيدهم من القرآن على اختلاف ثقافتهم ، بعد اجتياز هذا القدر المشترك الذي لا بد منه من المعرفة والتعلم .
انظر إلى قوله تعالى ، وهو يلفت أنظار الناس إلى روع الإبداع الآلهي في خلق الكون وتنظيمه :
( ألم نجعل الأرض كفاتاً ، أحياء وأمواتاً وجعلنا فيها رواسي شامخات ) ( المرسلات : 25 ـ 27 ) .
وتأمل في بكلمة " كفاتاً " التي هي بمعنى الجذب والضم ، وعليه قول الشاعر :
كرام حين تنكفت الأفاعي
إلى أحجارهن من الصقيع
لقد جاء وصف الأرض بهذه الكلمة على قدر ما يمكن أن يفهمه الأعرابي في البادية . فقد أدرك منها أن الأرض له كالوعاء تحفظ ما فيها وتحميها وتحرسها ، وهو إدراك صحيح ، فان الأرض كذلك . ثم جاء هذا الوصف ذاته على قد فهم المختصين المتعمقين في دراسات الأرض والأفلاك ، حتى فهم من ذلك ثابت بن قرة ( 221 ـ 228 ) أن الإنسان إنما يستقر على الأرض بقوة خفية تجذبه إليها [3] وإلا لما أمكنه الاستقرار من فوقها ، وهو نفس القوة التي تسمى اليوم بالجاذبية . وليس من كلمة تستوعب سلم هذه المعاني التي تبدأ بفهم الإعرابي في البادية ، وتنتهي بما يفهمه علماء هذا العصر ، كما تستوعبه كلمة " كفأتا" !!..
وانظر إلى قوله تعالى وهو يلفت النظر إلى جانب آخر من صفة الأرض أيضاً :
( والأرض بعد ذلك دحاها ، أخرج منها ماءها ومرعها ) .
فان كلمة " دحاها " تأتي في العربية بمعنى بسط ، وبمعنى عظم ، وبمعنى دور أو كور ، كما نص على ذلك في شرح القاموس المحيط . وكلها معان صادقة منطبقة على الأرض ، فهي منبسطة وعظيمة ومكورة ، فأما الإعرابي الذي يعيش في البادية فيفهم منها الأول والثاني ، وأما الفلكي المتعمق فيفهم منها المعاني الثلاثة ، وليس بينها أي تضارب كما هو واضح [4] .
وانظر إلى قوله تعالى ، وهو يلفت النظر إلى النار وفوائدها في حياة الإنسان :
( أفرا يتم النار التي تورون ، أأنتم أنشأتم شجرتها أم نحن المنشئون ، نحن جعلناها تذكرة ومتاعاً للمقوين ) ( الواقعة : 70 ـ 73 ) .
فان " مقين " التي هي جمع مقو تأتي بمعنى النازل في القواء ، أي الصحراء ، وتأتي بمعنى الجائع ، وتأتي بمعنى المستمتع . وقد ورد بالمعنى الأول قول الشاعر :
واني لأختار القوي طاوي الحشا
محاذرة من أن يقال لئيم
فأما الأعرابي الذي يعيش في البيداء فيتبادر إلى ذهنه المعنى الأول ، ذلك أن النار تعتبر متعة كبرى للمقيمين في الصحراء ، اذ بها تتعارف منازلهم ، ويضيئون ما حولهم . ومن حولها يتكامل ناديهم . وأما الرجل العادي من أهل المدينة فيتبادر إلى فكره المعنى الثاني ، اذ أن أعظم فوائدها عندهم يتمثل في كونها وسيلة لا بد منها لإنضاج الطعام وتحضيره ، فهي متاع ضروري هام للمقوين أي الجائعين . وأما المعنى الثالث فهو عبارة عن بطاقة مفتوحة مع تطورات العصور والأزمنة ، فما من لون من ألوان المتعة والفائدة التي تهتدي إليها المدنية أو العلم من النار وخصائصها إلا ويستوعبه قوله تعالى في وصفها : ( متاعاً للمقوين ) وهذا المعنى الثالث مما يمكن أن يفهمه الرجل العصري للآية دون أي تكلف في فهمها ولا تأويل .
وانظر إلى قوله عز وجل وهو يصف الشمس والقمر بأبرز يختص بة كل منهما :
( تبارك الذي جعل في السماء بروجاً وجعل فيها سراجاً وقمراً منيراً ) ( الفرقان : 61 ) .
والى قوه أيضاً في الموضوع نفسه :
( ألم تروا كيف خلق الله سبع سموات طباقاً وجعل القمر فيهن نوراً وجعل الشمس سراجاً ) ( نوح : 16 ) .
والى قوله أيضاً فيهما :
( هو الذي جعل الشمس ضياء والقمر نوراً . . ) ( يونس : 5 ) .
فأنت ترى أنه وصف الشمس في الآيات الثلاث بكونها سراجاً أو ضياءً ، والقمر بكونه وراً أو منيراً وهو وصف دقيق ينطوي على معان مختلفة تتوزع على أصناف الناس حسب ثقافاتهم ،ومدى امكان الفهم لديهم ، وهي جميعها معان ثابتة لكل منهما .
فأما الأعراب من الناس فيفهمون من هذين الوصفين أوسع قدر مشترك بينهما وهو الضياء المطلق . اذ السراج والنور يلتقيان على هذا المعنى المشترك العام .
وأما عامة المثقفين من الناس فيدركون من هذين الوصفين ـ بالإضافة المعنى المشترك بينهما ـ أن الشمس تنفث مع الضياء حرارة أيضاً ، وأن القمر يعطي ضياء لا حرارة فيه . اذ الشيء لا يطلق عليه اسم السراج إلا إذا كان بشع بالحرارة .
وأما علماء الفلك أو عامة المدركين لطبيعة كل من الشمس والقمر ، فيفهمون من هدين الوصفين ـ إذا كانوا على علم باللغة العربية وفقهها ـ أن الآية ناطقة بأن ضياء الشمس يسطع من داخلها وضياء القمر ينعكس إليه من جرم آخر مقابل له . لأن ذلك هو الفرق اللغوي الدقيق بين الكلمتين . فأنت تصف الغرفة بأنها منيرة أو مضيئة ولا تصفها بأنها سراج ، اذ أن ضياء الغرفة إنما ينعكس إليها من المصباح المضيء في داخلها ، والسراج إنما ينبثق ضياؤه من داخله .
وقد قال البيضاوي في تفسير قوله تعالى هو الذي جعل الشمس ضياء القمر نوراً ـ بعد أ بين وصف كل من الشمس والقمر ـ : ( وقد نبه سبحانه وتعالى بذلك على أنه خلق الشمس نيرة في ذاتها والقمر نيراً بعرض مقابلة الشمس والاكتساب منها ) [5].
والشواهد على هذا الجانب التربوي العجيب في كتاب الله تعالى كثيرة جداً ، ومن المفيد أن نسوق عليه مزيداً من الأمثلة ، لو لا أنه يخرجنا عن نطاق الموضوع الذي التزمنا الانضباط بة .
وعلى كل فحسبك أن تعلم بأن القرآن اذ يحاكم العقول إلى حقائق الكون أو وقائع الأمور فإنما يختار أسلوباً وصياغة وألفاظاً تتفق مع قدرات هذه العقول وإمكاناتها في الإحاطة والفهم ، دون أن ينشأ عن ذلك أي تضارب في المفهوم أو المعاني المختلفة .
* * *
ومن مقتضيات هذه الحكمة التربوية ، أن الصياغة القرآنية جاءت ـ فيما يتعلق بالمعلومات الكونية ـ بعيدة عن التعبيرات العلمية الضيقة ، اذ لو لا ذلك لكان خطاب القرآن غير صالح إلا لفئة قليلة من الناس .
ومن مقتضياتها أيضاً أن الصياغة القرآنية جاءت في هذه الأبحاث ذاتها مثيرة للنظر والبحث ، أكثر من أن تلزم الناس بالإيمان بها بمجرد اخباراته الغيبية عنها . اذ لو قامت صياغتها على هذا الإلزام ، لكان مقتضاه وجوب التصديق بهذه القضايا العلمية ، طبقاً لما أخبر بة القرآن ، أي دون الاعتماد في شيء من ذلك على وسائل التجربة والمشاهدة التي هي الوسائل الطبيعية الأصلية للوصول إلى حقائق علمية عن الكون ،وقد كرم الله لعقل البشري عن ذلك . ولذلك تراه يقول :
( قل انظروا ماذا في السموات والأرض .. ) ( يونس : 101 ) .
( وفي أنفسكم أفلا تبصرون ) ( الذاريات : 21 ) .
( أن في اختلاف الليل والنهار وما خلق الله في السموات والأرض لآيات لقوم يتقون ) ( يونس : 6 ) .
( قل سيروا في الأرض فانظروا كيف بدأ الخلق ثم الله ينشئ النشأة الآخرة ) ( العنكبوت : 20 ) .
وعندما تزداد الآيات القرآنية قرباً إلى البحث في حقائق العلوم ودقائق الكون ، لا تزيد على أن تقرر مبدأ التناسق ودقة النظام والتدبير في أجزائه وتكوينها ، أو أن تصف منها المظاهر السطحية البارزة التي تخضع لإحدى حواس النظر أو السمع أو اللمس ، أو أن تربط بينها وبين أسباب حياة الإنسان وتوضح مدى أهميتها لاستجابة حاجاته ومدى تطابقها لطبيعة حياته .
فهو يقول مثلاً :
( وخلق كل شيء فقدره تقديراً ) ( الفرقان : 2 ) .
( إنا كل شيء خلقناه بقدر ) ( القمر : 49 ) .
( أن من شيء إلا عندنا خزائنه وما ننزله إلا بقدر معلوم ) ( الحجر : 31 ) .
( قال ربنا الذين أعطى كل شيء خلقه ثم هدى ) ( طه : 50 ) ويقول عندنا يصف أو يحلل :
( وأرسلنا الرياح لواقح فأنزلنا من السماء ما فأسقيناكموه وما أنتم له بخازنين ) ( الحجر : 22 ) .
( الله الذي رفع السموات بغير عمد ترونها ، ثم استوى على العرش وسخر الشمس والقمر ، كل يجري لأجل مسمى ، يدبر الأمر يفصل الآيات لعلكم بلقاء ربكم توقنون . وهو الذي مد الأرض وجعل فيها رواسي وأنهاراً ومن كل الثمرات جعل فيها زوجين أثنين ، يغشي الليل النهار إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون ) ( الرعد : 2 ـ 3 ) .
أما أن تتجاوز الآيات ذلك كله إلى التحليل العلمي للأشياء وبيان كيفية تركيبها وتآلف أجزائها ، فذلك ما لا تعثر عليه في كتاب الله تعالى ، إلا أن يأتي شيء من ذلك في سياق بحث تاريخي يراد بة بيان أحداث وقعت وبين كيفية وقوعها .
والحكمة التربوية من ذلك أن لا يحمل العقل حملا على أن يستيقن حقائق علمية تتعلق بأمور حسية ، عن طريق اخبارات غيبية ،ودون الاعتماد على منهاج النظر والحس أو التجربة والمشاهدة . اذ هو ـ جل جلاله ـ لو شرح لك معنى قوله ( مد الأرض ) أو ( يغشي الليل والنهار ) شرحا علمياً دقيقاً ، لألزمك الاعتقاد بمضمون ذلك الشرح ، غيباً ، قبل أن تكشفه بوسائل بحثك ونظرك . وقد كرم الله جل جلاله العقل الإنساني ـ كما قلنا ـ عن مثل هذه الالزامات الغيبية ، في أمور تتوافر إليها سبل النظر والحس .
وأنت تعلم أن من أعظم الأخطاء التربوية ، أن يكون أمام تلميذك سبيل طبيعي مباشر إلى لمس الحقيقة العلمية بجهده الحسي ، ثم تثنيه عنها بما تفرض عليه من الفهم من مركز السيطرة والإجبار .
وليس لك أن تقول : فلماذا أخبرنا الله بدقة عن كثير من الغيبيات التي لم نرها ولم نحس بها كالملائكة الجان وصفاتهم والجنة والنار وأحوالهما ، حتى اقتضانا ذلك أن نؤمن بذلك كله طبقاً لما أخبر ، ودون الاعتماد في شيء منه على مداركنا وإحساساتنا ؟
أجل . . ليس ذلك أن تقول هذا ، لأن هذه الأمور التي أخبر عنها ووصفها على وجه الدقة ، لا دخل لها بالقضايا المحسوسة الواقعة تحت مجهر التجربة والمشاهدة . فليس لك من سبيل إلى العلم بها إلا سبيل الإخبار القطعي ممن لا خلف ولا كذب في إخباره . ولو أنه جل جلاله لفت نظرك إلى البحث في الملائكة ودفعك إلى إدراك حقيقتهم ، لما أوصلك النظر والفكر إلى شيء مهما طال بك النظر البحث ، لأنك لا تملك من وسائل إحساسك ومشاهدتك ما يوصلك إلى أي علم عنهم ، فكان لا بد من الاعتماد فيه على الخبر الصادق المجرد .
* * *
الجانب الثالث : الاعتماد عل المناقشة والحوار . وللقرآن في ذلك أسلوب رائع عجي ، فهو اذ يناقش ويحاور ، يثير النظر إلى الأدلة ويعرض لها ويدع ثمارها ونتائجها مكشوفة في تضاعيف الكلام ، دون أي نص على هذه النتائج ، بل يترك الربط والاستنتاج للسامع المتأمل !..
وتلك هي فائدة الأسلوب الحواري القائم على السؤال والنقاش. فالغرض منه سوق التلميذ في الطريق العلمي المطلوب بالسرعة ذاتها التي يسير بها المربي أو المعلم . اذ أن من أخطر آفات السرد والإلقاء المجرد ، أن يسير المعلم في إلقائه وسرده أشواطاً إلى النتيجة العلمية المطلوبة بينما لا يزال السامع واقفاً حيث هو ، أو يسير متخلفاً عنه في متاهات متعثرة لا تفيد علماً ولا تكسب فهماً . وعندما يكون النقاش والحار قائمين على هذا الغرض ، فان تصريح المناقش المربي بنتائج الأدلة وثمراتها ( أثناء النقاش ) يذهب يجدوا عمله التربوي كله .
وربما جاء الأسلوب الحواري لتحقيق فائدة أخرى ، هي الكشف عن عناد المعاند ، ومعرفته للحق الذي يتظاهر بجهله . فان المناقشة تحركه وتلجئه الجاءاً إلى الكشف عن خبيئة أمره وباطن ما في نفسه ، ولا يتحقق هذا الغرض أيضاً إلا بإثارة النظر في الأدلة واعتصارها عن طريق النقاش والحوار ، حتى تتبدى من خلالها النتائج دون أي نص عليها من المربي المناقش .
انظر إلى هذه الآيات التي جاءت في أواخر سورة النمل :
( قل الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى ، الله خير أم ما يشركون . أمن خلق السموات والأرض وأنزل لكم من السماء ماء فأنبتنا بة حدائق ذات بهجة ما كان لكم أن تنبتوا شجرها ، أله مع الله ، بل هم قوم يعدلون . أمن جعل الأرض قراراً وجعل خلالها أنهاراً وجعل لها رواسي وجعل بين البحرين حاجزاً ، أله مع الله ، بل أكثرهم لا يعلمون ، أمن يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء ويجعلكم خلفاء الأرض ، أله مع الله ، قليلاً ما تذكرون . أمن يهديك في ظلمات البر والبحر ومن يرسل الرياح بشراً بين يدي رحمته أآله مع الله ، تعالى الله عما يشركون . أمن يبدأ الخلق ثم يعيده ومن يرزقكم من السماء والأرض ، أإله مع الله ، قل هاتوا برهانكم أن كنتم صادقين ) ( النمل : 58 ـ 64 ) .
انه أسلوب حواري كما ترى ، يقوم على إثارة الأسئلة المنبهة للعقل والمحركة للفكر ، ولا تجد أي جواب صريح على سؤال منها ، وإنما تجد بدلاً من الجواب لفت النظر إلى حيث يتسنى للفكر أن يدرك الجواب الصحيح ويتنبه له .
انه يسأل ، ويلح في السؤال وطلب الجواب . . ولكنه سرعان ما يضرب عن السؤال وطلب الجواب معاً ليلفت النظر إلى أساس المشكلة في الأمر : أنهم يعدلون بالله غيره سلفاً ، وإنهم لا يريدون أن يعلموا شيئاً عن حقائق الكون وما فيه من طوايا الأدلة الرهيبة على وجود الله ووحدانيته ، وإنهم لا يريدون أن يتذكروا نشأتهم الأولى وتدرجهم في الخلق . ولو أنهم تذكروا . . وعلموا . . وأنصفوا . . لعلموا الجواب على كل هذه الأسئلة ، ولأقروا مؤمنين صاغرين .
ويأتي قوله تعالى : ( بل هم قول يعدلون ) . . الخ ، بدلاً عن الجواب الذي كان منتظراً منهم ، فالعذر في سكوتهم عن الإجابة على السؤال الأول المتعلق بخالق السموات والأرض ومنزل المطر من السحاب أنهم يعدلون بالله عز وجل غيره من المخلوقات ، والعذر في سكوتهم عن الإجابة على السؤال المتعلق بجاعل الأرض قراراً وخالق الجبار رواسي في أنحائها أنهم لا يحاولون أن يعلموا شيئاً من دقائق الكون وخفاياه . والعذر في سكوتهم عن الإجابة على السؤال المتعلق بمن يجيب المضطر عندما يتجه إليه مخلصاً في الضراعة والدعاء أنهم قلما يتذكرون مثل هذه الساعات التي تمر في حياتهم . . . وهكذا .
إن هذا الأسلوب الحواري يكشف عن عناد المشركين ، ثم يزحزحهم عن مواقفهم العنا دية هذه ، ويضعف فيهم طاقة التشكيك والتجاهل !.. وبذلك يكونون مادة تربية لغيرهم إن أصروا على كفرهم مع ذلك ، أو يكون هذا الحار مادة تربية لهم أنفسهم إذا تنبهوا إلى دلائل الإيمان وضرورة الإنصاف .
وانظر أيضاً إلى قوله تعالى وهو يناقش الكافرين في مكان آخر :
( أم يقولون تقوله ، بل لا يؤمنون . فليأتوا بحديث مثله إن كانوا صادقين . أم خلقوا من غير شيء أم هم الخالقون ، أم خلقوا السموات والأرض بل لا يوقنون ، أم عندهم زائن ربك أم هم المسيطرون ، أم لهم سلم يستمعون فيه فليأت مستمعهم بسلطان مبين ) ( الطور : 33 ـ 38 ) .
لقد عرض في هذه الآيات وما يليها إلى الاحتمالات المتصورة في سبب جحود الكافرين ، فرد كل منها بأسلوب فريد !..لم ينف الاحتمالات بعبارات سلبية جازمة ، فمثل هذا النفي لا يفيد المخاصم أكثر من أن يزيده صلابة وعناداً ، ولكنه ناقشها بما يكشف عن زيفها ، وترك التصريح بالزيف لعقل السامع وفكره . وضمن مناقشة كل احتمال من هذه الاحتمالات ، قاعدة من القواعد المنطقية التي يهتدي بها العقل إلى الحقيقة ويميزها عن ملابساتها ، ولكنه لم يقم دعائم النقاش على القاعدة بصياغتها القانونية كما هي العادة ، وإنما أقامها على روحها وعلى ذويها الفكري الذي تتفهمه سائر العقول .
أن الاحتمال الأول هو أن يكون رسول الله صلى الله عليه وسلم قد تقول عل الله هذا القرآن ، وإذاً فمن اليسير عليهم أن يفعلوا مثله ، فليتقولوا هم أيضاً على الله قرآناً في مثل بلاغته وأسلوبه فان هم فعلوا ذلك أمكن لدعواهم أن تكون صحيحة .
والاحتمال الثاني أن يكونوا عند أنفسهم مخلوقين بغير خالق ، فهم ظهروا في الوجود هكذا بدون شيء !. . وإثارة هذا الاحتمال بهذا الأسلوب القرآني تلفت النظر بطريقة مشفقة ساخرة إلى ما يوجد في تضاعيفه من دعوى رجحان الشيء بدون مرجح ،وهي من أبرز صور المحالات التي يجمع كاف العقلاء على امتناعها ز إذا لا يمكن لأمر ما أن يطرأ عليه الوجود بعد انعدام إلا لسبب رجح فيه هذا الطروء ، وبدون هذا السبب لا يتحول المعدوم عن حاله إطلاقا ، لأن الأصل بقاء ما كان على ما كان عليه .
والاحتمال الثالث أن يكونوا ـ في وهم أنفسهم ـ هم الذين تولوا إيجاد أنفسهم . وإثارة هذا احتمال ، بالأسلوب الذين تراه ، تلفت النظر بطريقة ساخرة أيضاً ، إلى ما يوجد في تضاعيفه من دعوى صحة الدور الذي هو أيضاً من أبرز صور الحالات عند جميع العقلاء . والدور هو أن يتوقف الشيء في وجوده على نفسه بحيث يكون هو العلة والمعلول بآن واحد! . . وهو كما ترى أمر ظاهر البطلان [6] .
فانظر كيف حاكم الأسلوب الحواري في القرآن جماعة الكافرين ، إلى قانون بطلان الدور وبطلان الرجحان بدون مرجح ، ليسقط بذلك دعواهم !.. فعل ذلك كله بدون أن يسلك بهم أي مسلك تعليمي أو أن يلقنهم علم أي مجهول أو يلزمهم بأي نتيجة أو قرار . وإنما أثار أفكارهم إلى موازين المنطق والعلم ، وتركهم بين ذلك كله ، وقد لبسوا زي الجهل أو التجاهل والتعامي .
وابرز ما يلفت النظر في ذلك أنه اعتمد في نقاشه على محور القواعد المنطقية والفكرية ، دون أن يتقيد بصياغاتها واصطلاحاتها المعروفة ، حتى لا تفوت فائدة المعرفة والفهم على أي فئة من الناس مهما كانت ثقافاتهم وعلومهم ، ما داموا ينزعون إلى قدر مشترك من التأمل وحرية النظر والفكر .
ثم تأمل في هذا النموذج الآخر :
( أفرأيتم ما تحرثون ، أأنتم تزرعونه أم نحن الزارعون ، لو نشاء لجعلنا حطاماً فظللتم تفكهون ، أنا لمغرمون بل نحن محرومون . أفرأيتم الماء الذي تشربون ، أأنتم أنزلتموه من المزن أم نحن المنزلون ، لو نشاء جعلناه أجاجاً فلو لا تشكرون . أفرأيتم النار التي تورون ، أأنتم أنشأتم شجرتها . أم نحن المنشئون ، نحن جعلناها تذكرة ومتاعاً للمقوين) ( الواقعة : 63 ـ 73 ) .
انه نقاش آخر يستهدف الوصول بالسامعين إلى اليقين بوجود الله ووحدانيته ، عن طريق لفت النظر والفكر إلى بعض مظاهر الكون . فما السبيل الذي يسوقهم منه إلى هذا اليقين ؟.
انه سبيل الكشف عن قيام كافة هذه المخلوقات على أساس " العلة الغائية " أي على محور من القصد الذي ينسجم مع طبيعة الإنسان وحاجاته ، وإذاً فلا يمكن أن يفسر وجود شيء من هذه المخلوقات على أنه مصادفة.
إلا أن النقاش القرآني لم يعتمد في بيان هذه الحقيقة على شيء من الصياغة العلمية والألفاظ الاصطلاحية التي استعملناها نحن الآن ،وإنما سار بالعقل إليها من خلال حوار مبسط يستثير الفكر إلى أقصى ما قد تصل إليه القاعدة العلمية بصياغتها وألفاظها الاصطلاحية ، ولا يحتاج هذا الفكر لذلك إلى شيء من الأسس أو الاصطلاحات أو القواعد العلمية السابقة ، بل تغنيه عن ذلك الفطرة المتأملة الصادفة .
فهو يلفت النظر إلى الزرع الذي يخضر بة وجه الأرض ، ولا يلبث أن يعطي الإنسان من ذاته أهم ما يتقوت بة من أسباب الحياة ، ثم يسأل : أفأنت أيها الإنسان تستخرج هذا الزرع من باطن الأرض بما قد تظنه شأناً من شؤون الطبيعة وضروراتها ؟.. لو شئنا لأرغمنا هذه الطبيعة على أن تحيل زرعكم هذا إلى هشيم محطم ، وهيهات للطبيعة أن تدرك اذ ذاك قصداً أو تهدف إلى غاية حتى تحبس نفسها على ما بة حياتكم وصلاح أمركم.
ثم يلفت النظر إلى الماء الذي هو أصل حياة الإنسان ويسأل الجاحدين :
أأنتم اعتصرتموه من السحاب وأخضعتم البخار المنعقد ما بين سطح البحار وجو السماء لقانون الأمطار ، فهي ضرورة أخرى من ضرورات الطبيعة لا مناص منها لا فضل لأحد فيها ؟..
لو شئنا لجعلناه مراً شديد المرارة ، أو ملحاً شديد الملوحة يحرق الفم الذي يشربه والأرض التي يصيبها ، فما انتفعتم منه بزرع لا شراب ، ولن تملك طبيعة البحر ولا البخار ولا قوانين الرطوبة والأمطار أن تغير اذ ذاك شيئاً مما أردناه.
ثم يلفت النظر إلى عنصر النار والشجر العجيب الذي يتكون منه الزناد ، وهو شجر المرخ والعفار ، ويسأل : أأنتم الذين اتفقتم مع الطبيعة على إنشاء هذا الشجر واستيداع هذا العنصر فيه ؟.. لو كان الأمر إلى الطبيعة لكانت النار ذات نتيجة عمياء ليس لها مع حياتكم أي انتظام وانسجام . ولا تملكون معها حينئذ أي حيلة أو سبيل للانسجام والإخضاع !.. ولن أفلا ترون أنا جعلناها متعة لحياتكم مهما اختلفت أطوارها وترقت أسبابها ، وسبيلاً لرزقكم مهما تنقل من طور البداءة إلى التعقيد !..
فمبنى النقاش ـ كما ترى ـ وعلفت النظر إلى أنه ليس حتماً أن تكون مظاهر الكون من حولنا على الحالة التي هي عليها الآن مما هو متفق مع حاجاتنا وأسباب حياتنا . بل كان من اليسير جداً أن لا تكون على ما هي عليه وأن لا تكون متفقة مع شيء من أضاعنا المعيشية . ولم يكن للطبيعة ولا لغيرها أن تقف في وجه ذلك الاحتمال .
ولكن مدبراً عظيماً شاء لها أن تكون كما هي عليه الآن لتتسق مع انطلاقة الحياة والعمران ولتتآلف مع مجموعة الأسباب التي أقام الله عليها صرح هذا الكون .
وهذا المعنى الذي يقرره الأسلوب الحواري ببساطة يدركها ـ كما رأيت ـ كل عاق متدبر ، هو نفس المعنى الذي يطيل فيه علماء العقيدة والفلسفة تحت عنوان الاصطلاحات العلمية الخاصة ، كالعلة الغائية ، ونظام الحكمة والتدبير . إلا أنه هناك معنى مغلق لا يكاد يفهمه إلا علماء ذلك الشأن وحده ،وهو هنا معنى مفتوح واضح لا يقف دونه أي إدراك أو فهم ، وإنما سهل واتضح بها بهذا الشكل ، بفضل الأسلوب الحواري الذي جاء تعبيراً عنه .
والحديث في تطبيقات هذا الأسلوب التربوي كما جاء في القرآن ، حديث طويل . وانه لحديث شائق مفيد . ولكن ليس هنا مجال بسطه وتفصيله .
غير أني الفت نظر المهتمين بالتربية ومذاهبها إلى هذا الجانب ، وأدعوهم إلى دراسته دراسة مسهبة واعية ، فلسوف يعثرون على ما هم بأمس الحاجة إلى معرفته والتبصر بة من الطرائق التربوية الحديثة المفيدة .
* * *
القصص والتاريخ
وللقصص والأبحاث التاريخية أهمية كبرى في المجال التربوي .
ولكن الشأن لي في إيراد القصة كيفما اتفق ، وإنما الشأن في معرفة الطريقة التربوية التي يجب أن يتم نسيج القصة على أساسها.
وللقرآن منهج دقيق في ذلك يمكن أن يلخص فيما يلي :
أولاً ـ لا يسوق القرآن من القصة إلا ما يتعلق بالغرض الذي سيقت القصة من أجله ، كي تظل الصلة متينة بينها وبين المناسبة الداعية إلى ذكرها ، بحيث تبعث القصة فها الأهمية وتمدها بالحركة والحياة .
من أجل هذا لا تكاد تجد القرآن يسرد حوادث القصة سرداً تاريخياً تبعاً لسلسلة الوقائع والأحداث ، اذ من شأن ذلك أن تبتعد بالقصة بالقارئ عن المناسبة والغرض الأصلي اللذين ذكرت يصددهما .
تقرأ مثلاً في قصة أصحاب الكهف قوله تعالى :
( نحن نقص عليك نبأهم بالحق ، إنهم فتية آمنوا بربهم وزدناهم هدى، وربطنا على قلوبهم إذا قاموا فقالوا ربنا رب السموات والأرض لن ندعو من دونه إلهاً لقد قلنا إذاً شططاً ) ( الكهف : 13 ـ 14 ).
فأنت ترى أن بدأ فوصف أصحاب الكهف بأنهم فتية انفردوا عن أقوامهم الكافرين ، فآمنوا بالله وحده ، وأنهم من اجل ذلك عزموا على أن يعتزلوهم في شواهق الجبال وبطون الكهوف .فمن هؤلاء القوم ؟.. وفي أي بلدة كانوا يعيشون ؟.. وكم كان عدد هؤلاء الفتية ؟.. وما هي أسماؤهم؟..
لقد كان مقتضى السرد التاريخي أن تجيب القصة عن الأسئلة كلها . ولكنها لو سارت على هذا المنوال لما وفت بالغرض الذي استهدفته ، ولا انصرف فكر القارئ إلى تتبع أحداث تاريخية شائقة يتطلع على معرفتها ، ولغفل بذلك عن العبرة والعظة اللتين سيقت القصة من أجلهما .
وهذا هو سر الاقتضاب الذي تجده في أكثر قصص القرآن . وهو سر يمكن أن يتنبه إليه الإنسان من خلال شعوره بالرغبة في أن تكون القصة القرآنية غنية بمزيد من التفصيل ، اذ هو لا يرغب في ذلك إلا بدافع مما يتصف بة الإنسان عادة من فضول الفكر وحب الاستطلاع . ولو استجيبت رغبته ، لند فكره عما قد وضعه القرآن في سبيله من الانضباط ضمن خط الهداية والموضوع المتعلق بها .
ولكن هذا لا يعني أن القصة في القرآن تعاني ، إذاً ، من ثغرات فنية أو اقتضاب مخل . بل القصة القرآنية كاملة من حيث عناصرها الفنية . وهي تقوم فيه على منهج أدبي رائع لا تلمس فيه أي خلل ولا نقص . بل الجانب الأدبي في القصة القرآنية يعتبر مظهراً من أبرز مظاهر الإعجاز في كتاب الله تعالى [7] .
وليس من شرط فنية القصة وتماسكها أن تكون مسهبة فضفاضة في عرضها للأحداث . وإنما الحكم في ذلك يتبع الغاية التي تساق القصة من أجلها . فإذا كان القصد منها أخذ العبرة ، اقتضت الضرورة التربوية تركيز الحديث عليها . واعتبر تشعيب الحديث نحو الجوانب الأخرى منها إخلالاً بالغرض الأساسي للقصة .
* * *
ثانياً ـ إقحام النصائح والفظات في ثنايا القصة .
ويهدف المنهج التربوي من ذلك إلى أن لا يندمج القارئ مع القصة ، وينصرف إليها بكل تفكيره ، فيطول بة العهد وينسى المساق الأصلي للقصة . وتلك هي آفة الاستعانة بالقصة في التربية والتهذيب .اذ من شأنها أن تبعد القارئ أو السامع تدريجا عن مساقها الذي انطلقت منه وغايتها التي تسير إليها ، بسبب انشغال الفكر بأحداثها ومفاجأتها ، وبما قد يكون لها من مشاهد مثيرة .
فإذا تغلب المربي على هذه الآفة ، فاعتمد فيها على أسلوب حكيم لا يفضي السامع خلال مراحلها المختلفة عن المحور التربوي الذي انطلق منه ، كان القصة اذ ذاك أعظم وسيلة تربوية ناجعة . وذلك هو منهج القرآن فيها .
يقص الله علينا في سورة طه خبر موسى وفرعون ، حتى إذا تشعبت أحداث القصة ، وكاد السامع أن يغفل عن مساق القصة والغرض منها ، بالتأمل في واقعها وغريب أحداثها ، فوجئ القارئ ـ بأسلوب بالغ الحكمة والروعة ـ أثناء ذلك بحديث آخر جديد يتوجه إلى السامع بالموعظة والإرشاد ، ويشده إلى الغرض الكلي الذي سيقت القصة من أجله حتى إذا حقق هذا الحديث الطارئ أثره المطلوب في نفس السامع ، عاد السياق مرة أخرى إلى القصة وأحداثها .
تأمل هذا كله في قوله تعالى ، وهو يقص علينا من نبأ موسى وفرعون :
( قال فمن ربكما يا موسى ، قال ربنا الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى ، قال فما بال القرون الأولى ، قال علمها عند ربي في كتاب لا يضل ربي ولا ينسى ، الذي جعل لكم الأرض مهداً وسلك لكم فيها سبلاً وأنزل لكم من السماء ماء فأخرجنا بة أزواجاً من نبات شتى ، كلوا وارعوا أنعامكم إن في تلك لآيات لأولي النهى ، منها خلقناكم وفيها نعيدكم ومنها نخرجكم تارة أخرى . ولقد أريناه آياتنا كلها فكذب وأبى . . ) ( طه 48 : 56 ).
فانظر كيف توقف سير القصة ، ليظهر من ورائها ـ في لباقة وحكمة ـ حيث آخر يتحول فيه الخطاب مما بين موسى وفرعون ، إلى ما بين الله وعباده ، متضمناً الامتنان بالنعم ، والتحذير من النقم ، والتنبيه إلى بالغ سطوة الله وعظم جبروته . . حتى إذا اصطبغت القصة بهذا الجو الإرشادي ، واستعاد السامع أو القارئ بذلك انتباهه إلى الغرض الكلي الذي من أجله نزل القرآن ـعادت القصة إلى مسارها ، بدءاً من قوله عز وجل : ( ولقد أريناه آياتنا كلها فكذب وأبى ) .
وتأمل هذا المنهج التربوي أيضاً في عرض قصة أصحاب الكهف ، وانظر كيف ينتهز الأسلوب التربوي المعجز ظهور أول نافذة في أحداثها يمكن أن تتسلل إليها موعظة عابرة مذكرة ، توقظ النفس من ذهول ، فيقحم فيها هذه العظة بأسلوب رائع بليغ ، ثم ما هو إلا أن يرتبط الحديث مرة أخرى بمجرى القصة وأحداثها .
يقول الله عز وجل :
( سيقولون ثلاثة رابعهم كلبهم ، ويقولون خمسة سادسهم كلبهم رجماً بالغيب ، ويقولون سبعة وثامنهم كلبهم ، قل ربي أعلم بعدتهم ما يعلمهم إلا قليل . فلا تمار فيهم إلا مراء ظاهراً ،ولا تستفت فيهم منهم أحداً ، ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غداً إلا أن يشاء الله ،واذكر ربك إذا نسيت وقل عسى أن يهدين ربي لأقرب من هذا رشداً ، ولبثوا في كهفهم ثلاثمائة سنين وازدادوا تسعاً ) ( الكهف : 21 : 35 ) .
وتقرأ في سورة يوسف قصة يوسف مع أخوته عزيز مصر ، وهي قصة طويلة ، سيقت لتأكيد أن القرآن كلام الله وأن محمد صلى الله عليه وسلم لا دخل له في شيء منه ، فتجدها تفيض بالجل المعترضة التي تنبه القارئ العبرة والعظة كلما أوشكت أحداث القصة ومشاهدها المثيرة أن توقعه في غفلة وذهول عنها . انظر مثلاً إلى قوله عز وجل :
( يا صاحبي السجن أرباب مفترقون خير أم الله الواحد القهار ، ما تعبدون من دونه إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ما أنزل الله بها من سلطان أن الحكم إلا لله أمر ألا تعبدوا إلا إياه ، ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون . يا صاحبي السجن أما أحدكما فيسقي ربه خمراً . .. ) الآية ( يوسف : 39 ـ 41 ) وانظر إلى قوله عز وجل :
( قال أجعلني على خزائن الأرض إني حفظ عليم ، وكذلك مكناً ليوسف في الأرض يتبوأ منها حيث يشاء نصيب برحمتنا من نشاء ولا نضيع أجر المحسنين ، ولأجر الآخرة خير للذين آمنوا وكانوا يتقون . وجاء أخوة يوسف فدخلوا عليه فعرفهم وهم له منكرون ) ( يوسف : 55 ـ 58 ) .
إن صبغ القصة بروح الموعظة والعبرة ، وتدبيجها بالجمل والعبارات الإرشادية التي تتوجه من القاص إلى السامعين أو القارئين ، دون أن تتعرض صياغة القصة بذلك لاضطراب أو تفكك أو توهين لبنيتها الفنية ـ يعتبر ذروة عمل تربوي ناجح لا تجده في مظهره الكامل الدقيق إلا في كتاب الله عز وجل .
وكم من قصص تصاغ باسم التربية والتوجيه ، وتنشر بين الناس بدافع النوعية أو التعليم ، ولكنها تسير بالناس إلى عكس الغرض المطلوب ، بسبب أن وحي ما فيها من أحداث تغلب على وحي ما أريد لها من عبرة وتوجيه ، فيتلقف القراء لذائد صورها وأحداثها ويغفلون عن كوامن عبرها وأغراضها .
* * *
ثم إن هذه الظاهرة التربوية ليست خاصة بالقصة وحدها بل هي مطردة مع سائر الموضوعات التي يعالجها القرآن . لا يدع القارئ يستغرق في أي موضوع من أبحاثه ، سواء كان حكماً أو عقيدة أو أخباراً عن المغيبات وتصويراً لأحداث القيامة . بل هو يصبغ هذه الأبحاث ذاتها بصبغة التوجيه والإرشاد ، ويجعل المحور الأساسي الذي تنزل القرآن من أجله بارزاً مسيطراً لافتاً للنظر خلال سائر الموضوعات والأبحاث ، كي لا يشتت الذهن عن هذا المحور مهما سار متشعباً وراء تلك الموضوعات والأفكار .
انظر إلى قوله عز وجل وهو يقرر لنا أحكام الصيام :
( فمن شهد منكم الشهر فليصم ، ومن كان مريضاً أ عل سفر فعدة من أيام أخر ، يري الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر ، ولتكملوا العدة ولتكبروا الله على ما هداكم ولعلكم تشكرون ، وإذا سألك عبادي عني فاني قريب أجيب دعوة الداعي إذا دعان ، فليستجيبوا لي وليؤمنوا بي لعلكم يرشدون ، أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم . . . ) الآية ( البقرة : 185 ـ 186 ) .
فأنت ترى كيف أقحم الله بين آيات الصوم وأحكامه هذه الآية التي شدت أذهان الناس إلى جوهر العبودية لله والى الأصل الكلي الذي تفرعت عنه هذه الأحكام الجزئية الكثيرة .
وأقرأ الأحكام الواردة في سورة النساء مما يتعلق بالوصية والميراث والنكاح وغير لك تجد آيات الموعظة والإرشاد تتخلل هذه الأحكام كلها ، بل تجد الأسلوب الذي صيغت بة أسلوباً إرشادياً رقيقاً ، لا أسلوباً علمياً جافاً .
والعجيب حقاً أن تجد بعد الباحثين المثقفين ، وقد تاهوا عن هذا المنهج التربوي الذي ما ينبغي أن يغيب عمن كانت له أدنى مشاركة في شؤون الثقافة والتوجيه ، ثم راحوا ينقدون القرآن من أعظم جانب تربوي فيه ، وراحوا يتساءلون : لماذا جاءت أبحاث القرآن متداخلة ، ولم تأت منظمة في فصول وأبواب كبقية الكتب والمؤلفات ؟..
فأين كان يبقى أثره التربوي والتوجيهي الذي نتحدث عنه ، لو أنه نظم كما يشاءون فجاء فيه باب في العقائد وأدلتها ، وباب في الأحكام والمعاملات ، وباب في القصص والتاريخ . . وهكذا ؟..
إن الذي يقبل من القرآن ـ إذاً ـ على باب الأحكام ، ينسى منه ومن أهدافه كل شيء إلا المباحث القانونية الجافة التي يحاول أن يستوعبها بفكر ، كما يكون من شأن الفقهاء الذين يتدارسون باباً في الرهن مثلاً ، لا يكاد أحدهم بذكر الله أو يذكر الغرض من هذا الفقه وأحكامه . وربما كانوا ـ وهم الفقهاء ـ أبعد عن الله تلك الساعة من ذلك الجاهل الذي يذكر الله خالياً ضمن دكانه أو متجره .
والذي يقبل منه على باب القصص والتاريخ ، ينسى القرآن وينسى نفسه ومسؤولياتها في خضم ما يقرؤه أو يسمعه من الأحداث الغريبة التي يستعرضها ويتسلى بالاطلاع عليها .
والقرآن في قصصه وأحكامه وعقائده وبقية أبحاثه ، إنما أنزل لأمر كلي واحد ، هو أن يكون الناس عبيداً لله بالطوع والاختيار ، كما قد خلقهم عبيداً له بالقسر والإجبار . ولا يتحقق هذا الأمر الكلي إلا بنوع من التمازج والتداخل في أبحاثه بحيث تسيطر عليها جميعها روح التوجيه والإرشاد .
وإذا تأملت ، علمت أن آفة العلوم والفنون الثقافية المختلفة التي يتلقاها التلاميذ في مدارسهم ، أنه تقدم إليهم ضمن منهج لا يسمح بارتقائهم إلى أي درجة في سلم التربية والتهذيب ، رغم أن الغاية الأولى من عملية التثقيف هي التربية كما يقولون .
وليس من سبيل لمعالجة هذه الآفة إلا أن يعاد النظر في طريقة تأليف هذه العلو الدراسية المختلفة ، وتصاغ على أساس من المنهج القرآني الذي ألمحنا إليه ، أي بحيث يسري عصب التوجيه وروح التربية الخلقية في جميعها . وبذلك ينتظم نثار هذه العلوم المختلفة في قدر . مشترك من الأسس التربوية التي هي مدار عملية التثقيف ومحورها.
الإثارة الوجدانية
من المعلوم أن الإثارة الوجدانية لا تكون عملاً تربوياً سليماً ،إلا إذا أريد منها إخضاع النفس لحقائق علمية صحيحة أو لمبادئ خلقية سليمة . فإثارة الوجدان إذاً طريق تربوي إلى غاية تربوية أو علمية ، وليست هدفاً تربوياً مستقلاً بذاته .
ولهذه الوسيلة أخطارها الجسيمة اذا أسيء استعمالها ، كما أن لها فوائدها العظيمة اذا أحسن استعمالها .
ويتخلص المنهج التربوي في القرآن لاستخدام هذه الوسيلة ، في مراعاة الأمور التالية :
أولاً ـ أن لا تكون بديلاً عن حركة العقل وحكمه ، بل عوناً على حركته ونشاطه ثم عوناً له لإخضاع النفس لحكمه .
ثانياً ـ أن يعتمد سبيل الإثارة الوجدانية قدر الإمكان على التصوير والتخيل ، لا على المحاكمة العقلية والنسيج المنطقي ، فان فاعلية الوجدان تضم حل في غمار التأمل الفكري والمحاكمة العقلية .
ثالثاً ـ أن يعتمد المربي على مزيج متكافئ من العناصر الوجدانية المؤثرة ، بدلاً من أن يركز على عنصر واحد منها
هذه الأمور الثلاثة التي يقيم عليها القرآن فن الإثارة الوجدانية هي الضمانة الكبرى لأن يبقى السبيل التربوي الخطير في مأمن من العواقب الضارة التي كثيراً ما تكون سبباً لها .
فلننظر كيف يراعي القرآن في منهجه التربوي كلا من هذه الأمور الثلاثة ،وكيف يسير بالسبيل الوجداني ضمن هذه الشروط الهامة :
* * *
أولاً ـ الإثارة الوجدانية في القرآن ليس غرضاً تربوياً مقصوداً لذاته ، بل هو كما قلنا عون للعقل أن يسيطر على النفس ويلزمها بأحكامه .
ذلك لأن دعوة القرآن في أساسها وجوهرها إنما تتجه إلى العقل والفكر ، اذ هي تتعلق بمبادئ وحقائق لا سبيل للوصول إليها والتمسك بها إلا بوسيلة العقل والفكر ، كالإيمان بوجود الله ووحدانيته ، والإيمان بأن هذه الحياة الدنيا لا يعقل أن تكون عبثاً آيلا إلى الفناء والزوال .
وقد رأيت كيف يتخذ القرآن إلى ذلك وسيلة النقاش العقلي المتضمن لأدق القوانين المنطقية في مجال النظر والبحث وان جاءت متحررة عن الصياغة العلمية واصطلاحاتها.
ولذلك فهو يثير العقل أولاً إلى معرفة هذه الحقائق ، بالأدلة العلمية والعقلية المختلفة . ويهيب بالعقلاء أن يستعملوا عقولهم وأفكارهم في تحرر مطلق .
ولكنه بعد ذلك يثير كوامن الوجدان في النفس ، كي تقضي على معوقاتها التي قد تقطع سبيل العقل إليها . فيثير فيها دواعي الرهبة والرغبة وأسباب المحبة ، طبق ميزان دقيق من الاتساق سنشرحه بعد قليل إنشاء الله ، وإذا النفس بعد ذلك خاضعة لتلك المبادئ التي سبق أن وضعها القرآن مكشوفة واضحة أمام العقل .
تأمل هذا النص القرآني العظيم ،كيف يبدأ بإثارة العقل وتنبيهه إلى الحقيقة بالوسائل العلمية والفكرية المجردة ، ثم كيف يثير كوان الخوف والتحذير في النفس كي لا تتمرد على حكم العقل وقراره الذي لا مرية فيه .
( فلينظر الإنسان إلى طعامه ، أنا صبينا الماء صباً ، ثم شققنا الأرض شقاً ، فأنبتنا فيها حباً وعنبا وقضباً ، وزيتوناً ونخلاً ، وحدائق غلباً ، وفاكهة وأباً ، متاعاً لكم ولأنعامكم . فإذا جاءت الصاخة ، يوم يفر المرء من أخيه ، وأمه وأبيه ، وصاحبته وبنيه لكل امرىء منهم يومئذ شأن يغنيه ، وجوه يومئذ مسفرة ، ضاحكة مستبشرة ،ووجوه يومئذ عليها غبرة ، ترهقها قترة أولئك هم الكفرة الفجرة ) ( عبس : 24 ـ 43 ).
فالشطر الأول من النص تنبيه للعقل إلى دلائل وجود الخالق عز وجل ودفع له إلى الإيمان بة . والشطر الثاني إثارة للنفس عن طريق كوامن الرغبة والرهبة ، أن تتفاعل مع فهم العقل وحكمه فلا تنفصل عنه ولا تتمرد عليه .
وفي سورة النساء أحكام شرعية تتعلق باليتامى والوصية والنكاح والميراث ـ وهي من المباحث الفكرية القائمة على المصلحة والتدبير العقلي ـ ولكن الله عز وجل يقدم بين يديها إثارة وجدانية للنفس كي يجعلها متهيئة لقبول هذه الأحكام وللخضوع لما يقضي بة العقل فيها . يقول الله عز وجل :
( يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالاً كثيراً ونساء ، واتقوا الله الذي تساءلون بة والأرحام إن الله كان عليكم رقيباً . وآتوا اليتامى أموالهم ولا تتبدلوا الخبيث بالطيب ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم انه كان حوباً كبيراً . . . ) ( الآيات . . . ) .
أفلا تنظر كيف بدأ فحرك العاطفة الإنسانية عند السامع أو القارئ تجاه سائر إخوانه وأخواته من بني جنسه وحرك فيه نحوهم كوامن الرحمة والرأفة ، ونبهه إلى الرحم الموصولة بين جميع أفراد البشر ، وأثار فيه دوافع حفظها وتقديسها . ولفت النظر إلى ضرورة الحذر من عقاب الله تعالى أن هو ضيعها أو تهاون في أمرها ـحتى إذا اهتاجت هذه العواطف في النفس ، وغدت متهيئة لتقبل ما يأتيها من أوامر وتوصيات بصدد رعاية الناس بعضهم بعضاً وتقديرهم لوشيجة الرحم والقربى ، بدأ فقال : ( وآتوا اليتامى أموالهم ولا تتبدلوا الخبيث بالطيب . . . ) الخ .
ونظام القرآن كله جار على هذا النسق : يقدم بين يدي المحاكمة العقلية تمهيداً وجدانياً مثيرا ومنبهاً ، أو يعقب البحث العلمي والعقلي بخاتمة وجدانية تحذر النفس من عواقب عدم انقيادها للعقل .
ومن هنا تعلم مدى خطورة تلك التربية التي تعتمد على العاطفة والوجدان غاية برأسها لا وسيلة إلى غيرها ، أي دون أن يكون ثمة مضمون عقلي يركن إليه الفكر ويؤمن بة ويطمئن له . إن النفس بذلك لا تجد أمامها سوى أن تجر وتتفاعل مع مثيراتها العاطفية الفارغة ، وهي بذلك لا تجد ما تأكله أو تسحقه كمضمون لها إلا فاعلية العقل وحركته . فلا يمضي وقت غير طويل إلا وقد أنشلت فاعلية العقل وقوته تحت سلطان هذا الهياج العاطفي الذي لا سند له .
وهذا العمل الخطير هو السبيل الأمثل عند من يريد أن يحمل الآخرين على الانصياع لما هو مفتقر إلى المؤيدات العقلية أو العلمية الصادقة . أن التهويلات والتخيلات العاطفية المهجية وحدها ، كفيلة ـ إذا لزم الأمر ـ أن تجعل الرجل وعقله ضحية ذليلة تحت تأثيرها وسلطانها .
ثانياً ـ إن من الممكن من الوجهة النظرية إثارة العناصر الوجدانية في النفس بإحدى طريقتين :
الطريقة الأولى الاستعانة بالعقل ذاته لتنبه النفس إلى كوامن العاطفة والوجدان ، على أمل أن تؤثر فيها فتقودها إلي حيث يراد لها أن تتجه وتسير .
مثال ذلك أن تعمد إلى أحد الأغنياء فتحاول إثارة الشفقة في نفسه على حالة فقير يسكن بجواره ، فتثير عقله وتفكيره إلى أن من أكبر مظاهر الظلم الاجتماعية أن يوجد مثل هذا التفاوت الخطير في الحالة المادية بين شخصين متجاورين ، وأن من نتائجه الخطيرة على المجتمع كذا وكذا . . وأنه لا مسموع إطلاقا لأن يبيت جاره جائعاً دون جريرة ارتكبها ، وأن يعيش هو متخوماً دون أدنى مزية له عليه .
انك بهذا الكلام ونحوه ، إنما تنبه عقله بأسلوب منطقي مجرد إلى سوء الوضع الذي هو فيه ، متوخياً أن يقتنع عقله بذلك ، فيثير نوازع الرحمة في نفسه ، فيهيج إلى مواساة جاره وإنصافه والرأفة بة .
ولكن هذه الطريقة غير مجدية !..
فان العواطف النفسية لا تتهيج بواسطة العقل ، بل بواسطة نوافذ الحس إلى النفس .
إن منظراً مؤلماً لحالة فقير تزيغ عيناه فيما حوله من شدة الجوع ، يفعل في النفس من التهييج والإثارة ما لا تفعله أفكار المصلحين ومنطق الفلاسفة كلهم .
ولو كانت الأفكار العقلية لها سلطان على العواطف والوجدان ، لآثر الفقراء الذين يسترحمون الناس بمظاهر ضعفهم ومسكنتهم ، أن يسترحموهم بدلاً عن ذلك بلوحة يعلقونها على صدورهم تناقش الوضع الاجتماعي المقلوب وتبرهن بالحجج الدامغة على وجوب النظر في حال هؤلاء التعساء !..
الطريقة الثانية : الاستعانة بأداة التصوير والوصف ، ووضع الصور أمام الخيال ـ إن لم يتيسر وضعها أمام العين الباصرة ـ دون الاستعانة بأي وساطة من العقل والمنطق .
وتل هي الطريقة المجدية كلما احتاج المربي إلى الاستعانة بالعنصر العاطفي للوصول إلى غاية تربوية . وتلك هي الطريقة التي يسير عليها القرآن ..
إن القرآن لا يخاطب العقل إلا حينما يريد أن ينبهه إلى حقيقة علمية أو فكرية مجردة . فإذا ما أراد إثارة شيء من كوامن الوجدان في النفس اتخذ إلى ذلك أسلوب الوصف والتصوير ، ووضع من ذلك أمام خيال القارئ أو السامع أدق مرآة تبرز فيه الصورة المطلوبة بكل جلاء ووضوح !..
وربما عبر القرآن ( لإبراز هذه الصورة أمام النفس ) بكلمة واحدة ، وربما وضعها في بيان يتألف من بضع آيات حسب ما يقتضيه الحال وحسب طبيعة سايق الكلام وسياقه .
انظر إلى هذه الآيات من سورة الإسراء :
( وقضى ربك أن لا تعبدوا إلا أيه ، وبالوالدين إحساناً أما يبلغن عندك الكبر أحدهما أو كلاهما فلا تقل لهما أف ولا تنهرهما وقل لهم قولاً كريماً . . ) ( الإسراء : 23 ) .
إنها آيات تخاطب في الإنسان عقله ، تأمره بأن لا يدين لعبادة أحد غير الله عز وجل وأن يحسن إلى والديه ولا يؤذيهما بقول أو تصرف . . . ولكن هذه الأوامر تحتاج لانصياع النفس لتنفيذها إلى إثارة عاطفة يخضعها لأمر الله عز وجل ولقناعة العقل الرشيد بهذا الأمر ، فأين هي الإثارة العاطفية في الآية وكيف كان سبيلها ؟..
أنها قوله عز وجل : عندك .
لو حذفت هذه الكلمة من الآية ، لاختفى منها أعظم عوامل التأثير فيها : إنها كلمة واحدة ولكنها تفيض بشحنة هائلة من العواطف المثيرة . اذ هي تصور للمخاطب حالة والديه وقد انتهيا من الضعف والشيخوخة إلى أن غدا كل منهما يعيش في كتفه وفي ظلال عطفه ورعايته ، بعد أن كان هو الذي يعيش في كنفهما وفي ظلال عطفهما ورعايتهما !.
فانظر كيف أثار في نفس الابن عوامل الشفقة والرحمة بهذه الكلمة التصويرية التي وضعها أمامه ، دون التوسط لذلك بأي أرشاد عقلي أو توجيه أو تذكير فكري. ولو استعيض عن هذه الكلمة التصويرية المباشرة بشيء من عبارات التذكير والتنبيه ونحوهما ، لاستيقظ من العقل حاجز يقف دون تصور النفس لهذه الصورة المثيرة المؤلمة ، وإذاً لما كان لها التوجيه الأخلاقي أثره الايجابي المطلوب في النفس .
ومن هذا القبيل تماماً قوله تعالى :
( يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص في القتلى ، الحر بالحر ، والعبد بالعبد ، والأنثى بالأنثى ، فمن عفي له من أخيه شيء فإتباع بالمعروف وأداء إليه بإحسان ، ذلك تخفيف من ربكم ورحمة ) ( البقرة : 178 ) .
فالآية كما ترى تقرر حكماً شرعياً هو القصاص أو الدية في حق القاتل ، كما تقرر أن العفو عن القصاص يستوجب من القاتل المبادرة إلى أداء ما يترتب عليه بدلاً عنه ، من الدية ، كاملة ، أو مخففة ، إذا أحب ولي المقتول أن يعفو عن شيء منها .
إلا أن الآية وهي تقرر هذا الحكم العقلي الفقهي ، تثير في ولي المقتول عاطفة الآخاء الإنساني نحو القاتل ، عسى أن تحمله على شيء من التجاوز عن حقه . فما هي وسيلة هذه الإثارة ؟..
إنها كلمة واحدة أيضاً ، وهي قوله : أخيه !..
وانظر إلى طبيعة هذه الكلمة وموقعها في الآية !.. إنها تذكر ولي المقتول تذكيراً دون أن تأمره أو توجهه إلى شيء . . كلمة تحاول تصويرها العاطفي المباشر أن تذكر ولي القصاص بأنه أخ قريب للقاتل ، وأن تنسيه أنه ولي للمقتول . وشتان ما بين الوصفين من تصوير وإيحاء ، أما الأولى فيوحي بالمرحمة والصفح ، وأما الآخر فيوحي إليه بما يملك من صلاحية التشفي والانتقام .
ولو استبدلت بهذه الكلمة التصويرية المباشرة أي جملة توجيهية أخرى تخاطب بها الفكر والعقل ، لما أغنت شيئاً ، ولما أغنى العقل ـ وان اقتنع بها ـ أي شيء ، لأن النفس هي الملتاعة المتوثبة للتشفي والانتقام ، لا العقل أوالفكر وحده .
وتعال فانظر في هذا أيضاً إلى قوله جل جلاله :
( وإذا حضر القسمة أولوا القربى واليتامى والمساكين فارزقوهم منه وقولوا لهم قولاً معروفاً . وليخش الذين لو تركوا من خلفهم ذرية ضعافاً خافوا عليهم ، فليتقوا الله وليقولوا قولاً سديداً ، إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلماً إنما يأكلوا في بطونهم ناراً وسيصلون سعيراً ) (النساء : 7 ـ 11 ) .
فأنت تجد أن الحديث يتعلق باليتامى وحقوقهم ووجوب المحافظة عليه .وفي هذه الآيات وما قبلها تحذير شديد للأوصياء على مال اليتامى من أن يضيعوا شيئاً منه أو أن يفرطوا في شيء من حقوقهم ، وفيها أمر عام للناس برعاية حال هؤلاء الضعاف الذين فقدوا راعيهم ومعيلهم .
وسيراً على القاعدة المتبعة في كتاب الله تعالى ، كما ألمحنا سابقاً ، لا بد من إتباع هذا الحكم الفقهي القائم على الأمر والنهي بإثارة عاطفية تعين على تقبله والاهتمام بة عن طواعية وحب . فأين هي الإثارة العاطفية وكيف جاءت ؟
إنها جاءت في تضاعيف هذه الآية : (وليخش الذي لو تركوا من خلفهم ذرية ضعافاً خافوا عليهم فليتقوا الله وليقولوا قولاً سديداً) .
وأول الآية كما ترى أمر مؤكد للأوامر السابقة ، ولكن البيان الإلهي ربط هذا الأمر بصورة وجدانية أثارها في أعماق نفس المخاطبين بهذا الأمر مباشرة . وهي صورتهم وقد أوشكوا على مفارقة الدنيا وان لهم فيها ذرية ضعيفة ليس لها من بعدهم أي راع ولا معين .
فقد أثار البيان الإلهي هذه الصورة المؤثرة في نفوس المخاطبين ، حتى إذا تنبهوا لها ، وتخيلوا تلبسهم بها ، وجاشت في صدورهم من ذلك عوامل الرحمة والشفقة لصغارهم الذين يرونهم من حولهم ـ أصدر البيان الإلهي أمره إليهم ، في غمار تلك الحالة ، برعاية من قد يكون تحت سلطانهم من اليتامى والنظر في حقوقهم بعين الرحمة الإنسانية العامة.
وقد كان من الممكن أن يقول لهم بدلاً عن هذا :
" افعلوا باليتامى ما تحبون أن يفعل بأولادكم . من بعدكم "
غير أن الكلام ، على هذه الشاكلة ، يأتي خطاباً للعقل وحده ، ولا يبعث بأي تأثير وجداني في طوايا النفس ، إلا أن تكون نفس السامع مهيأة بطبيعتها للانصياع إلى هذا المبدأ الإنساني ، وكان فيها من حوافز الرحمة والشفقة ما يتغلب على دوافع المصلحة الشخصية ومغريات الأغراض والأهواء .
واليك هذا النموذج الآخر . . يقول الله عز وجل :
( يا أيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيراً من الظن ، إن بعض الظن إثم ، ولا تجسسوا ، ولا يغتب بعضكم بعضاً ، أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتاً ، فكرهتموه ، واتقوا الله إن الله تواب رحيم ) ( الحجرات : 22 ) .
ينهي الله عز وجل المؤمنين كما ترى عن الغيبة ويحذرهم منها . ثم يدعم هذا النهي المتجه إلى العقل بما يشد أزره من حوافز العاطفة والوجدان . فيرسم صورة كريهة مستبشعة لممارسة الغريب : صورة إنسان نهش من لحم إنسان مثله وهو جثة هامدة لا حياة فيها !.. ويضع الصورة وجهاً لوجه أمام المخاطبين بهذا النهي ، ليتأملوا بملء مشاعرهم النفسية. ثم يسألهم ـ وقد قرر لأخيلتهم وأمام تصوراتهم أنها صورة الغيبة بل هي حقيقتها ـ : أيحب أحدكم أن ينحط على جسد إنسان ميت فينهش من لحمه مضغاً وأكلاً ؟!..
إن عوامل الرغبة مهما كانت هائجة لدفع صاحبها إلى الخوض في غيبة إنسان ما ، فان هذه الصورة البشعة التي تقف أمام الخيال والشعور الإنساني مباشرة ، دون مرور على تحقيقات الفكر والبحث ـ تصده عما يريد الخوض فيه في تقزز واشمئزاز !..
وواضح أن الأمر تصوير وتخيل . . ولكنه الأسلوب التربوي الذي لا بديل عنه ولا مناص منه ، لجعل النفس تشترك مع وحي الفكر والعقل !.. انه مظهر من مظاهر " الإقران الشرطي " الذي يكسب مقارنه تأثيراً مثل تأثيره وان كان صناعياً خيالياً . فمهما تذكر الخائض في الغيبة هذه الصورة المرسومة في كتاب الله عز وجل ووقف عندها ،كان حرياً بة أن يرجع عن خوضه ويطهر لسانه من تلك المضغة النتنة ، بما يستطيع من الندم والاستغفار .
والأمثلة أمامي لهذه الطريقة في الأثرة الوجدانية ، كثيرة جداً . وحسبك أن تعلم أن جميع آيات الترغيب والترهيب ، قائمة أولاً على الوعد والوعيد المدعومين بالأدلة والبراهين ، ثم على رسم مثل هذه الصور التي شرحناها وأوضحنا نماذج منها .
فسبيلها الأول هو إقناع العقل .وسبيلها الثاني هو التأثير على النفس . وعندما تتجه الآيات إلى هذه الطريقة الثانية ، تقف أمام الأخيلة والمشاعر النفسية مباشرة ، دون أن تترك لسحب الرطانة العقلية والنظر المنطقي أي سبيل لتعكير الرؤية الصافية من النفس .
اقرأ جميع الآيات الطوال الواردة في القرآن في وصف الوعد والوعيد وتجسيد مظاهر البعث والنشور ، تجد هذا المعنى الذي نقرره واضحاً للعيان .
وليس في ذلك أي إجحاف بقيمة العقل والفكر . بل فيه التنسيق والتمييز اللذان لا بد مهما بين عمل كل من الفكر والوجدان . إن الحاجة داعية إلى كل منهما للنهوض بأي عمل أو سلوك إصلاحي، لأن أحدهما ـ وهو العقل ـ يرسم ويخطط ، والثاني ـ وهو الوجدان ـ يدفع إلى التطبيق والتنفيذ ، ولا يقوم أحدهما بشيء مما يقوم بة الآخر .
فكان لا بد ـ ليتمكن كل مهما من أداء وظيفته ـ من تنسيق وتمييز بينهما بحيث لا يشوش أحدهما على الآخر .
ذلك لأن الإثارة الوجدانية إنما تعتمد على الصورة المؤثرة توضع أمام الخيال والشعور ، وإذا امتزج بها وحي العقل فسدت الصورة ، وزال تأثيرها . وإنما يكون الوحي العقلي أو الميزان المنطقي مفيداً في الموضوع ، إذا قام بمهمته من قبلها أو بدأ عمله من بعدها . وتلك هي الطريقة التي عرف بها القرآن ،وهي الطريقة المثلى لدعم القيم والمبادئ التربوي بكل من ميزان العقل وحرارة الوجدان .
ثالثاً ـ الاعتماد على مزيج متكافئ من العناصر الوجدانية المؤثرة ، وعدم تغليب عنصر منها على آخر . ولنشرح هذا المبدأ بما يكشف عن مدى أهميته ومدى دقة القرآن في الأخذ بة ، فنقول :
إن منابع العواطف في الإنسان تنحصر في الأصول الثلاثة التالية :
1 ـ عواطف دافعة : كالفرح ، والأمل ، والرغبة .
2 ـ عواطف رادعة : كالخوف ، والرهبة ، والانشقاق .
3 ـ عواطف ممجدة : كالإعجاب ، والحب ، والتقديس .
وإذا تأملت في مختلف المشاعر الوجدانية في حياة الإنسان ، أدركت أنه ما من معنى عاطفي إلا ويعود نسبه إلى واحد من هذه الأصول الثلاثة . وهي حدها عدة المربي عندما يعتمد في عمله التربوي على الإثارة الوجدانية.
وليس في اعتماد المربي على العنصر العاطفي ، من حين هو ، كبير أهمية . وإنما تكمن الأهمية كلها في القدرة على تكوين مزيج متكافئ معتدل من هذه الأصول الثلاثة التي هي ينابيع العواطف كلها . ذلك لأنه إذا استقل بالتأثير أحد هذه الأصول أو كانت له الغلبة على سواه ، أصبح مصدر سوء وسبب هلاك ،ولم يبق فيه للأهداف التربوية أي جدوى .
إن سرق المربي لتلميذه بعصى الرهب وحدها سبب واضح لهلاكه . ودفعه بعامل الفرح أو الرغبة وحده سبب خطير لإفساده ، وملء إحساسه بمشاعر التقديس والإعجاب وحدها دون أن يستغل ذلك لتوجيه يعتمد على شيء من الترغيب والترهيب ، لا يحرك فيه ساكناً ولا يغير منه اعوجاجاً [8] .
وانما يصلح سبيل التربية إذا نهض على مزيج معتدل من هذه المشاعر الثلاثة كلها . وما فسدت المعالجات التربوية ولا تخلفت عن إعطاء ثمارها المرجوة على الأغلب إلا لفقد هذا المزيج المعتدل .
وكتاب الله تعالى يجذب أفئدة الناس بقوة وجدانية ( بعد المحاكمة العقلية والعرض المنطقي ) مكونة من هذه الأصول الثلاثة في اعتدال وتكافؤ دائمين .
فأنت لا تجد فيه آية تسلم الإنسان إلى رهبة مجردة ،أو ثمينة ببشارة صافية عن شائبة الخوف . بل أن من القواعد الكلية في كتاب الله تعالى أنه لا يذكر الإنسان بشيء من صفات السطوة والانتقام لله تعالى ، إلا ويذكره غالى جانبها بصفات الرحمة والغفران . ولا يحدثه عن شيء من صفات الجنة وما فيها من نعيم ، إلا ويحدثه غالى جانبها عن جهنم وما فيها من مظاهر التعذيب . ومهما بحثت في كتاب الله تعال فلن تقف على أي شذوذ لهذه القاعدة ، ولن تقف على نص يتضمن وصف إحدى هاتين الصورتين إلا والى جانبها وصف ما قبل للصورة الأخرى .
انظر إلى قوله عز وجل :
( نبىء عبادي أني أنا الغفور الرحيم ، وأن عذابي هو العذاب الأليم ) ( الحجر : 49).
بل انظر إلى قوله :
( قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله ، إن الله يغفر الذنوب جميعاً انه هو الغفور الرحيم ، وأنيبوا إلى ربكم وأسلموا له من قبل أن يأتيكم العذاب ثم لا تنصرون ) ( الزمر : 53 ) .
وانظر إلى هذه الآيات الأخرى ، كيف يصف الشطر الأول منها عذاب الله تعالى يوم القيامة للكافرين ، وكيف يصف الشطر الثاني منها بالمقابل رحمة الله تعالى ونعيم الجنة لعباده الصالحين :
( إن جهنم كانت مرصاد ، للطاغين مآباً ، لابثين فيها أحقاباً ، لا يذوقون فيها برداً ولا شراباً ، إلا حميماً وغساقاً جزاء وفاقاً . أنهم كانوا لا يرجون حساباً ، وكذبوا بآياتنا كذاباً . وكل شيء أحصيناه كتاباً ، فذوقوا فلن نزيدكم إلا عذاباً . أن للمتقين مفازاً ، حدائق وأعناباً ، وكواعب أتراباً ، وكأساً دهاقاً ، لا يسمعون فيها لغواً ولا كذاباً ، جزاء من ربك عطاءاً حساباً ، رب السموات والأرض وما بينهما الرحمن ، لا يملكون منه خطاباً ) ( النبأ : 21 ـ 27 ) .
وفائدة الالتزام بهذه القاعدة أن الإنسان يبقى بين جانبي الرغبة والرهبة دون أن يطغى أحدهما على الآخر : لا يشتد في نفسه الأمل برحمة الله عز وجل إلى درجة تقعد عن الواجبات والتكاليف المنوطة بة ، ولا يشتد فيها عوامل الخوف والرهبة إلى درجة تصرفه أيضاً عن القيام بواجباته ، يأساً منه ويقيناً بأنه سعي غير ذي جدوى وأنه غير مقبول عند الله عز وجل .
وكل تسليك من المربي مهما كان نوعه للتلميذ أو الطفل مهما كان شأنه ، لا ينهض بشكل سليم إلا على كل من هاتين الدعامتين معاً : الرغبة والرهبة .
ومن المظاهر البارزة لتحقيق هذا المنهج ذاته ، ما تلاحظه بشكل مطرد من أن القرآن كلما وصف أهل الجنة ، وصفهم بأرقى أعمالهم ، وأجل صفاتهم . وكلما وصف أهل النار وصفهم بأسوأ أعمالهم وأشدها إثارة لغضب الله جل جلاله .
والحكمة من ذلك أنك إذا تأملت صفات المؤمنين وعرضتها على حالك ، رأيت نفسك دون ذلك المستوى ، اذ كانوا موصوفين كما قلنا بأجل الصفات وأرقى الأعمال الصالحة ، فيتقاصر بك الأمل في أن تكون واحداً منهم . وإذا تأملت صفات أهل النار وعرضتها على حالك ، رأيت نفسك فوقها ، إذا كانوا موصوفين كما قلنا بأسوأ أعمالهم ، فيراودك الأمل أن لا تكون منهم وتبقى في تقديرك على حالة وسطى بين أولئك وهؤلاء ، تشدك رغبة وتخيفك رهبة ، فتجهد أن تعلو بسعيك وسلوكك عن حالة الكافرين وتسعى للحاق بحال المؤمنين.
أنظر مثلاً إلى قوله عز وجل في وصف المؤمنين الذين استحقوا رضوان الله تعالى وجناته:
( وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هوناً وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاماً والذين يبيتون لربهم سجداً وقياماً ، والذين يقولون ربنا اصرف عنا عذاب جهنم أن عذابها كان غراماً ، إنها ساءت مستقراً ومقاماً ، والذين إذا أنفقوا لم يسرقوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواماً ، والذين لا يدعون مع الله إلهاً آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا يزنون ، ومن يفعل ذلك يلق آثاماً ) ( الفرقان : 64 ـ 68 ).
أو إلى قوله عز وجل في وصفهم أيضاً :
( إن المتقين في جنات وعيون ، آخذين ما آتاهم ربهم إنهم كانوا قبل ذلك محسنين ، كانوا قليلاً من الليل ما يهجعون وبالأسحار هم يستغفرون ،وفي أموالهم حق للسائل والمحروم ) (الذاريات : 15 ـ 19).
انك إذا تأملت في صفات هؤلاء الذين استحقوا الفوز بجنات الله ورضوانه ، كما وردت في هذه الآيات ، لا تكاد تراها تنطبق إلا على حال الربانيين والصديقين ، فهم الذين يبيتون الليل سجداً وقياماً ، ويستغفرون الله بالأسحار ، ويمشون على الأرض هوناً ، لا يلتفتون إلى أذية جاهل ولا إلى خصومة حاقد .
فإذا رجعت إلى نفسك تقارن بينها وبين أصحاب هذه الصفات، لم تجد بينك وبينهم شبهاً يذكر . فلا تشك في أنك لن تحظى بما وعد الله بة هؤلاء المؤمنين ، وأين أنت منهم حتى تكون مثلهم ؟
ولكنك تلتفت بعد ذلك إلى ما ذكر الله ، بالمقابل ، من صفات أهل النار يوم القيامة : فتجده يقول عنهم مثلاً:
( .. . يتساءلون عن المجرمين ، ما سلككم في سقر ؟ قالوا لمنك من المصلين ، ولم نك نطعم المسكين ، وكنا نخوض مع الحائضين ، وكنا نكذب بيوم الدين ، حتى أتانا اليقين ) ( المدثر : 40 ـ 47) .
أو تجده يصفهم بقوله :
( وأصحاب الشمال ما أصحاب الشمال ، في سموم وحميم وظل يحموم ، لا بارد ولا كريم، أنهم كانوا قبل ذلك مترفين ، وكانوا يصرون على الحنث العظيم ، وكانوا يقولون إذا متنا وكنا تراباً وعظاماً إنا لمبعوثون ، أو آباؤها الأولون ) ( الواقعة : 41 ـ 48 ) .
فإذا تأملت هذه الصفات وجدتها لا تنطبق إلا على حال من كان واقفاً في أقصى طرف الجحود والكفر بالله عز وجل . ثم إذا رجعت تقارن بين نفسك وأصحاب هذه الصفات ، لم تشك في أنك أحسن حالاً منهم ، وطاف بك أمل كبير في أن لا تكون منهم وأن لا ينالك شيء من عذابهم .
ولكنك تعود إلى مجموع ما وصف بة القرآن حال كل من الفائزين والهالكين يوم القيام ، فلا تجد لنفسك موقعاً مع أحد الفريقين ، وبذلك تظل في حالة وسطى بين اليقين برحمة الله وغفرانه واليقين بعذاب الله ونكاله ، يشدك إلى كل منهما أمل وخوف ، رغبة ورهبة . . وتلك هي الحالة التي تحملك على السعي الحثيث للاقتراب إلى حال أولئك الصالحين والابتعاد عن حال هؤلاء الهالكين .
وهكذا يضعك بيان الله تعالى ومنهجه التربوي بين المخافة من عذابه والرجاء في ثوابه ، حتى لا ترهب من عذابه رهبة توقعك في اليأس ، لا ترغب في رحمته رغبة توكلك إلى الدعة .
وقد علمنا الله تعالى بصريح بيانه أن نكون على هذه الحالة من الخوف والرجاء . فلا نعبد الله تعالى على حرف منهما ،ولا نتمثل من صفاته ما يدل على الشدة وحدها ولا ما يدل على الرخاء وحده . وقد وصف حال عباده الصالحين بهذه الصفة اذ قال عنهم ( . . وكانوا يدعوننا رغباً ورهباً وكانوا لنا خاشعين ) وحذر من الانسياق في الأمن من عذاب الله فقال : ( افأمنوا مكر الله فلا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون ) ( الأعراف : 99) .
كما حذر من الانسياق في اليأس من رحمته فقال : ( انه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون ) ( يوسف : 88) .
ولأضع أمامك أروع ما وقعت عليه من نص يكشف عن هذا الجزء من ال
سُهيلة âيه ôîًَىà   رد مع اقتباس
قديم 03-26-2004, 07:48 PM   #2
البتول المكية
عـضـو
 
الصورة الرمزية البتول المكية
 
تاريخ التسجيل: Feb 2004
المشاركات: 194
البتول المكية is on a distinguished road
افتراضي

جزاك الله خيراً على هذا الموضوع . ومهما حاولنا ان نحصي اوجه الاعجاز اللغوي والتربوي في القران فلن نستطيع لانه بحق جاء جامع لخيري الدنيا والاخرة وحري بنا ان نتدبر معانيه لندرك اعجازه.
__________________
الإختلاف في الرأي لا يفسد للود قضية
البتول المكية âيه ôîًَىà   رد مع اقتباس
قديم 03-30-2004, 08:11 PM   #3
سيبويه
عـضـو
 
الصورة الرمزية سيبويه
 
تاريخ التسجيل: Feb 2004
المشاركات: 459
سيبويه is on a distinguished road
افتراضي

شكراً أختي الفاضلة وجزاك الله خيرا .
__________________
لـو لم تكُنْ أمُّ اللغـاتِ هيَ المُنى**
لكسرتُ أقلامي وعِفتُ مِدادي**
لغـةٌ إذا وقعـتْ عـلى أسماعِنا**
كانتْ لنا برداً على الأكبادِ**
سـتظلُّ رابطـةً تؤلّـفُ بيننا**
فهيَ الرجـاءُ لناطـقٍ بالضّادِ**
وتقاربُ الأرواحِ ليـسَ يضـيرهُ**
بينَ الديارِ تباعـدُ الأجسـادِ**
أفما رأيـتَ الشمسَ وهيَ بعيدةٌ**
تُهـدي الشُّعاعَ لأنجُدٍ و وَهادِ**
سيبويه âيه ôîًَىà   رد مع اقتباس
إضافة رد


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
نظرة إسلامية إلى البحث والكشف والابتكار وسام السيد منتدى الرؤية الإسلامية للتعليم 5 03-16-2010 05:04 AM
الإعجاز العلمي تأصيلاً ومنهجاً أبو عبد الرحمن منتدى الرؤية الإسلامية للتعليم 5 11-14-2009 09:15 AM
المعجزة العلمية في القرآن والسنة أبو عبد الرحمن منتدى الرؤية الإسلامية للتعليم 1 05-13-2006 04:18 PM
الإعجاز الصوتي في القرآن الكريم أم لاما منتدى الحوار العام 1 02-25-2006 10:27 PM
منهج تربوي في القرآن سُهيلة منتدى الرؤية الإسلامية للتعليم 0 03-21-2004 10:11 PM


الساعة الآن 09:46 PM


Powered by vBulletin®
اعلن Copyright ©2000 - 2014, vBulletin Solutions, Inc.
جميع الحقوق محفوظة - الموقع الرسمي للأستاذ الدكتور إبراهيم بن عبدالله المحيسن 1430 - 1431 هـ

Security team